فئران أمي حِصّة.. الطاعون القادم لا محالة !

فئران أمي حِصّة.. الطاعون القادم لا محالة ! 4
0

إن كانت ساق البامبو قد كتبت لتكشف بعضاً من هلع الهوية في الكويت، الخوف الدائم على النسب، الاسم، القبيلة، الأصل، العنصرية الغريبة التي لا تخلو من التعاطف مع الطرف الآخر، لكنها في ذات الوقت لا تمنحه حقوقه، لا تستطيع فعل أي شيء له، سوى مراقبته يعاني في صمت، ربما التعويض ببعض المساعدات السرية، أو الكلمات الهامسة بأنه على حق..

 لكنه رعب الاختلاف، لكنه رعب الهوية، أو كما فكر بطل الرواية، لو كانت ملامحه عربية لكان الوضع بات مختلفاً بالنسبة له، لكن الملامح فاضحة، تفضح هويته، وتفضح انقسامه المشتت بين بلدين، بين أصلين، واحدة لم يشعر بالانتماء التام لها، وواحدة نبذته بقوة، حتى قرر تركها هكذا، حلماً جميلاً بعيداً، وحقيقة واقعة في قلبه فقط، بلا تعلق، أو تفاؤل بتحسن الوضع يوماً.

بطل ساق البامبو، حاول تجميل الأمر في عقله ليتمكن من الاستمرار، “هوسيه” أو “عيسى” الذي يحفظ النشيدين القوميين للكويت والفلبين وصل لدرجة التصالح مع انقسامه والتعايش معها بتقبل فكرة الاختلاف، وكفى.. أما بطل فئران أمي حصة الذي لا نعرف اسمه، لم يحاول تجميل الأمر على نفسه وعلى الآخرين، بل يمكننا أن نقول أنه زاده قسوة، كأي رواية ديستوبيا متقنة تحترم نفسها.

حقائق ومعلومات شيّقة عن رواية جورج أورويل المثيرة للجدل.. 1984

 يفكر سعود بصوت عال في الوضع الراهن وكيف سيتطور، المؤشرات كلها تشي بأن ما يفكر به هو وغيره قادم قادم، كالطاعون قادم، كالفئران قادم، لا مجال لتحاشيه، ولا تجنبه، بالطبع يمكننا التأكد تماماً من هذا الآن بعد كتابة الرواية ونشرها بعدة شهور، مع اشتعال الوضع بين الطوائف، ومع التشتت القبيح الذي لا يخجل من الإعلان عن نفسه..

الوضع الكابوسي في الرواية الديستوبيا أو ما بعد الكارثة، الذي يدور في عام 2020 في ظل حرب أهلية بالكويت، يتحقق اليوم في عدة دول، يمكننا أن نذكر معظم أسماء الدول العربية في هذه القائمة، وليس الكويت فقط.

ماعادت الفئران تحومُ حول قفص الدجاجاتِ أسفل السِّدرة وحسب. تسلَّلت إلى البيوت. كنتُ أشمُّ رائحةً ترابية حامضة، لا أعرف مصدرها، إذا ما استلقيتُ على أرائك غرفة الجلوس. ورغم أني لم أشاهد فأرا داخل البيت قط، فإن أمي حِصَّه تؤكد، كلما أزاحت مساند الأرائك تكشف عن فضلاتٍ بنيةٍ داكنة تقارب حبَّات الرُّز حجما، تقول إنها الفئران.. ليس ضروريا أن تراها لكي تعرف أنها بيننا!

قبل أن تقرأ للسنعوسي ربما عليك مراجعة بعض الأمور التي تجهلها عن الكويت، أغنى بلد عربية، وحلم الشباب من مختلف الدول، ربما يجب عليك أولاً البحث عن مصطلحات مثل “البدون” ، أو التعرف على نقيض مدينة الكويت في تيماء، أحد الأحياء الفقيرة والمهملة على أطراف واحدة من الدول الأكثر ازدهاراً في العالم.

منازل بسيطة بناها السكان بأيديهم مع أسقف من الصفيح، حيث يلعب الأطفال حفاة في الشوارع غير المعبدة. السكان المعروفين هناك باسم “البدون” حرفياً هم “بدون”. هم الأشخاص عديمي الجنسية، دون الحق في التعليم والرعاية الصحية والحقوق المدنية الأخرى.

البدون في الحقيقة مصطلح شائع في معظم الدول الخليجية، إذا ذكر يذكر همساً، فلا أحد يريد التورط مع مشاكل البدون ومطالباتهم بحقوقهم، الوضع يبدو عجيباً جداً فهم ليسوا أجانب ولا مهاجرين غير شرعيين مثلاً، بل هم أهل البلد بلا بطاقات هوية، يحاولون التعايش في بلدهم بالقوة، بالاستسلام تارة، والانتفاض تارة أخرى، هل يمكن تصديق هذا؟

لا داعي لمراجعة الصراع السني-الشيعي، فالأمر كله على المكشوف اليوم، الانفجارات لم تترك أحداً للجهل، يمكنك ببساطة أن تعلم أنك ساقط بين نزاع قائم على الاختلاف، كيف يعيش الناس إذن في العالم الآخر من الكوكب، الذي تجاور فيه الملحد مع المسلم مع المسيحي واليهودي والبوذي والهندوسي والشاذ والمتحول جنسياً، مع الأسود والأبيض والأصفر والشيعي والسني؟ لماذا ينجح الآخرون فيما فشلنا فيه؟ لا أعرف حقيقة.

كان الجو ملوثًا، نتنشق الهواء الفاسد دونما انتباه، صار لهواتفنا المحمولة دور جديد ابتدعناه بأنفسنا، يكفي واحدنا فتح البلوتوث في هاتفه ليعي إلى أي حدٍ نعيش في مكانٍ موبوء، صورٌ ولقطات فيديو يتبادلها الناس لرجال دين وخطب دينية وفتاوى ومعجزات مفتعلة، اضحك مع المعممين مناظرة بين الشيخ والسيد، شاهد جهل النواصب، مؤامرات الروافض. كنّا نتنشق كراهيتنا كما الهواء، لا مفرّ منها..

ربما عليك أن تفهم أن الوضع بين الطوائف في السعودية، في العراق، في اليمن، في الكويت، في لبنان، في سوريا، في مصر، بات أقرب لكوابيس أفلام الخيال العلمي، طرفان متقاتلان في حرب أعتقد أنها الأبشع على مر العصور، أنت تقاتل بني جنسك، بني وطنك، بناء على أيدولوجيات دينية ما، أشعر بالدهشة وانا أرى الجميع يتعامل مع الأمر بلا مبالاة وتقبل كامل..

في حرب العراق والكويت كان الجميع يصيح مذهولاً، دولتان عربيتان تتقاتلان؟؟ كيف يمكن أن يحدث هذا؟ واليوم بات الفريقان داخل الدولة نفسها يتقاتلان بلا دهشة، طرف يطلق على الآخر اسم رافضة، وطرف يطلق على الآخر اسم كفار، وبينهما تنفتح أبواب جهنم، فلا تبقي على أحد.

لا تنس أن البعض ضحّى بحياته من أجل وطنه. لا تنس أنّنا نسينا كل خلافاتنا واختلافاتنا من أجل بلادنا. لا تنس أنّك لا تساوي شيئًا من دون وطنك.

المراجعات النقدية التي قرأتها لرواية “فئران أمي حصة” لم تترك لي في حقيقة الأمر شيئاً لأقوله، لكني وبعد الانتهاء منها بأيام، لا أزال أفكر في وضع البطل وهو يمر على نقطتين آمنيتين متتاليتين بين السُرة والجابرية، لضمان مروره يلجأ البطل لإظهار انتمائه التام للسنة..

فيخرج المنشورات الدعائية السنيّة ويظهرها أمام أعينهم، يدير مؤشر الراديو على إذاعة الحق، بينما يديرها على أناشيد الحسين عند مروره على النقطة الثانية للشيعة، يرتدي خاتماً من العقيق الأخضر، ويتظاهر بالهرب من الكمين الأول!

أتذكر فوراً هذه القصة التي أرقتني ليال عدة، عن المصري المسافر بين مدينتين لبنانيتين في الحرب الأهلية، والكمين الذي أوقف الباص للتفتيش بناء على الهوية، المقنعين يتصفحون الهوية بلا كلام، لا أحد يعلم لأي فريق ينتمون، يتركون شخصاً ويذبحون الآخر بنظرة على البطاقة، إعدام على الهوية كما كان يطلق عليه، الرجل يكاد يموت رعباً فينقذه الله من حيث لا يحتسب بمرور دورية شرطة، فيفر المقنعون تاركين أكواماً من الجثث، ورجلاً سيعاني من الكوابيس ماتبقى له من العمر.

لا تقرأ رواية ” لا توجد سكاكين فى مطابخ هذه المدينة ” !

هل تنبأ إذن سعود بالطاعون قبل مجيئه؟ أم أنه فقط نطق بالحقيقة التي يخشي الجميع قولها؟ الطاعون ينخر في البلاد منذ فترة ليست بالقصيرة، ربما لا يزال وقت الإصلاح متاحاً، لكن كيف تصلح شيئاً ترفض الاعتراف به؟ أو بمسمى آخر، كيف تصلح أمراً وأنت في نفس الوقت تمنع الرواية من الصدور في موطنها حتى؟

أنا في الحقيقة غبية جداً، عقلي الصغير الجاهل الذي لا يسمو لعقول هؤلاء السادة المتطرفين من الجانبين، الذين يؤمنون بشكل كامل ومذهل، بكونهم الفريق الذي على حق، وبأن كل من عاداهم مخطئ، يثيرون إعجابي حقاً، كيف يصل شخص ما للإيمان المطلق بكونه الأصح والأذكى والأفضل، لدرجة تجعله يقتل فوراً وبلا نقاش أي شخصاً آخر يختلف عنه، أو يفجر نفسه في جامع طائفة أخرى، أو حتى كنيسة أو معبد يهودي أو بوذي أو سيانتولوجي حتى؟

أخذت أنادي بأعلى صوتي “يمه.. يمه!”. كانت قد عادت من عملها للتو. شهقت ازاء ما رأت؛ هيئتي المتربة وقميصي المفتوح وفمي الدامي. مسحت فمي بظاهر كفي لاهثا :ً “يمه.. احنا شيعة والا سنة؟

هذه الأسئلة الغبية التي تراودني لم أجد لها إجابة حقيقة في الرواية الديستوبيا، كما لم أجد لها إجابة في رواية يوتوبيا لأحمد خالد توفيق من قبل، ولا في أي رواية أخرى تصنف مثلهما والتي باتت أقرب للروايات الواقعية المنتظرة وليس الخيالية كما كانت تصنف سابقاً مثل1984 أو 451 فهرنهايت. لا أعرف حتى كيف لازلنا محتفظين بثباتنا العصبي، نعيش، ونأكل ، ونسافر ونتكاثر ونشاهد الأخبار بعيون ذاهلة، وبنصف عقل، أجبر نفسه على التأقلم مع الحضيض الذي نعيش فيه.. كيف نستمر؟

الرموز واللعب على الزمن

يستخدم سعود الرموز بشكل يثير الإعجاب، لاحظته منذ أن بدأت في القراءة له، مثلاً هو لا يكتب أي إهداء في مقدمة رواياته، الواقع أن كتابات سعود في الغالب مهداه لوطنه المهموم به، هو لا يكتب عن الكويت، بل هو يكتب الكويت، لم الإهداء إذن وكل كلمة مهداة إليه وحده؟

حالك اليوم تشبه ما قالته لي أمي حصَّة صغيراً، يخرج من بطنك دودٌ يأكلك، هي قيامتك اليوم أزف أوانها، وها أنا اليوم أكتبك خوفاً منك عليك، لا أجيد بكتابتي إلا فراراً منك إليك، ولأنني رغم كل الخيبات فيك، لا أنوي إلا أن أموت .. فيك

هذه التفصيلة البسيطة التي لا علاقة لها بالأحداث نفسها قد تجعلنا نتوقع ما سنقرأه داخلها، هذه العاطفة العارمة المشبوبة بالحسرة تجعلنا ننقبض بالفعل، التلاعب بين الفصول لتنقسم الرواية إلى جزأين متداخلين ببراعة انسيابية مذهلة تعرفك أن هذا روائي محترف بالفطرة، الجزء الواقعي يدور في عام 2020..

المستقبل المظلم الذي يقص فيه الراوي بالساعة والدقيقة واقعه المستمر في 12 ساعة، وبين مسودة رواية يعتزم نشرها باسم “إرث النار” ينتقل عبر فصولها المسماة بأسماء فئران حصة الأربعة، ليقص 35 عاماً من تاريخ الكويت، التاريخ يؤدي بالضرورة للمستقبل، فكيف نتهمه بالتشاؤم والمبالغة إذن؟

679

أما عن التفاصيل الحميمية فيمكننا أن نتحدث لما لانهاية، حاجز اللهجة الكويتية يتلاشى للقارئ العربي بفضل دقة السرد والتصوير، أفهم تماماً كلمات أمي حصة مصطلحاتها وأمثالها، وأرى البيت القديم وحظيرة الدجاج وشجر السدر، أتابع عن كثب ثلاثة أجيال ينقلون إرثاً من نار ليدفع ثمنه الأبناء، أبناء فؤادة كما يطلقون على أنفسهم، الذين يحاولون أن يتصدوا للفتنة، لكنهم بالطبع لا يفلحون.

لسنا في وقت يسمح لنا بترف الحنين إلى زمن طفولة في ماض كان، ولكنه حنين إلى زمن، رغم الخيبات فيه، عشناه بأفضل ما يكون

ما الذي حدث في الفترة بين الجيل الأول الذي يعيش بشكل طبيعي معاً بالرغم من اختلافه، وبين الجيل الثاني الذي لا يطيق بعضه البعض، وبين الثالث الذي يموت بسبب الاختلاف دون ذنب، كيف ينتقل إرثاً من الكراهية من قلب التعايش، وما الذي تغير فعلاً؟

رواية عشيق الصين الشمالية: في الحب لا توجد إجازة، يجب أن نعيشه بالكامل

برحيل الجيل الأول يبدأ الصدع في الظهور، يبدو أن أمي حصة هنا هي تعبير عن آخر لحظات التعايش بين طائفتين، الاختلاف الذي لا يفهمه الطفل الصغير “الرواي” يتمكن من استيعابه كاملاً بموت حصة، ولهذا يأتي ظهور طفلة صغيرة في النهاية تحمل اسمها، مؤشراً للأمل في ترميم الصدع بجيل رابع.

أنتم لا تبكون موتاكم، أنتم تبكونكم بعدهم. تبكون ما أخذوه برحيلهم. يخلفونكم بلا جدار تتكئون عليه، وأمك حِصَّة جدارٌ، رغم تصدعاته، كان متأكم الآمن. ترك غيابها غصة في حلوقكم، لا أنتم قادرون على لفظها ولا على ابتلاعها.

البطل يصر على أنه يشم رائحة عفن تمتد بين السُرة والجابرية، لا أحد يشمها سواه ورفيقه أيوب، رائحة العفن الوهمية هذه هي في الحقيقة رائحة الفتنة كما يفسرها عقله المختنق بالأمر، هذه الرائحة التي يمكنك شمها بمجرد التقليب في القنوات الإخبارية، أومتابعة الهاشتاجات العربية على تويتر!

الرائحة النتنة تزداد كلما اقتربت من الجسر، غريب أنني كلما شكوت من رائحة المياه العفنة، يجيبني الأصدقاء، أنت واهم!، وحده أيوب من بين أولاد فؤادة يضيق بالرائحة مثلي..

هل نستسلم أم نقاتل؟

الحقيقة أنني مؤمنة بأن الفئران قادمة بالفعل، بل هي أتت وانتهى الأمر، نصيحتي لجميع من حولي ألا يفكرون في الإنجاب أو المستقبل، من يملك بعض المال عليه إنفاقه فوراً والاستمتاع بحياته، يمكنك أن تختار طريقة وفاتك بعدة أشكال الآن، قد تنفجر بقنبلة وانت في طريقك للعمل..

قد تموت بالاختناق، في كمين، في مشاحنة، بناء على هويتك، بناء على دينك، قد تخطف، قد تعذب وقد تموت كمداً، أو تشنق نفسك من الاكتئاب، الأمر ليس صعباً للغاية، اقض أوقاتك القادمة في سلام مستمتعاً بالطعام اللذيذ، وبالقهوة الجميلة، وببعض الكتب الهزلية، واترك العالم ليحترق لأنه -شئناً أم آبينا- سيفعل.

0

شاركنا رأيك حول "فئران أمي حِصّة.. الطاعون القادم لا محالة !"