صالونات ومقاهي شهيرة أثرت في الحركة الأدبية والثقافية عبر الزمن

صالونات ومقاهي شهيرة أثرت في الحركة الأدبية والثقافية عبر الزمن 14
0

عرف الصالون الأدبي عند العرب منذ القدم، وهو مجلس يعقد في منزل إحدى الشخصيات البارزة في المجتمع ويشهده عدد من الأدباء والسياسيين والفنانين، ليتناولوا معاً مناقشة القضايا الأدبية والسياسية والفكرية المختلفة، تذكر بعض المراجع أن صالون “عمرة” هو أقدم صالون عربي عرفه العرب، ويرجع إلى النصف الأول للهجرة.

بعد ذلك، ونظراً للتكلفة المادية الباهظة التي تتطلبها عقد مثل هذه الصالونات، أصبحت المقاهي هي البديل عنها، فكانت ملتقى لكثير من المثقفين والأدباء على مختلف تياراتهم وتوجهاتهم الثقافية، وداخل أروقتها ولدت أهم الأعمال الأدبية.

شهد التاريخ العديد من المجالس الأدبية التي أثرت الحركة الأدبية والثقافية عبر الزمن، من أشهر هذه المجالس الأدبية نذكر ما يلي:

صالون السيِّدة سُكينة بنت الحسين

هي سكينة بنت الحسين بن علي، حفيدة علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء، كانت سيدة نساء عصرها، أحسنهن أخلاقاً، وأكثرهن زهداً وعبادة، ذات بيان وفصاحة ودراية بنقد الشعر، تمتعت بسيرة حسنة، وكرم وافر وعقل راجح، كانت من أوائل من أنشؤوا  “الصالون الأدبي” بمفهومنا المعاصر.

جمع منزلها العديد من الأدباء والشعراء، فكانوا يحضرون ندواتها، ويحتكمون إليها فيما ينشدون من أشعار، فتقدم لهم أحكامها الصائبة من وراء حجاب، وكانت بما تملكه من قوة حجة وسعة أفق واطلاع تبهر كل من سمعها.

10 كُـتّـاب مُعاصرين يجب عليك متابعـة أعمـالهم

صالون الشاعرة ولادة بنت المُستَكفي

1

وهي ابنة الخليفة المستكفي بالله تعالى، أميرة أندلسية وشاعرة عربية، اشتهرت بالفصاحة والشعر، وكان لها مجلس مشهود في قرطبة يؤمه الأعيان والشعراء ليتحدثوا في شؤون الشعر والأدب. يصف مؤرخ الأندلس ابن بسام صالونها فيقول أنه كان مفتوح الأبواب دائماً لعلية القوم مع صفوة الأدباء، وتفوقت عليهم..

كما يقول المؤرخ ابن بشكوال أنها دخلت في مباريات أدبية، وكانت النساء أيضاً يفدن على صالونها كي يتعلمن فنون القراءة والكتابة والموسيقى، وممن ربطتها بهم أواصر الصداقة ابن حزم مؤلف كتاب «طوق الحمامة»، وكان معجباً بعقلها وأدبها، كما أنها كانت محبوبة لابن زيدون وفيها قال أجمل الأشعار.

صالون الأديبة مي زِيادة

2

لو جمعت الأحاديث التي كانت تدور في صالون “مي” لتألفت منها مكتبة عصرية تقابل مكتبة “العقد الفريد” ومكتبة “الأغاني” في الثقافتين الأندلسية والعباسية.. العقاد

يعتبر صالون مي زيادة من أكثر الصالونات شهرة وأهمية، ومي اسمها الحقيقي هو ماري إلياس زيادة، أديبة نابغة وكاتبة فلسطينية لبنانية متميزة، ولدت في مدينة الناصرة عام 1886، كانت من أروع أدباء عصرها، امتازت بسعة الأفق وجمال اللغة والفصاحة..

أما صالونها فقد جمع كبار المثقفين أمثال الرافعي، والعقاد، وطه حسين، ولطفي السيد، وإبراهيم المازني، وأحمد شوقي وغيرهم، جاء صالون الثلاثاء “لمي زيادة” الثاني من نوعه بعد صالون سكينة بنت الحسين.

صالون مريانا مراش

3

شاعرة وكاتبة سورية، ولدت في حلب عام 1848، كانت من النساء الرائدات في الصحافة، نشرت مقالات عدة في مجلة الجنان وجريدة لسان الحال، اشتهرت بجمال صوتها وشغفها بالموسيقى، كان شقيقاها فرنسيس وعبد الله مراش من أركان النهضة الأدبية التي حدثت في سوريا الشمالية، وقد سارت على غرار أخويها.

يعتبر الأثر الأكبر لمراش هو صالونها الأدبي، الذي افتتحته عقب رحلاتها إلى أوروبا ومشاهدتها للكثير من الصالونات الأدبية المقامة هناك. تشجّعت مريانا لإقامة هذا الصالون الذي أرسى دعائم الأدب الحديث في الشرق العربي، وجمع في رحابه كبار الأدباء في مدينة حلب آنذاك مثل قسطاكي الحمصي، وجبرائيل الدلاّل، وكامل الغزّي وغيرهم.

صالون دي ستايل

4

اسمها الحقيقي هو آن لويس جيرمان، ناقدة فرنسية سويسرية وروائية شهيرة، ولدت في باريس عام 1766،وهي من أوائل الذين اهتموا بما يعرف الآن بالأدب المقارن، لها العديد من الروايات والمسرحيات كما أنها كتبت في التاريخ والنقد الأدبي.

يعد صالونها الذي أقامته إبان الثورة الفرنسية من أشهر الصالونات الأدبية التي أقيمت في أوروبا، وكان مصدر إلهام للعديد من الأديبات العربيات.

ضم هذا الصالون العديد من كبار الأدباء والسياسيين الفرنسيين، وعلى غير العادة في أي صالون أدبي كان كل من يحضره يأتي فقط ليستمع  لآخر كتابات ومواقف مدام دي ستايل السياسية.

هوميروس.. الأيقونة التي تربعت على عرش الثقافة الإغريقية

صالون مدام ريكامييه

5

هي جان فرنسوا ريكامييه، عرفت أيضاً باسم “جولييت”، ولدت في فرنسا عام1777، وهي إحدى أشهر سيدات المجتمع الفرنسي، تميزت بذكائها الحادة وسعة ثقافتها، أقامت في قصرها صالوناً يؤمه رجال الفن الكبار وغيرهم من مفكري عصرها وبعض الجنرالات العسكريين، انتسبت إلى إحدى الحركات المناهضة لسياسة نابليون بونابرت، مما دفع الأخير إلى نفيها خارج مدينة باريس.

مدام جوفران

6

سيدة الصالونات الباريسية، تدعى ماري تريز روديه جوفران، ولدت في 26 يونيو 1699، وهي من الشخصيات النسائية البارزة في حركة التنوير الفرنسية، وعلى الرغم من أنها لم تحظ إلا بقدر ضئيل من التعليم، لفتت بفطنتها ولباقتها أنظار كل من ارتاد صالونها.

كان يوم الاثنين من كل أسبوع هو موعد لقاء الفنانين في صالون مدام جوفران، أما الأربعاء فكان مخصصاً للقاء الفلاسفة والشعراء، وكانت هذه اللقاءات تتم بشكل رسمي ومنظم تديره السيدة جوفران بكل حكمة وكياسة.

“المقاهي القديمة أكثر من مجرد مقاهٍ أحياناً. إنها دفاتر تاريخ، إنها أيضاً مناهج اجتماع، ومراجع سياسية، وكتب آداب، ومؤشرات اقتصاد أحياناً. المقهى العريق يشبه جامعة غير مستغلة، جامعة شعبية، بدون قبول وشهادات، وتؤهل للاندماج جيداً في تراب المكان” .. محمد حسن علوان.

أما أشهر المقاهي التي ارتادها المفكرون والأدباء هي..

مقهـى بروكـوب

7

بروكوب هو واحد من أشهر و أقدم المقاهي في باريس، افتتح أبوابه عام 1686، على يد الإيطالي فرانشيسكو دي بروسوبيو، وعلى الرغم من أن المقهى بدأ بطابع كئيب مزري، إلا أنه استقبل الكثير من المشاهير والكتّاب والمفكّرين، أمثال : فولتير، وديدرو، وروسو، وفيكتور هوغو، وأوسكار وايلد. أخذ المقهى طابعاً أدبياً صرفاً، وقُدّرت قيمة الطاولة والكرسي التي كان يجلس عليها الأديب الفرنسي الشهير فولتير بمبلغٍ كبير جداً.

مقهى الفيشاوي

8

واحد من أشهر المقاهي الشعبية في القاهرة، يرجع تاريخ إنشائه إلى عام 1797، على يد الحاج فهمي علي الفيشاوي، يرتبط اسم المقهى كثيراً بالكاتب والأديب المصري نجيب محفوظ، إذ كان هذا المقهى من الأماكن المفضلة لديه، وفيه كتب ثلاثيته الشهيرة والتقى شخوص رواياته وأبطالها.

 كذلك ارتاد المقهى العديد من القادة والزعماء والأدباء، أمثال عباس العقاد، والمازني، ومحمد حسين هيكل، وحافظ إبراهيم، وأحمد شوقي، وأحمد رامي، ومحمد مهدي الجواهري، وعبد الوهاب البياتي، وبيرم التونسي، ونزار قباني، وعبد الرحمن الأبنودي وغيرهم.

مقهى زهرة البستان

9

يقع المقهى في مدينة القاهرة بمصر، ورغم تواضع مقاعده ومناضده وأسعاره، إلا أنه كان على الدوام محطة يجتمع فيها الأدباء والمثقفون الكبار والشباب، يتبادلون فيما بينهم الأفكار والآراء الأدبية والمعرفية، وعلى الرغم من أنه ظل مفتوحاً على مدى 80 عاماً، إلا أنه يعد إلى الآن أحد أفضل الأمكنة التي يتوالى على زيارتها المبدعين.

خمس روايات رائعة غيّرت طريقة تفكيري.. ماذا عنك؟

مقهــى الهافانــا

10

مقهى دمشقي، يحمل في أرجائه روح دمشق وعبق ياسمينها، تأسس عام 1945، ويقع في منطقة شديدة الكثافة والأهمية، حيث يجاور منطقة الفردوس مركز مكاتب الطيران والسفر والسياحة. وليس بعيداً عنه تقع ساحة يوسف العظمة، ومنها ينطلق سوق الصالحية أهم أسواق دمشق وأعرقها.

كان المقهى ملتقى لكثير من المثقفين والفنانين والأدباء السوريين والعرب، أمثال: محمد الماغوط، ونزار قباني، والشاعر العراقي، وبدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، ومحمد مهدي الجواهري. وغيرهم من الأدباء الذين كتبوا وتبادلوا الأفكار داخل أروقته لسنوات عديدة.

مقهى ريش

11

تأسس عام 1908، ويقع بالقرب من ميدان طلعت حرب. كان المقهى ملتقى الأدباء والمثقفين، أمثال نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وأمل دنقل، ويحيى الطاهر عبد الله، وصلاح جاهين، وثروت أباظة، ونجيب سرور، وكمال الملاخ، والرسام أحمد طوغان، والمحامي الأديب عباس الأسواني، وشاعر النيل حافظ إبراهيم، وإمام العبد، ومحجوب ثابت وغيرهم ممن كانوا يحرصون على حضور ندوات نجيب محفوظ الأسبوعية التي كان يعقدها عصر كل يوم الجمعة منذ عام 1963، وذلك بعد وقف ندواته في مقهى الأوبرا.

مقهــى الخفافيــن

12

على نهر دجلة، يقع مقهى الخفافين، واحد من أشهر وأقدم مقاهي بغداد، وحسب الشيخ جلال الحنفي مؤرخ بغداد، فإن المقهى بني مع بناء المدرسة المستنصرية في عهد الخليفة العباسي المستنصر بالله، ونسب اسمه “الخفافين” إلى صناع الجلود من الحرفيين الذين كانوا يصنعون الخف أو الأحذية.

ارتاد المقهى الكثير من الشعراء أمثال الرصافي والزهاوي وملا عبود الكرخي، كما كان ملتقى لقراء المقام العراقي، أمثال يوسف عمر، وعبد الجبار العباسي، وعبد الستار الطيار، وعبد الهادي العزاوي، وقدوري النجار. وفي أرجاء المقهى دارت أيضاً الكثير من الحوارات السياسية المهمة بعيداً عن أعين السلطات.

أما اليوم وبالرغم من ازدحام الشبكة العنكبوتية بآلاف المنتديات الثقافية ومواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن هناك من المثقفين الكبار والشباب من لا يزالون متمسكين بفكرة الصالونات والجلسات الأدبية وجهاً لوجه بعيداً عن هذا العالم الافتراضي.

0

شاركنا رأيك حول "صالونات ومقاهي شهيرة أثرت في الحركة الأدبية والثقافية عبر الزمن"