ريحانة الشرق مي زيادة.. أديبة وكاتبة بمداد من ذهب

ريحانة الشرق مي زيادة.. أديبة وكاتبة بمداد من ذهب 3
1

فاتك الكثير، إن لم تقرأ لمي زيادة من قبل!

في سماء الأدب، سطع نجمها وخُلد اسمها كواحدة من أهم وأبرز أدباء عصرها، لُقبت بعروس الأدب العربي، ولاّدة القرن العشرين، ريحانة الشرق، ونابغة عصر النهضة، هي حالة أدبية فريدة من نوعها، حتى إن سيرتها الذاتية وحياتها الشخصية كانت استثنائية أيضاً.

نشأتها وحياتها

ولدت مي زيادة في بلد، وأبي من بلد، وأمي من بلد، وسكني في بلد، وأشباح نفسي تنتقل من بلد إلى بلد.

في الحادي عشر من فبراير 1886، ولدت ماري إلياس زيادة، التي اختارت لنفسها اسم “مي”، في مدينة الناصرة بفلسطين. كان أبوها هو الكاتب والمعلم إلياس زيادة، لبناني الجنسية من قرية شحتول قضاء كسروان، أما أمها فهي نزهة معمر فلسطينية من أصل سوري.

تلقت دراستها الابتدائية في الناصرة، وتميزت بالنبوغ والفصاحة منذ الصغر، أكملت دراستها الثانوية في عينطورة بلبنان. وفي عام 1907 انتقلت مع أسرتها للإقامة في القاهرة. والتحقت هناك بكلية الآداب وتعمقت بدراسة الأدب العربي والتاريخ الإسلامي وكذلك الفلسفة.

أتقنت مي لغات عدة كالعربية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية والألمانية والأسبانية، وفي أثناء تواجدها في مصر قام بتعليم اللغة الفرنسية لأبناء أحد الأثرياء يدعى “إدريس راغب” مالك جريدة المحروسة، ومكافأة لها على تعليمها أبناءه، أهداها الجريدة ومطبعة الجريدة.

كتبت مي بالصحف والجرائد بأسماء مستعارة عديدة منها: الكنار، شجية، عائدة، السندبادة البحرية الأولى، مدموزيل صهباء، واستعارت في عدد من معاركها الأدبية الجريئة اسماً ذكورياً وهو خالد رأفت، كما أصدرت كتابها الأول بالفرنسية في عام 1911 بتوقيع ايزيس كوبيا.

مجموعة عربية قيّمة من أجمل ما كُتب في الأدب الساخر

أعمالها الأدبية

1

امتازت مي بقدرتها الفائقة على تصوير كل ما يدور في نفسها وكل ما يجول في خاطرها ببلاغة وفصاحة لا مثيل لها. تحدثت في موضوعاتها عن أمور شتى كالمرأة والحياة، بهاء الطبيعة والأرياف، وكذلك تحدثت عن الحب. ولدى قراءتك لأدبها ستلحظ مدى نبوغها الفكري وثقافتها الواسعة وحسن أخلاقها ورقيها.

كان أول كتابات مي كما ذكرت سابقاً، مجموعة شعرية باللغة الفرنسية بعنوان “أزاهير حلم” نشرته عام 1911، ثم وضعت مؤلفات عدة منها: باحثة البادية وكلمات وإشارات، ظلمات وأشعة، سوانح فتاة، بين المد والجزر، الصحائف والرسائل، وردة اليازجي، عائشة تيمور، الحب في العذاب، غاية الحياة، رجوع الموجة، ابتسامات ودموع..

قامت مي بعدة رحلات إلى أوروبا وغذت المكتبة العربية بطائفة من الكتب القيمة، وبلغت في الأدب منتهاه حتى استفاض ذكرها على الألسنة وأصبح فكرها وقلمها وصالونها الأدبي الشهير قبلة الأدباء والشعراء.

باقة مقتبسة من كتاباتها 

#كل امرئ يحيا حياتهُ وعليه أن يجد طريقهُ بين متشعب المسالك، وهو مسؤول عن كل عملٍ يأتيه ويتحمل نتاجه، إن فائدة وإن أذى. فالفتاة التي اعتادت الانقياد لآراء والديها وعجزت عن إتيان عمل فردي تدفعها إليه إرادتها بالاشتراك مع ضميرها، ما هي إلا عبدة قد تصير في المستقبل “والدة” ولكنها لا تصير “أماً” وإن دعاها أبناؤها بهذا الاسم. لأن في الأمومة معنى رفيعاً يسمو بالمرأة إلى الإشراف على النفوس والأفكار والعبدة لا تربي إلا عبيداً.

#إن مثل إنسان بلا هدف كمثل سفينة بلا دفة، كلاهما سينتهي به الأمر محطماً بجانب الصخور.

#من خساسة النفاق أنه يتكلم بلهجة تحاذي الصدق ويتلون بلون الواقع المحسوس.

#الثورة ككل جرأة، في وقتها ومكانها عبقرية وانتصار، وفي غير ذلك حماقة واندحار.

#جبار هو ذاك الذي يكون شعاره في الحياة: سأتألم، ولكني لن أغلب.

ني أخاف من الحب كثيراً، ولكن القليل من الحب لا يرضيني.

#حكمة اليوم في مذكرتي تقول إن الدعة أقدر من الحدة، كما أن أعظم الدهاء يكون أحياناً في البساطة.

#ليس النبيل من ورث نسباً ومالاً فاستخفَّ بالناس والأشياء اتكالاً على وراثته، بل النبيل من خلق نفسه، وما زال بها كلَّ يوم يجددها بعمله ليخلف للمستقبل ثمرة مجهوداته.

بين مي وجبران

كاتبة كمي ،تستحق حباً كجبران.

2

لم يلتقيا يوماً، ومع هذا كان الأديب اللبناني “جبران خليل جبران” هو حب مي الأبدي، ورغم كل المسافات الشاسعة التي فصلت بينهما، حيث كان جبران يقيم في نيويورك ومي بالقاهرة، إلا أنه وجد بينه وبينها الكثير من التفاهم والحب والصداقة، استمرت المراسلات بينهما لمدة عشرين عاماً حتى وفاة جبران في نيويورك.

في كتاب يحمل عنوان “الشعلة الزرقاء”، وثقت تلك الرسائل التي كان يرسلها جبران لمحبوبته مي، عدد الرسائل في هذا الكتاب ثمان وثلاثون رسالة، وكذلك برقية مطبوعة أرسلها جبران من نيويورك إلى مي في القاهرة مطلع عام 1931 للتهنئة بالسنة الجديدة، معتذراً عن الكتابة إليها “بيد مريضة”.

وكان آخر ما تسلمته مي من جبران رسماً لكف مفتوحة، تتوقد منها شعلة زرقاء مرسومة بريشته، وكتب بخطه إلى جانبها: “من جبران إلى ماري” بتاريخ 26 آذار 1931، أي قبل وفاته بأسبوعين فقط.

هل تفعل الرواية مالا يفعله الكتاب بالفعل؟!

معاناتها من الاكتئاب

عانت مي كثيراً بعد وفاة والدها في عام 1929، وكذلك موت والدتها بعده بثلاث سنوات فقط، وهو الأمر الذي أثّر على حالتها النفسية، وقد ازداد أمرها سوءاً بعد وفاة جبران.

أرسل أصحاب مي صديقتهم إلى لبنان حيث يسكن ذووها، ولكنهم أساؤوا إليها وقاموا بإدخالها إلى مستشفى الأمراض العقلية لمدة تسعة أشهر، ولم يكتفوا بذلك فقط، بل امتد أذاهم إلى الحَجر عليها؛ فاحتجّت الصحف اللبنانية وبعض الكتاب والصحفيين على عنف أقاربها معها؛ فنُقِلت بعدها إلى مستشفى خاص في العاصمة اللبنانية بيروت، ثم خرجت إلى بيت مستأجر حتى استعادت عافيتها، وأقامت عدة أشهر عند الأديب أمين الريحاني، ثم عادت إلى مصر. 

وفاتها

أتمنى أن يأتي بعد موتي من ينصفني، ويستخرج من كتاباتي الصغيرة المتواضعة ما فيها من روح الإخلاص والصدق والحمية والتحمس لكل شيء حسن وصالح وجميل.

في عام 1932 سافرت إلى إنجلترا أملاً في تخفيف آلامها، ولكنها لم تجد في السفر الدواء المنشود، فعادت إلى مصر، ولم تلبث أن سافرت مرة ثانية إلى إيطاليا لتتابع بعض المحاضرات في جامعة “بروجيه”، ثم عادت إلى مصر مرّة أخرى، وبعدها سافرت مرة أخرى إلى العاصمة الإيطالية روما، بعدها رجعت إلى مصر واستسلمت لأحزانها، وبقيت على حالتها هذه حتى توفيت في عام 1941.

للمزيد عن حياتها شاهد

 

1

شاركنا رأيك حول "ريحانة الشرق مي زيادة.. أديبة وكاتبة بمداد من ذهب"