نظريات وتساؤلات وتصوّرات مختلفة عن نشأة الكون! 1
2
عندما أتأمل الكون حولي؛ ينتابني الخشوع بين العدم الذي خرجت منه، واللانهاية التي أنا باتجاه الذهاب إليها..
بليز باسكال

الكون عُمره مقدّر بنحو 13.7 مليار سنة، ولك أن تُطلق العنان لمخيلتك في محاولةٍ لإدراك حجم ومَقْدرة هذا الخلق العظيم على التماسك طيلة تلك الفترة السحيقة، وأيضاً مقدرته على التماسك لفتراتٍ زمنية قادمة لا يُعرف لها موعد نهاية.

فإذا ما أدركت هذا؛ ستتيقن أن هذا الكون ليس عبثياً أو عشوائياً، وإنما يسير وفق قوانين مُحكمة أفنت من عمره 13.7 مليار سنة؛ ولازال يفنى عُمُرَه في عزف سمفونيته الكونية التي أنتج بها تسلسلاً للأحداث قبل مجيئنا إليه؛ وحتى هذه اللحظة.

فعِظَم الكون في حاضرنا، أعطانا تساؤلات عديدة عن أصله، ومن أين أتى؟ ولماذا نحن فيه؟ وإلى أين سيأخذنا؟

أمّا تلك المشاهدات الرائعة التي نرصدها في فضائنا من سُدمٍ لانفجارات نجمية، وتلألؤ للنجوم ليلاً في سمائنا، غلغلت في أعماق نفوسنا فضولاً قاتلاً عن معرفة ما الذي خَلّف كل تلك الموجودات بهيئتها الحالية؟ وماذا يمكن أن يوجد غيرها؟ وأكثر من ذلك مُستقبلاً مما لا تبصره أعيننا، ولا تتصوره عقولنا!

من أجل ذلك الجمال والروعة الكونية؛ جاهد كثيرٌ من العلماء في وضع نظرياتٍ متعددة من أجل فهم أو تقريب الصورة لنشأة الكون.

فظهرت لتلك المحاولات؛ العديد من النظريات والتساؤلات والتصورات حول نشأة الكون ووجوده بما فيه، بعضها فُنّد بنظرياتٍ أكثر قابلية للتصديق ودلائل علمية صحيحة، وأخرى لا زالت قيد الدراسة.

نظرية الكون الساكن – The Static Universe Theory

ويُطلق عليها اسم نظرية الكون غير المحدود، أو الكون الثابت اللانهائي. هذه النظرية؛ تقترح أن الكون ثابت لا يتغير مُطلقاً. بمعنى أنه لا يتوسع أو ينكمش، أو يتحرك، وليس له نقطة بداية أو نهاية.

وعلى النقيض منها، اقترح ألبرت أينشتاين نموذجاً مشابهاً لكونٍ لانهائي زمنياً؛ لكنه محدود مكانياً. ونشر هذا الاقتراح في ورقته البحثية المُسمّاه «الاعتبارات الكونية» عام 1917 للنظرية النسبية العامة.

دُحضت تلك النظرية حينما اكتشف «إدوين هابل» الشعاع الأحمر للمجرات التي تتحرك في تباعد عن مجرتنا، مُعلناً بذلك أن الكون يتحرك، وتتباعد مجراته أيضاً.

نظرية الانفجار العظيم The Big Bang theory

ألبرت آينشتاين برفقة جورج لوميتر

ألبرت آينشتاين برفقة جورج لوميتر

أو كما تُعرف بالنموذج القياسي. تُعد من أكثر النظريات التي تدعم نشأة الكون من نقطة بداية حتى الآن. فالنظرية وضعها الكاهن البلجيكي «جورج لوميتر» عام 1920.

وتنص على أن الكون كان في بدايته مجرد نقطة مجهولة المَعْلَم، مُتناهية الصّغر والكثافة. ثم أحدثت تلك النقطة انفجاراً هائلاً في كافة الاتجاهات؛ أطلق بذلك حرارة وطاقة عالية جداً لا يمكن تصورها.

بعد ذلك؛ بدأ الكون في التبريد تدريجياً على عدة مراحل. وفي كل مرحلة؛ بدأت المادة تتكون بداية من الجسيمات والجسيمات المضادة التي أفنت بعضها، وصولاً لأن أصبح الوجود مُجرد بقايا تلك المواد الفانية.

وفي عام 1929، اكتشف إدوين هابل أن الكون يتباعد، بعد مراقبته وملاحظته للمسافات بين المجرات وضوئها الأحمر وهو اللون المميز للموجات الطولية.

استندت النظرية على النظرية النسبية العامة لأينشتاين، وعلى تبسيط فرضيات مثل تجانس النظام وتوحد خواص الفضاء. أما من صاغ معادلات النظرية الرياضية؛ فهو عالم فيزياء الكون الروسي والرياضي «ألكسندر فريدمان».

كان الدليل القاطع على صحة النظرية هو اكتشاف ما يعرف بـ «إشعاع الخلفية الكونية الميكروي» عام 1964 بواسطة كل من «آرنو بينزياس، وروبرت ويلسون».

هذه الأشعة تُعبّر عن الإشعاعات الكهرومغناطيسية التي توجد في أي نقطة أو مكانٍ في الكون بنفس الشدة والتوزيع؛ بحيث لا يمكن تحديد مصدر معين وملموس لها، وهي تعادل درجة حرارة 2.7 درجة كالفن (270.45 – ) مئوية.

نظرية التضخم الكوني – The inflation theory

تبدو هذه النظرية مقترنة تماماً بنظرية النموذج القياسي (الانفجار العظيم). وكان العالم الأمريكي آلان غوث هو أول من اقترح عام 1981؛ أن التضخم الكوني حدث بعد الانفجار العظيم في مرحلة قصيرة جداً؛ في أول تريليون من تريليون من تريليون من الثانية من نشأته.

حيث بدأ الكون في التوسّع والتضخم مبتعداً عن مركز انطلاقه حتى لا ينكفئ الكون على نفسه؛ بسبب عِظَم الكتلة الأولى المتكونة، وأيضاً صغر المقاييس بين أجزائه الذي يجعل الجاذبية اللامتناهية تجذب أطراف الكون الناشئ على نفسه وينتهي. بالتالي؛ أبعد هذا التضخم أجزاء الانفجار عن بعضها لمسافة كافية تعمل على تفادي قوة الجاذبية وينشأ بذلك الكون.

وتتنبأ نظرية التضخم الكوني بشيء محدد للغاية؛ وهو أن هذا التضخم صاحبته موجات من طاقة الجاذبية موجودة في نسيج «الزمكان space-time ». وأن تلك الموجات كان لها تأثير على أقدم ضوء في السماء؛ وهو إشعاع الخلفية الميكروّي.

 وفي عام 2014، ظهرت بعض الشكوك التي أحاطت بتلك النظرية. واستخدمت مؤسسة «بيسيب 2» الأمريكية مجهراً في القطب الجنوبي للكشف عن إشارة تمدد الفضاء. واستطاع المجهر اكتشاف هذه الإشارة، التي يُطلق عليها “استقطاب بي-مود”.

هذه الإشارة تأخذ شكل دوامة في خصائص اتجاهات ضوء إشعاع الخلفية الميكروية، إلا أن هناك بعض الثغرات الموجودة في تحليل الفريق، وأساليب توظيف البحث مما أعطى ذلك دليلاً للشك في هذه النظرية.

وحتى يُحسم الأمر في تلك القضية؛ اتفق الفريق الباحث على إطلاق مركبة «بلانك» المعروفة بجودتها ودقتها في تحديد سمات الغبار الكوني؛ لرصد المزيد من البيانات متضمنة الجزء من السماء الذي يغطيه مجهر مؤسسة «بيسيب2».

وحتى ظهور بياناتٍ جديدة من مصادر أخرى، فإن مؤسسة «بيسيب2» تقر بأن هناك قدراً كبيراً من عدم اليقين الذي يحيط بنظريتها لتضخم الكون!

نظرية الكون الثابت أو نظرية الحالة الثابتة – the steady state theory

هي نظرية تم تطويرها عام 1949 بواسطة كلّ من «فريد هويل، توماس غولد، هيرمانبودي» كبديل لنظرية الانفجار العظيم (النموذج القياسي).

تنص تلك النظرية على أن كثافة المادة في الكون الآخذ في الاتساع؛ ثابتة دون تغيير بسبب خلقٌ مستمر للمادة.

بالتالي؛ تعمل تلك النظرية بمبدأ الكون الكامل أو الثابت. وهذا المبدأ يؤكد أن الكون المرئي حالياً؛ هو في الأساس الكون نفسه في أي وقت مضى أو حالي أو مستقبلي، وكذلك هو نفسه في أي مكان.

لكن تلك النظرية دُحضت بالدلائل التي قدمتها نظرية الانفجار العظيم، وأبرزها اكتشاف إشعاع الخلفية الميكروي.

هل نعيش في الكون داخل ثقب أسود؟

كون داخل ثقب أسود

يبدو السؤال غريباً للوهلة الأولى؛ لكن وخلال العقدين الماضيين؛ أصبحت هناك العديد من النظريات الفيزيائية التي تُرجح أن كوننا ليس وحيداً، وأننا جزء من كونٍ مُتعدد، أو مجموعة هائلة من الأكوان المتعددة.

هناك فكرة للفيزيائي «نيكوديم بوبلوسكي»، يقدمها لشرح نشأة الكون من نقطة صغيرة، وتعطي بذلك دليلاً على احتمالية وجود أكوانٍ متعددة.

هذه الفكرة تقول بأن للكون بذرة شبيهة ببذرة النباتات، والتي تحوي داخلها كافة العناصر للنبتة لكن في بذرة صغيرة واحدة.

وهذا التصوّر يصف بدقة ما يتم إنشاؤه داخل ثقب أسود. فإذا ما نظرنا لماهيّة الثقب الأسود ذاته؛ سنجد أنه ناتج من موت نجم في الفضاء. فعندما يموت النجم؛ ينهار على نفسه بفعل الجاذبية الهائلة التي تسحب أجزاؤه للمركز؛ مُكونة بذلك ثقباً أسوداً يستحيل أن يفر منه شيء يُذكر حتى الضوء.

وإذا ما طبقنا نظريات آينشتاين لتحديد ما يحدث في الجزء السفلي لثقبٍ أسود، سنجد أننا نقوم بحساب نقطة لامتناهية الكثافة والصّغر، تسمى بالمفهوم الافتراضي بالتفرّد (وهي تلك التي تقوم عليها نظرية الانفجار العظيم).

لكن يُمكن لنظريات أينشتاين – التي توفر حسابات رائعة لمعظم الكون – أن تفشل في وجه القوة الضخمة، مثل تلك التي تحدث داخل ثقب أسود، أو عند ولادة الكون الذي نعيش فيه.

ويقول الفيزيائي «نيكوديم بوبلوسكي»: أن المادة داخل الثقب الأسود لا تتدمر بحيث لا يمكن إيجادها؛ وإنما تكون أشبه ببذور صغيرة بوزن مليارات الشموس، وتكون حقيقية أيضاً.

كما تتوقف عملية الضغط داخل تلك البذور، والثقوب السوداء تدور بسرعة فائقة يمكن أن تقترب من سرعة الضوء. هذا الدوران الفائق يمنح تلك البذور المضغوطة كمية كبيرة من الالتواء.

فتصبح تلك البذور ليست مضغوطة بدرجة كبيرة فحسب، بل تدور بسرعة هائلة تجعلها في لحظة ما ترتد فجأة مُنْفجرة في مكانها، وهو ما أطلق عليه الدكتور «الوثب الكبير».

وبعبارة أخرى؛ يمكن اعتبار الثقب الأسود باباً ذو اتجاهٍ واحد بين كونين؛ بحيث إن عَبَرَتْ جزيئاتك داخل الثقب الأسود لمجرة درب التبانة؛ تصبح في كونٍ كُلي آخر جديد (أي ليس في مكانٍ آخر داخل كوننا)!

وهذا التصوّر يُعطينا نموذجاً آخر عن كوننا، بأنه ناتج من كونٍ آخر أكبر يُدعى «الكون الأم – The Mother Universe»، والذي كان داخل ثقب أسود، ثم حدث لبذرته ارتداد وانفجار كبير منذ 13.7 مليار سنة، وأخذ بالتوسع بتسارعٍ كبير منذ ذلك الحين حتى يومنا هذا، وأننا نقبع حالياً داخل كوننا في خفاء وراء حدود الأفق داخل ثقب أسود.

مصدر: تقرير ناشونال جيوغرافيك

شاهد هذا الفيديو أيضاً الذي يوضّح فيه الدكتور «ميتشيو كاكو» أن الكون الذي نعيش فيه؛ ربما يكون ناتج من انفجار مُفردة لثقبٍ أسود في كونٍ آخر.

وبعيداً عن كافة الاقتراحات والنظريات التي تتنبأ بنشأة الكون بشكلٍ قاطع؛ يمكنك مشاهدة هذا الوثائقي «قصة كل شيء» للعبقري الفيزيائي «ستيفن هوكينغ» والذي يروي قصة البداية المعهودة من انفجار كبير، وصولاً لما يمكن أن يتوصل إليه علماء الكون والفيزياء مُستقبلاً؛ في قصة كونية ملحمية تأخذك لعالم أكبر مما تتصور!

أخيراً.. من وجهة نظري الشخصية؛ فإن احتمالية أننا نعيش داخل ثقب أسود يعطينا ذلك شعوراً بالانتشاء كَوْن أننا نعيش في عالمٍ من الفانتازيا الكونية التي لا يُمكن تصوّرها، لكن ما ينقصنا حقاً في تلك الفانتازيا؛ هو أن نعيش التجربة ذاتها بمرورنا داخل ثقب أسود في هيئة جزيئات، ثم نتكوّن كأشخاصٍ حقيقيين مُكتملين في كونٍ آخر، أليس ذلك ممتعاً؟!

على كل حال، فالذي أقوله دائماً؛ هو أن أفضل ما يُمكن أن يعطيك إياه عالمك، هو بعض من التفكير في ماهية الكون، وكيف نشأ؟ وإلى أين يأخذنا؟ وما موقعنا نحن فيه؟ وجميع تلك التساؤلات التي يمكن أن تطرحها لنفسك عن الكون؛ كما طرحها آخرون واستطاعوا بنظرة علمية تكوين نظريات وفرضيات تحاول أن تقترب من نشأة الكون.

ليس شرطاً أن تنتهي من تفكيرك العميق بنظرية جديدة تسحق كافة النظريات التي يعتمد عليها علماء فيزياء الكون علمياً في تفسير الكون، لكن التفكير وحده في الكون يمنحك تأثيراً ساحراً يجعلك ترى الأمور كافة من منظورٍ آخر أكثر واقعية، كواقعية أننا نعيش على نقطة زرقاء صغيرة مُلقاة في كونٍ سحيق.

أيضاً أفضل ما أقدمه هو بعض الكُتب المتنوعة التي تستطيع الاستفاضة منها عن بداية الكون حتى اليوم…

تاريخ موجز للزمان – ستيفن هوكينغ

الكون في قشرة جوز – ستيفن هوكينغ

الكون – كارل ساغان

البدايات – نيل تايسون

بحث في نظام الكون – جورج جونسون

بداية الكون من الأفلاك إلى البشر – جون فايغر

الدقائق الثلاث الأولى من عُمْر الكون – ستيفن وينبرغ

مقال نظريات وتساؤلات وتصوّرات مختلفة عن نشأة الكون! لايعّبر عن رأي فريق تحرير أراجيك
مـي السيد

جيوفيزيائية، كاتبة علمية.. أحب الغموض في الأشياء كلها، أستمتع بالكتابة عن كافة الموضوعات؛ وخصوصاً المؤثرة في النفس البشرية، أجد نفسي في الكتابة بعيدًا عن صخب العالم.

2

‎شاركنا برأيك حول نظريات وتساؤلات وتصوّرات مختلفة عن نشأة الكون!