أفضل روايات إيميلي نوثومب التي تروي فيها الجانب المظلم من رحلاتها

1

بالنّسبة للكثير منّا قد نعجب بكاتبٍ ما ولكنّنا نتوقّف عن قراءته ببساطةٍ لأنّ أسلوبه متشابهُ في جميع أعماله بشكلٍ يدعو للإحباط ما يجعلنا نستبق الأحداث ونملّ التّعابير المكرّرة، لكنّ الأمر يختلف عندما نتحدّث عن (إيميلي نوثومب) الروائيّة الشّابّة التّي تأخذنا في رحلةٍ شيّقة عبر أعمالها المتنوّعة والتّي تتصاعد العواطف فيها وتهبط من الضّحك إلى البكاء فالخوف والقرف المصاحب للغثيان تماماً كاختلاط المشاعر الذي ينتابك عند ركوب أفعوانيّة مدينة الألعاب وستتفاجأ من المحطّات التّي ستمرّ بها في هذه الرحلة من حوادث تاريخيّة إلى تشبيهات خياليّة وتعابير غنيّة بالثّقافة الواسعة التّي تدلّ على الاطّلاع الهائل والقدرة الفذّة على الغوص في السّراديب المظلمة للنّفس البشريّة ما يعدك بمغامرةٍ ممتعة لا مكان فيها للملل.

فإيميلي هي نفسها شخصية مميزة، عاشت حياةً حافلةً مثيرة للاهتمام. وُلِدَت وهي بلجيكيّة الأصل في مدينة كوبة اليابانيّة عام 1967 وعاشت فيها حتّى بلغت الخامسة من العمر بسبب عمل والدها السفير والدبلوماسي الشهير هناك، وبعدها عاشت حياةً مليئةً بالتّرحال ما بين الصّين وبنغلاديش ونيويورك وبورما ولاوس ثم اختصّت في جامعة بروكسل بفقه اللّغة عن عمر السابعة عشر، ورغم كونها أوروبيّة إلا أن قلبها بقي متعلّقاً باليابان وشعرت بالغربة الشّديدة في وطنها بلجيكا، ما دفعها للعودة إلى البلد الذي ترعرت به واتّخاذ منعطف جديد في حياتها القادمة.

اتّجهت بعد ذلك نحو الأدب، فمنذ روايتها الأولى “نظافة قاتل” اتجهت أنظار القراء والنقاد نحوها ثم ثابرت بعدها على إصدار عمل واحد في كل سنة بما فيها سيرة ذاتية مجملة لحياة المغنية الفرنسية مريم روليت المعروفة بـ “روبيرت” تحت عنوان “كتاب الأسماء الصّحيحة”.

كما ألّفت كلمات 9 من أغانيها، وقد كوفئت على إنجازاتها فقد نالت “الجائزة الكبرى للأكاديمية الفرنسيّة” و”جائزة رينيه فاليت” و”جائزة آلان – فورنييه” وقد تم تصوير فيلم وثائقي عن سيرة حياتها من إخراج لوريلاين أمانيو. باختصار يمكننا القول أن لإيميلي نوثومب تأثير لا يمكن إنكاره في عالم الفَنّ والمسرح والأدب الأوروبي والعالمي.

إن شعرت بالاهتمام إلى الآن أو على الأقلّ بالفضول ألق معنا نظرةً على أبرز روايات إيميلي نوثومب …

1- ذهول ورعدة

هنا نرى إيميلي الشّابة في أقصى درجات سذاجتها وهي تحاول الصّمود في عملها لدى إحدى الشّركات اليابانيّة في العاصمة طوكيو، رغم كفاءتها العالية إلا أنّها تجد نفسها دائما في مواقف لا تحسد عليها تواجهها كلها برباطة جأش وروح فكاهة عالية إلا أنها تصل في النّهاية إلى حدّ الانهيار؛ ولكنّه على كل حال الانهيار الذي بدأت منه حياتها الأدبية لاحقاً.

ذهول ورعدة - روايات إيميلي نوثومب
ذهول ورعدة – روايات إيميلي نوثومب

لن نقوم بحرق القصة عليكم ولكنها قطعة أدبية متجانسة ومرحة مليئة بالمشاعر الحارة تصوّر الجمال الياباني في أبهى حالاته وأشرسها وعالم الأعمال المتأرجح ما بين الآمال العالية ولحظات إثبات النّفس الذّهبية والمواقف المخزية التي تحطّم العزيمة.

2- لا حواء و لا آدم

 بعيدًا عن الإذلال الذي كانت تعانيه إيميلي في عملها كانت تجد السّكينة في علاقتها مع الطّالب (رينري) المنحدر من أسرةٍ يابانيّة عريقة والذي فتح لها آفاقاً جديدةً في هذا البلد الذّي تعشقه… رغم لحظات الحزن والانكسار التي عانتها واشتياقها الشّديد لأختها إلا أنّها تشعر أن روحها تنتمي لليابان.

لا حواء ولا آدم - روايات إيميلي نوثومب
لا حواء ولا آدم – روايات إيميلي نوثومب

ونرى عواطفها في هذا الكتاب هادئة وباردة بعض الشّيء وقد كتب النّاقد الشّهير “لو بوان” عن “إيميلي نوثومب”: (إيميلي نوثومب تخوض عمليّة بحث عن صوت فولتيري خاص بها… صوت خفيف، غير قابل للتّلف ومتحرك دائماً، حواراتها نقيّة، سريعة، حادّة، صافية، غير قابلة للصّدأ، مصقولة، لا يمكن التّنبؤ بها، وهى فوق ذلك سامقة حد البراعة، لا شيء يتسكّع أو يثقل على القارئ في هذا الكتاب، هذا الكتاب أعجوبة صغيرة، ولكن لماذا قلت “صغيرة”؟ هو أعجوبة فعلاً!

3- نظافة القاتل

 هنا سنشعر بالرّضى لأننّا سنرى ثمرة إبداعات إيميلي وموهبتها في أقصى قدراتها على استفزاز القارئ ودفعه للغثيان دون القدرة على ترك الكتاب لحظةً واحدة قصّةُ شيّقةُ في هيئة حوار سوداوي مع الكاتب بريتكستا طاش الذّي اقترب حتفه يكتشف في هذه السّاعات القليلة ما كان يتوق لفهمه طوال ال 66 سنة الماضية والتي أمضاها في عزلةٍ خاليةٍ من الكتابة مليئةً بالنّهم والكسل اللّذان أوصلاه إلى الشّلل.

نظافة القاتل - روايات إيميلي نوثومب
نظافة القاتل – روايات إيميلي نوثومب

رواية تتحدث عن وحش تنتهي بخلق آخر أشد نتانة وقد تحوّلت إلى فيلم سينمائي من إخراج روغييري واقتبسها للمسرح ديديه لانغ، وللأوبرا دانيال شال.

4- بيوجرافيا الجوع

تستهلّ إيميلي روايتها بالحديث عن أرخبيل أوقيانوسي خالٍ من الجّوع، حيث أنّ فيه وفرةً من الطّعام واكتفاء شديد لدرجة أنّه أصاب سكّانه بالكدر… فأضحوا أمواتاً يمشون على الأرض.

بيوغرافيا الجوع - روايات إيميلي نوثومب
بيوغرافيا الجوع – روايات إيميلي نوثومب

مفارقةُ وضعتها لإظهار مدى بعدها عن ذلك فنشاطها وتوقها الدّائم وغرابة أطوارها واهتماماها بأدقّ التّفاصيل ليس سوى نتيجة جوعها الأزلي والمستمر الذّي عانت منه طوال حياتها والذي من دونه لما كانت على قيد الحياة، ذلك الجّوع الذّي ولّده التّنقل الدّائم في صغرها من اليابان التي لم تفتأ تشعر بالطّمأنينة فيها حتى غادرتها إلى الصّين فنيويورك وبنغلاديش التي عانت فيها أشدّ تجارب حياتها قسوةً وابتعاد والدها وانشغاله بالسّياسة ثم انعزالها اجتماعياً كل تلك العوامل التّي دفعتها بقوة نحو الكتابة…

الكتابة بدافع القوت… الكتابة بحق!

باختصار هذه هي سيرة حياة المؤلفة بكلماتها الخاصّة تروي فيها الجانب المظلم من رحلاتها.

الجوع، الجوع الحقيقي، الذي ليس سعارا، الجوع الذي يشق الصدر ويفرغ النفس من جوهرها، هذا الجوع هو السلم المفضي إلي الحب. ذلك أن كبار العشاق تدرجوا في مدرسة الجوع.
إيميلي نوثومب
1

شاركنا رأيك حول "أفضل روايات إيميلي نوثومب التي تروي فيها الجانب المظلم من رحلاتها"