رحلة بين الحرب والسلام في رحاب الأديب العبقري ليو تولستوي

رواية الحرب والسلام
0

التعريف بالكاتب

الكونت ليف نيكولايافيتش تولستوي من أبرز الروائيين الروس في القرن التاسع عشر، ويعتبره البعض من أعظم الروائيين على الإطلاق. كان مصلحا اجتماعيا ومفكرا أخلاقيا وداعيا للسلام، أثرت أفكاره النابذة للعنف في الكثير من الناس، أشهرهم: الماهاتما غاندي ومارتن لوثركينغ اللذان اتبعا أسلوب المقاومة السلمية.

التعريف بالعمل الروائي

رواية “الحرب والسلام” تعد، مع “آنا كارنينا”، من أجود ما قدمه تولستوي للعالم، تصنف ضمن الأدب الواقعي الذي يسعى إلى الوفاء للواقع ووصفه كما هو، وتروي عدة جوانب من حياة روسيا القيصرية أثناء حملات نابوليون على أوروبا وروسيا في بداية القرن التاسع عشر.

القيمة الأدبية للرواية

لا يمكن لأي كان إنكار المقدرة الروائية الهائلة التي يتمتع بها ليو تولستوي؛ فحتى وإن لم نأخذ بعين الاعتبار عدد صفحات الكتاب الذي يقارب الألفين، أو مقدار العمل المجنون الذي تم بذله طوال خمس سنوات بلا انقطاع، فإن شعورك بالاستحسان، كلما تورطت في القصة وزاد اتضاح ملامحها، يوقع على جملة ما قيل في مدح أعمال تولستوي الأدبية.

لقد تفوق تولستوي في روايته “الحرب والسلام” بكل مقاييس الجودة الروائية بشكل يرغمك على الاعتراف به كواحد من أهم قياصرة الرواية في ساحة الأدب الروسي، وكصاحب وسام الشرف في ميادين التألق في استعراض المهارات الأدبية؛ فأسلوب تصوير المشاهد دقيق من غير إطناب يطبع الصورة في الأذهان، وقالب الشخصيات واقعي جذاب، وترجمة أفكارهم ومشاعرهم ثاقبة عميقة، وبناء الأحداث الروائية اتسم بما يلزمها من روية وتأني، مرونة وانسياب، واتزان وتماسك، مما أعطى روح القصة حيوية وصلابة.

تميز تولستوي باستعماله لتشبيهات تمثيلية لذيذة تستعين بمفاهيم ومصطلحات مستعارة من الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء، الطبيعة، الحياة اليومية والموسيقى لرسم الصور وشرح الأفكار وإيصال المبتغى إلى الأذهان.

عموما، بناء الرواية سلس متماسك، ونسيج الشخصيات قوي، متلون جدا وغني، وزاد من جودته تمكن تولستوي من تحليل النفس البشرية، والسلوك الفردي والمجتمعي.

سرد تولستوي لأحداث القصة جيد جدا، والأجزاء التي قص فيها حياة المعارك واقعية ودقيقة وجميلة لدرجة لا تصدق مما يجعلها تحفة فنية شيقة.

الحرب الفرنسية الروسية في أحداث رواية الحرب والسلام

لمحة عن رواية الحرب والسلام

يأخذ تولستوي قراءه في رحلة عبر الزمن إلى أحضان روسيا القيصرية في عهد القيصر ألكسندر الأول، طيلة سبع سنوات (من 1805م إلى 1812م)، لزيارة القصور الفارهة والمنازل المترفة وقاعات الأوبرا الجميلة، ومدينة موسكو ببناياتها الخشبية وساحتها الحمراء وكنائسها بطرازها الخيالي الحالم.. للاستمتاع بمصاحبة الأمراء والكونتيسات في منتدياتهم وصالوناتهم أين يتباحثون آخر الأحداث السياسية ويناقشون القرارات والتحركات العسكرية ويستعرضون مستجدات عالم الأثرياء والشخصيات الفاعلة في المجتمع الروسي.. ويدعوك الكونت لقضاء أمسية في حفلة راقصة أو سهرة عشاء بين حشود النبلاء وطاولات تفيض بما لذ وطاب، على وقع إيقاعات الموسيقى المنعشة.

ويقفز تولستوي مع الراقصين من أضواء ساحة الرقص وبهرجتها إلى ساحة القتال وميادين الموت، مقتحما صفوف جيوش نابوليون.. حتى أنك تكاد تتفقد سلامة جسدك حين تندلع نيران المعركة ويشتد القتال ويسقط القتلى، وينطلق أنين الجرحى ليلتحم بأصوات المدافع والبنادق وهتاف القادة بأوامرهم وصهيل الأحصنة حين تسابق الريح وحين تصاب.

و فجأة يتغير المشهد ويتلاشى الجنود من على أظهر الأحصنة ليظهر مكانهم مجموعة صيادين يقودون مطاردة مثيرة، متسلحين ببنادقهم وكلابهم، صبرهم وشغفهم للظفر بأحد الذئاب العنيدة، وتسود قلوب الرجال فرحةُ عيدٍ حين يشد أحدهم وثاق قوائم الذئب المحاصر بعد رحلة صيد رائعة.. ليلتهب كل شيء في حريق مدينة سمولنسك ثم موسكو ولا يبقى في الوجود إلى ألسنة الجحيم تريد ابتلاع السماء!

يطوف الكونت ليو تولستوي بقرائه بين مشاهد لا حصر لها ويثير تشويقهم بأحداث لا تنتهي في مغامرة نثرية هدفها رواية بضع سنوات من حياة الشعب الروسي بمظاهرها المتعددة: السياسية، الاجتماعية، العسكرية، الثقافية.. فيؤسس هيكلا جسدا كانت روحه وطنيةُ الشعب الروسي التي أشاد بها طويلا، والتي أثمرت تحقيق ما يشبه المعجزة باستعادة أراضيهم المحتلة وفرار نابوليون وجنوده من صقيع جيوش الروس، وكتابة مرحلة جديدة من التاريخ.

بعض أفكار تولستوي المهمة في الرواية

  • اعتبار الحرب كحدث مناقض للمنطق وللطبيعة البشرية، وإدانة الجرائم التي يرتكبها الأعداء في حق بعضهم البعض تحت لواء الحرب دون اعتبارها جرائم ودون حساب مقترفيها.
  • خوضه في رحلة البحث عن الله، الهدف من الحياة وماهية السعادة الحقة، وحديثه اللافت عن الحب السامي –الإلهي- المحرر من الاعتبارات البشرية.
  • تناول تولستوي بأسلوب حجاجي مفاهيم: السلطة، العظمة وحدود الحرية البشرية.
  • رواية “الحرب والسلام” وقفة على عناوين أساسية في تاريخ أوروبا في بداية القرن التاسع عشر، ولم يتبع تولستوي في سرد هذه الأحداث والتعامل معها منهج المؤرخين السابقين له، بل تعمق وأطال في تحليلها وانتقد بعض الآراء السائدة في ما يخص مجريات بعض الأحداث وأسبابها (حريق موسكو)، والصورة المرسومة بألوان براقة بمبالغة ساذجة لأشخاص مثل نابوليون، في حين لطخت بالسواد صور أبطال أشاوس مثل القائد العسكري الروسي كوتوزوف الذي يصفه بالحكمة وبعد النظر، وغيرهم.

ولم يكتف بذلك، بل وأسهب في تبيان خطأ المناهج المتبعة من طرف المؤرخين في دراسة الأحداث التاريخية وتحديد أسبابها، مستعملا أسلوبا منطقيا مباشرا.

رأي تولستوي في الرواية

رغم أن العفوي والمشهور هو تصنيف “الحرب والسلام” كعمل روائي واقعي تاريخي، إلا أن الكونت ينفي هذه المواصفات؛ فيقول أن عمله خارج عن الأشكال الأدبية التقليدية، وأنه ليس إلا “ما أراد واستطاع الكاتب التعبير عنه” دون الأخذ بعين الاعتبار أي قواعد وأشكال متفق عليها، وكماأنه اعتمد في وصف الشخصيات التاريخية وسرد أخبارها على الوثائق التاريخية،أعطى الخيال حقه في مجريات القصة وشخصياتها الأخرى.

يقول تولستوي أنه حاول رسم ملامح تلك الفترة التاريخية بأبعادها المختلفة بصدق، فركز على الطبقية وشيوع اللغة الفرنسية في الطبقة الأرستقراطية كمظهر من مظاهر الرفاهية، وغيرها من المظاهر، بقدر المستطاع.

مقتبسات من الرواية

“- كيف حالك؟
– يا صديقي، وحدهم الحمقى والفساق يكونون على غير ما يرام. تعرفني: مشغول من الصباح إلى المساء، يقظ، إذًا بعافية.”

“و مع ذلك، هل هي بحاجة لهذا المال؟ وكأن هذا المال سيضيف لها ذرة من السعادة، من السلام الداخلي.”

“ستموت.. المسألة واضحة.. إلى الأمام سر..”

“يجب قتال الجحيم بالجحيم.”

“تضحياتنا ستكون مثمرة أكثر إذا عرفنا الاحتياجات.”

“إذا أكثرنا الاستعجال، لا نتقدم.”

“لا يوجد أقوى من هذين المحاربين، الصبر والوقت.”

“نعم، الرحمة، الحب، حب إخواننا حب الذين يحبوننا والذين يكرهوننا.. أعدائنا.. نعم، هذا هو الحب الذي يعلمه الله على وجه الأرض.”

“الذي لا يخاف الموت يملك كل شيء.”

“كل روسي يحس عند رؤية موسكو بأنها أم؛ كل أجنبي يشاهدها ويجهل دلالة الأمومة الخاصة بها، سيستشعر طبيعتها الأنثوية.”

“يجب أن تكون انسانيا فكلنا فانون.”

“نعاني ساعة ونعيش قرنا.”

“الدودة تقرض الملفوف، ولكنها تبلى أولا.”

“اليد التي تعرق تعطي، واليد الجافة تمنع.”

“كان يعلم أنه لا يجب قطف التفاحة التي لا زالت خضراء. ستسقط وحدها عندما تنضج.”

“دائما يريدون الهجوم. ما هي الفائدة؟ وكأنه ممتع جدا أن نقتتل. لا يريدون إلا أن يتميزوا.”

“خلق الانسان من أجل السعادة، السعادة موجودة داخله، وهي تبنى على إرضاء الاحتياجات الطبيعية للانسان وكل الشقاء يأتي، لا من الحاجة، ولكن من الافراط.”

“لا يوجد شيء مخيف في العالم.”

“كما لا توجد في العالم حالة يكون فيها الانسان سعيدا وحرا تماما، لا توجد حالة يكون فيها تعيسا ومحروما من الحرية كليا.”

“الحياة كل شيء، الحياة هي الله. كل شيء ينتقل، يتحرك وهذه الحركة هي الله. ولطالما تستمر الحياة، يستمر الفرح والوعي بالألوهية. حب الحياة، هو حب الله. أكبر المصاعب وأعلى درجات النعيم، هو حب هذه الحياة في معاناتها، في معاناتها غير المستحقة.”

“لا توجد عظمة حيث تغيب البساطة، الطيبة والحقيقة.”
0

شاركنا رأيك حول "رحلة بين الحرب والسلام في رحاب الأديب العبقري ليو تولستوي"