فيلم The Salesman … ورحلة إيرانية جديدة بين السعي للانتقام والبحث عن الحقيقة

مراجعة فيلم The Salesman
1

نحن قوم نحب السينما والأفلام، ذلك السحر الذي يعرف كيف يتسلل داخل قلوبنا وأرواحنا فنتعامل مع الحكاية كما لو كانت من لحم ودم لا باعتبارها محض خيال، وعلى ذلك أفلام قليلة هي التي تنجح في إحكام قبضتها علينا وجعلنا نتمادى أكثر في التعايش حتى نظن أنفسنا أبطالها الحقيقين.

السينما الإيرانية واحدة من تلك الحالات التي تعرف كيف تمدنا بدراما تبدو تمامًا كالحقيقة بكل ما تحمله من بؤس وأسى شائكين، ولحظات فرح على اختلافها تظل قصيرة وشبه مبتورة، خاصةً مع الخط الدرامي الذي تتبناه السينما الإيرانية في العموم وطبيعة الموضوعات التي تتماس مع حياتنا في مجتمعاتنا الشرقية المُنغلقة على نفسها، ذات الرقابة الشديدة حَد الاختناق، ما يجعل الجميع يُفَرِّغ هذا الكبت بطريقة –عادةً غير مشروعة- أو بأخرى.

وهنا يأتي دور “أصغر فراهادي” ذلك المُخرج الإيراني الذي يعرف كيف يغزل حكاياته لتصبح -على قدر بساطتها وحميميتها وبالرغم من كونها بالأساس وليدة المجتمع الإيراني- عالمية بامتياز، وسارية للتطبيق على الجميع باختلاف ثقافاتهم ومناهجهم في الحياة، وهو ما يجعل أفلامه تبدو عادية وغير عادية في الوقت نفسه، إذ تحمل بين طياتها نفحة من سحر يجعلها ذات بهاء بخاص.

The Salesman

بوستر فيلم The Salesman

أو كما عُرف بالفرنسية بـــ Le Client أو بالإيرانية بـــ فروشندة، هو فيلم جديد يعود لنا به أصغر فراهادي بعد آخر فيلم قدمه في 2013، هذا العمل إنتاج إيراني-فرنسي مُشترك، صدر عام 2016، إخراج وقصة وسيناريو وحوار أصغر فراهادي.

أمّا البطولة فقام بها كل من: شهاب حسيني، ترانة علي دوستي، بابك کريمي، مارال بني‌آدم، نيوشا جعفريان، عماد امامي، مجتبی بیرزاده، سام ولي بور، محمد امامي، فرشته الماسيان، کامران محسني، وحشمت خواجه‌ زارع.

وقد عُرِض الفيلم لأول مرة في مهرجان كان لعام 2016 ضمن الأفلام المنافسة على الجوائز، قبل أن يُعرَض في إيران في 31 أغسطس الماضي، كذلك اختير الفيلم للعرض بمهرجان تورنتو السينمائي الدولي في سبتمبر الماضي، ليصبح ذلك أول عرض له في أمريكا الشمالية، ثم في 2017 بدأ عرض الفيلم بشكل موسَّع في بريطانيا والعديد من الدول الأخرى.

إشادة نقدية تُكلل بالأوسكار

جوائز فيلم The Salesman

حظى الفيلم على التقييم الإيجابي الفني سواء من النقاد أو المهرجانات مُكللًا نجاحه بالكثير من الجوائز الهامة على رأسهم:

  • سعفتان ذهبيتان في الدورة الـــ69 من مهرجان كان السينمائي الدولي لعام 2016 من أصل 3 ترشيحات، الجائزتان هما: أفضل سيناريو لفراهادي، وأفضل ممثل فاز بها شهاب حسيني.

وبالطبع هذا حَدَث جلل لا يتكرر كثيرًا أن يفوز فيلم واحد بجائزتين في المسابقة الرسمية لمهرجان كان، الطريف أنّ الفيلم لم يدخل المسابقة الرسمية للمهرجان إلاّ في اللحظات الأخيرة جدًا وبعد أيام من الإعلان بالفعل عن الأفلام المشاركة في تلك المسابقة.

  • جائزة أوسكار أفضل فيلم بلغة أجنبية وهو الأوسكار الثاني لفراهادي بعد أن نال نفس الجائزة عن فيلم A Separation عام 2011. وبالرغم من هذا الفوز المُستَحَق والمتوَقَّع إلاّ أنّ فراهادي لم يكن هناك لتسلّم الجائزة اعتراضًا منه على حظر السفر الذي فرضه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على رعايا 7 دول شرق أوسطية.

لتتسلم الجائزة بدلًا منه المهندسة ورائدة الفضاء أنوشي أنصاري ذات الأصل الإيراني، ثم تُلقي البيان الذي كتبه قائلًا فيه “تغيبي هو بدافع احترامي لمواطنين من بلدي وستة بلدان أخرى لم يحترمهم قانون غير إنساني يحظر دخول المهاجرين إلى الولايات المتحدة”.

فراهادي يجتاز الخط الفاصل بين السينما والسياسة

أصغر فراهادي

بالرغم من أنّ السلطات الإيرانية معروف عنها أنّها لا تُدّعِّم الأفلام التي تنتقدها أو تلفت الانتباه لأي مساوئ بالحياة الإيرانية مُنتقدةً الأوضاع سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، إلاّ أنّها قدمت الدعم لهذا الفيلم خاصةً بعد أن فاز بجائزتي مهرجان كان، فاختارته للترشُّح للأوسكار ليتَوَّج هذا الشهر بالفوز بالفعل.

وهو الفيلم الرابع الذي تُرشحه اللجنة الإيرانية الحكومية لفراهادي ليشارك في هذه المسابقة، بالرغم من أنّ أفلامه تُمرر سلبيات الوضع الإيراني ولكن بشكل ضمني، ما يُعَد انتصارًا للفن وللإنسانية على حد سواء، في الوقت نفسه يفتح الباب أمام السينما الإيرانية نحو العالمية.

إيرادات الفيلم

لاقى الفيلم عند عرضه حماسًا جماهيريًا كبيرًا نتج عنه إيرادات مرتفعة، ليُحقق الفيلم بإيران نجاحًا هائلًا مُحطمًا كل الأرقام القياسية فيصبح أعلى فيلم بتاريخ إيران من حيث إيرادات الافتتاح، وتصير حصيلته خلال شهرين من العرض 155 مليار ريال.

أمّا في باقي الدول فحقق إيرادات مرتفعة كذلك، ففي أول أسبوعه من عرضه بأمريكا حصد 70 ألف دولار، في حين جاءت حصيلة عرضه في فرنسا 1.840.000 دولار، و23.500.000 دولار في البرتغال، و648 ألف دولار في إيطاليا، و 77 ألف دولار في هولندا.

قصة الفيلم

قصة فيلم the salesman

يبدأ الفيلم  بستارة تُفتح عن ديكور بأحد المسارح بينما نسمع أصوات همهمات الممثلين استعدادً للبدء في إجراء البروفة، بعدها بلحظات نشهد إحدى العمارات السكنية على وشك السقوط وسط هلع السكان وهرعهم نحو الخارج لنتعرَّف على الأبطال في افتتاحية فيلم جذابة جدًا ومُعَبِّرة عن حالة التخبط والانهيار التي يمُر بها الأبطال في ظل التطوّر المعماري القاسي الذي تشهده طهران.

بعدها نُلقي نظرة أقرب على عماد ورنا، زوجان يتعرَّض العقار الذي يسكنان به للتصدُّع ما يجعلهما ينتقلان لمكان آخر دون أن يعلما طبيعة عمل الساكنة القديمة، وفي حين يعمل عماد نهارً كمُعَلِّم يتحوَّل هو وزوجته مساءً لأبطال إحدى المسرحيات العالمية المعروفة.

ثم في إحدى الليالي، حين تكون رنا وحدها بالشقة، يرن جرس العقار فتظن أنّ زوجها قد عاد من الخارج، لتفتح له الباب على عجل وتتجه للاستحمام، لكن غريبًا يدخل فيعتدي عليها،  ثم تُنقل رنا للمستشفي لتضميد جراحها الجسمانية، أمّا جراحها النفسية فتستمر بالنزيف رافضةً إخبار زوجها عن تفاصيل ما جرى وقت الحادث، وهو ما يؤجج الشكوك داخله.

مع الوقت يكتشف الزوج بعض مُتعلقات المُعتدِي وقد نساها في بيته، ليبدأ في البحث عنه ساعيًا للانتقام أو على الأقل معرفة الحقيقة، لتتوالى الأحداث وصولًا للنهاية التي تأتي هي الأخرى في مشاهد منقسمة بين المسرح ونفس البناء المُتَصَدّع الأول  بينما تتداخل الجُمل الحوارية بالمسرحية بذكاء مع ما يمر به الأبطال في حياتهم الحقيقية.

يحدث ذلك وسط تلاحق الأحداث بشكل غير متوقَّع كما لو أنّ فراهادي قرر استثناء أي نهاية يُمكن التنبؤ بها راسمًا الحكاية بطريقته الخاصة، وهو ما جعل الأمر شيقًا ومُثيرًا سواء بشكل فني أو عصبي، قبل أن ينتهي الفيلم نهاية مفتوحة، كعادة أغلب أفلام فراهادي دون أن نعرف ما وصل إليه الأبطال بشأن علاقتهما.

التقييم الفني

القصة

ابطال فيلم The Salesman

جاءت قصة الفيلم على بساطتها ثرية وملهمة، تعكس مشاكل الطبقات الوسطى المطحونة بين متطلبات الحياة الكثيرة وأشباح الأحلام الضائعة، في ظل الرأسمالية التي تزحف نحو الجميع، وبالرغم من اللهاث المستمر خلف الأمنيات إلاّ أنّ لا أحد يطول منها –مهما بلغ سعيه- سوى الفتات.

ما يضع الجميع في مأزق كلما زاد إدراكهم بإحكام الحياة للطوق حول رقابهم، في حين هم لا يحلمون سوى بحياة كالحياة، فيظلوا في حيرة بين الصواب والخطأ وشرعية النجاة عبر الطرق غير المشروعة بينما تتهاوى حولهم العقارات والعلاقات وكل شيء كانوا يظنونه أمانًا لهم.

ويجب الاعتراف بأنّ أصغر فراهادي كان ذكيًا للغاية حين قدم حكايته في خطين متوازيين بين المسرحية التي يُقدمها الأبطال على المسرح كل ليلة، وبين حياتهم الحقيقية، المُلفت هنا كان اختيار مسرحية “موت بائع متجول” بالتحديد دون غيرها، والتي كتبها الكاتب المسرحي آرثر ميلر عام 1949 لتلقى استحسانًا نقديًا وتتحول فيما بعد لأكثر من فيلم.

وقد صرّح فراهادي أنّ قصة الفيلم كانت تُراوده لسنوات طويلة قبل أن يجري إنتاجها، لكنه لم يكن يشعر أنّه يملك مادة كاملة يُمكن أن تتحول إلى فيلم، إلى أن توصَّل لفكرة أن يكون أبطال الفيلم يعملون كممثلين على المسرح، ليبدأ بعدها في البحث عن عمل مسرحي يمكن دمجه مع قصة الفيلم الأساسية.

وهو ما جعله يقوم بعمل بحث موسَّع على مسرحيات سارتر وإبسن آرثر ميلر، إلى أن وصل إلى “موت بائع متجول” التي وجدها تحمل الرمزية التي يبحث عنها، وتخدم عمله بشكل يكاد يكون لا يُصّدّق إذا ما قارننا بين بطلي الحكاية الأصلية رنا وعماد وبين بطلي المسرحية ليندا وويلي، وهو ما جعل فراهادي يعود لإيران للعمل على هذا الفيلم مؤجلًا كل مشاريعه الأخرى.

السيناريو والحوار

صورة فيلم the salesman

حسنًا.. يعرف فراهادي كيف يكُن خبيرًا في هذه الجزئية خاصةً وأنّه بدأ حياته في الأساس كمؤلف وكاتب سيناريو، فنراه يتميز في خلق الشخصيات ومنحها الأبعاد الإنسانية التي تعكس صراعاتها سواء الداخلية أو الخارجية، كل هذا يأتي في ظل رسم مُبهر لدوافع كل شخصية على حدا.

في الوقت نفسه يمكننا أن نشهد وبوضوح التصاعد الدرامي المحبوك والمُثير، ففي كل أفلام فراهادي هناك دومًا لغز لا نعرف حَله، لكن صانع العمل بحنكة يعرف كيف يُقحمنا بين سطور الحكاية فننشغل مع الأبطال باحثين عن الإجابات، في رحلة لا تلبث أن تتساقط فيها كل الأقنعة ولا يصبح في متناولنا سوى رؤية الأمور على سجيتها دون تجميل أو تزييف.

واللغز هنا هو فيما حدث تلك الليلة لرنا/البطلة؟ من الذي آذاها؟ ولماذا تُصر على الصمت؟

ما يؤدي بالتبيعية لمزيد من الأسئلة حول أحقية عماد/البطل في البحث من أجل الوصول للحقيقة مُتجاهلًا رغبة زوجته في إنكار ما حدث وإخفاء الحقائق، ثم ذلك الجاني الذي سُرعان ما يتحوَّل لضحية هل يستحق تعاطفنا معه؟ وهل يُمكننا أن نكون أحقاء إذا وقفنا في صف المُنتقم؟

أسئلة كثيرة جدًا مع نهاية مفتوحة تتركنا حائرين بشدة، وهو ما يمنحنا الحق في وصف أعمال فراهادي بالدراما السيكولوجية التي تحمل بين طياتها أبعاد الرُعب النفسي، والدليل أنّ ما مِن شخص منا يُحب أن يكون أحد أبطال أعماله.

الإخراج

مخرج فيلم The Salesman

أصغر فراهادي مُخرج إيراني ذكي وحساس، عرف كيف ينتقل بالسينما الإيرانية نحو العالمية، فاتحًا عيون العالم المُغلَقَة على ذلك العالم المجهول والصعب من خلال حكايات رغم عاديتها لا تلبث أن تجذب الانتباه وتحبس الأنفاس.

البديع أنّه يعرف كيف يُمرر أفكاره السياسية والاجتماعية من خلال تلك الحكايات التي قد نصطدم بها في حياتنا اليومية دون أن تستوقفنا، لكنها هناك، على الشاشة الكبيرة تأسرنا بالكامل، رُبما يحدث ذلك؛ لأنّ فراهادي يولِّي جل اهتمامه للتفاصيل، الصغير منها والكبير.

فيهتم بانفعالات الأبطال وكيف يؤثر ما يمرون به على تحولاتهم النفسية، زوايا التصوير، الإضاءة، والأهم أنّه يعرف كيف يظل مُخلصًا للسينما الإيرانية فتأتي أفلامه مُعبّرة عن تلك البيئة ومفرداتها المختلفة سواء الدينية أو الاجتماعية دون سواها.

لتتضافر كل العناصر معًا فتُخرج لنا عملًا إنسانيًا وانسيابيًا في نفس الوقت، عملًا يُشبه عالمنا الذي على رحابته مازال ضيقًا، فوحده يعلم  أنّنا لا نحتاج أفلام عن أبطال خارقين أو حلول سحرية، بل نحتاج قصصًا نرى بها أنفسنا الحقيقية، لعلنا نتعلم بالتجربة، فننضج ونصير أفضل.

التمثيل

تيرانيه عليدوستي شهاب حسيني في فيلم the salesman

يُعد هذا الفيلم  رابع تعاون بين المخرج والممثلة “تيرانيه عليدوستي”، وثالث تعاون بينه وبين الممثل “شهاب حسيني”، وقد أجاد الجميع أدوارهم سواء من لعبوا أدوار البطولة أو كانوا في الأدوار الثانوية، فلا يُمكننا أن نُشير لأحد بالتقصير أو نتمنى استبداله.

الكادرات والألوان

ألوان الأزياء في فيلم The Salesman

كادرات الفيلم كانت مميزة جدًا ويغلب عليها الطابع الحميمي، خاصةً مع ألوان الأزياء أو الديكورات المختارة حيث كانت الألوان الدافئة واللون الأحمر أحد أبطال الكادر في الكثير من المشاهد.

الإضاءة

إضاءة الفيلم جاءت في أغلبها إضاءة طبيعية تعتمد على ضوء النهار الأصلي، وهو أمر متعارف عليه في أفلام فراهادي الذي يحب جعل بيئة العمل أقرب ما تكون إليه في الطبيعة، ربما فقط الإضاءات التي بدت مُختلفة كانت الخاصة بالعمل المسرحي الذي يُقدمه الأبطال لتتماشى مع الحكاية التي يعرضونها وانفعالات الأبطال هناك.

الموسيقى التصويرية

الموسيقى التصويرية لم تكن مؤثرة بالأحداث، وقد أتى ذلك مقصودًا حيث يُفضِّل فراهادي أن تكون الحكاية هي البطل الأساسي دون أي عناصر خارجية تُشتت المُشاهد أو تسرق انتباهه.

 عن فيلم The Salesman

بوستر فيلم The Salesman

فيلم يحترف اللعب على تبادل الأدوار، فكلنا يمكن أن نكون ضحايا وجناة في نفس الوقت؛ ذلك لأنّ لكل قصة وجهات نظر متعددة ووفقًا للزاوية التي ننظر بها على الحدوتة ستختلف قراءتنا لها وبالتالي ردود أفعالنا.

وهو أمر يُتقنه أصغر فراهادي الذي يعرف كيف يضعنا دومًا أمام معضلةً ما في كل أفلامه مانحنا القليل من التفاصيل والكثير من النهايات المفتوحة، لنصبح نحن الحَكَم، إلاّ أنّه ويا للعجب فنحن ما من مرة استطعنا أن نقف بصف أحد دون الآخر! يُحسب ذلك لصانع العمل الذي يعرف كيف لا يتحيز لأبطاله، مانحًا كل طرف مبرراته الإنسانية جدًا،  وهو ما يُصَعِّب علينا الاختيار أو الانحياز نحن أيضًا، لينتهي الفيلم على الشاشة لكنه يظل مُستمرًا داخل عقولنا، تاركنا على شفا خطوة بين الغفران وإقامة الحَد.

1

شاركنا رأيك حول "فيلم The Salesman … ورحلة إيرانية جديدة بين السعي للانتقام والبحث عن الحقيقة"