في جنوب السودان… موجات الراديو تصل لمناطق نائية بالطاقة الشمسية!

إذاعة بالطاقة الشمسية في جنوب السودان
0

وسط المصادر المتعددة الموجودة اليوم للحصول على المعلومات في شتى المجالات، فقد أصبح من السهل جداً أن نغفل دور الإذاعة باعتبارها وسيلة ناجعة للاتصال، وعلى الرغم من سوء الفهم الشائع أن الراديو لم يعد مناسباً في العالم الرقمي اليوم، إلاّ أنها لا تزال واحدة من أكثر الطرق القوية، والفعالة من حيث التكلفة للتواصل في البلدان النامية.

عند وقوع الكوارث مثل الأعاصير أو البراكين، أو اندلاع أعمال عنف في منطقة نائية في أفريقيا  نجد أن الراديو غالباً ما يكون السبيل الوحيد لنشر المعلومات في الوقت الحقيقي، والتي من الممكن أن تكون سبباً رئيسياً في إنقاذ الكثير من الأرواح.

ونجد فائدة الراديو في البلدان النامية تمتد إلى ما هو أبعد من مواجهة الأزمات والكوارث، فمن خلالها يمكن الوصول بشكل منتظم للمعلومات، والذي يساعد على بناء المواطن بشكل سليم، وتعزز المجتمعات بشكل شامل، وتشجع النقاش وتمكين الشباب والنساء وغيرهم من الفئات المهمشة.

وبمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للراديو، والذي يصادف تاريخ الثالث عشر من شهر فبراير من كل عام، نتعرف معكم عبر هذا المقال على محطة إذاعية في دولة جنوب السودان، يتم تشغيلها بالطاقة الشمسية بشكل كامل لتصل لأكثر من 150,000 شخص يعتمدون بشكل كُلي على هذه المحطة الإذاعية لمعرفة ما يدور حولهم من أحداث.

في دولة جنوب السودان الحديثة، معظم السكان ليس لديهم أجهزة تلفزيون أو شبكة إنترنت، لذلك فهم يعتمدون على الراديو للحصول على المعلومات، ولكن محدودية الوصول إلى الطاقة اللازمة لتشغيل محطات الراديو هذه، جعلت مجتمعات ومدن بأكملها تعيش في غياب كامل عن المعلومات تمتد أحياناً لأكثر من أسبوع كامل.

عيسى كاسيمو “Issa Kassimu” مهندس كهربائي، استطاع بناء وتشغيل أول محطة إذاعية محلية لبث الأخبار، والمواد الفنية والترفيهية في البلاد بالاعتماد على الطاقة الشمسية.

التأثير المدمر لغياب المعلومات

“Mayardit FM” محطة إذاعية محلية استطاعت تغيير المشهد الإعلامي بشكل ملحوظ في هذه الدولة الحديثة، ولم يقتصر على هذا فقط بل استطاعت تحويل حياة السكان المعرضين للخطر تحت وطأة الحرب الأهلية الدائرة في البلاد، فالسكان في جنوب السودان معرضون للخطر ومعزولون بشكل تام عن العالم، وأي نوع من غياب المعلومات يمكن أن يكون له تأثير مدمر على حياتهم.

فمنذ استقلال جنوب السودان عام 2011 اضطر أكثر من 2.5 مليون شخص إلى الفرار من ديارهم بسبب الصراع الدائر، حوالي 1.6 مليون نسمة يعتبرون من المشردين داخلياً، ويعتمدون بشكل كُلي على أي خبر أو إعلان من هذه الإذاعة لمعرفة كيفية الوصول إلى الغذاء والماء والمأوى.

إذاعة بالطاقة الشمسية.. فكرة ثم تخطيط ثم واقع

“عيسى كاسيمو” مهندس كهربائي يسافر بانتظام إلى أنحاء البلاد المختلفة لإصلاح أو صيانة المولدات التي تعمل بالديزل، وجد أن بعض المولدات لديها بطاريات احتياطية تحتاج إلى الاستبدال، ومن هنا نبعت له فكرة بناء وتشغيل محطة إذاعية تعتمد على الطاقة الشمسية بدلاً من الكهرباء، أو المولدات التي تعمل بالديزل.

مزيج من الألواح الشمسية، ومجموعة من البطاريات تسمح لمحطة إذاعية بالعمل بالاعتماد على الطاقة الشمسية، تم نقل الألواح الشمسية والبطاريات من العاصمة جوبا إلى منطقة تورالي في الجزء الشمالي الشرقي من جنوب السودان، في رحلة استغرقت ثمانية أيام على الطرقات الوعرة حيث مقر المحطة الإذاعية، وأشرف بنفسه على تركيب 84 من الألواح الشمسية و48 بطارية.

عند انتهاء العمل على المشروع أصبح هنالك إمكانية للمحطة بأن تبث لمدة 24 ساعة باستخدام الطاقة الاحتياطية المخزنة في البطارية، والتي يتم شحنها عن طريق الألواح الشمسية أثناء النهار، وقد تم تمويله من بعض المنظمات الدولية وإعادة استخدام بعض المعدات القديمة.

معك في كل مكان

تمكنت الإذاعة المحلية أن تعالج الكثير من المشاكل التي تواجه المواطنين منها عندما واجهت قرية نائية نقصاً حاد في الغذاء والماء، فقد سارت مجموعة من 64 امرأة مسافة 24 ميلاً للوصول إلى الإذاعة المحلية ورواية قصتهم عبر أثير الإذاعة للمسؤولين ومناشدتهم لحل مشكلتهم التي وجدت صدى، وكانت نتيجتها إنشاء اثنين من مضخات المياه الثابتة في تلك القرية.

وقد أثبتت الإذاعة المحلية أيضاً قابلية للتكيف بشكل ملحوظ عندما يتعلق الأمر بتلبية الاحتياجات الفريدة لأكثر من اثنين مليون شخص نزحوا بسبب العنف في جنوب السودان، بواسطة ربط ميكروفون في دراجة نارية تبث الأخبار على السكان في القرى النائية والأسواق.

كما استطاعت الإذاعة بث البرامج المسجلة مسبقاً داخل المخيمات الإنسانية، وجلب الأخبار الحاسمة والمؤكدة لسكان المخيمات، والمساعدة على نقل المعلومات إلى منظمي المخيمات عن الكيفية التي يمكن أن يلبوا بها احتياجات السكان بشكل أفضل.

مع صعوبة الحصول على التقنية الحديثة بالنسبة لكثير من المجتمعات النائية والفقيرة في دول العالم المختلفة، يبقى الراديو هو الملاذ الأول والأخير بالنسبة لهم للتواصل مع العالم الخارجي، ومعرفة ما يدور فيه، وبالتالي نجد أن الراديو من ضمن أدوات التواصل  المهمة جداً مهما تقدمت التكنلوجيا ووسائل التواصل المختلفة.

0

شاركنا رأيك حول "في جنوب السودان… موجات الراديو تصل لمناطق نائية بالطاقة الشمسية!"