لماذا من ترحَّم على ملكة بريطانيا، سأل عندما استشهدت شيرين أبو عاقلة: هل يجوز؟

الملكة إليزابيث
د. بتول محمد
د. بتول محمد

6 د

هل تساءلتم يومًا عن السبب الذي يدفع شخصًا للمبالغة في مديح شخص آخر؟ هل فكرتم بالأشخاص الذين يحاولون التحبب إليكم، والتودد بشكل مبالغ فيه؟ لماذا يتحول الحزن في يومنا المعاصر إلى نوع من التملق بهدف الحصول على مكاسب مهما كانت؟

قد تكون أحدث صور التملق اليوم، هو ما حدث فعليًا بعد وفاة ملكة بريطانيا، فقد فاجأتنا وسائل التواصل الاجتماعي بصور متنوعة ومختلفة من النعي، وتعامل الكثيرون مع الموضوع وكأن المتوفاة جزءٌ من أسرتهم، وربما لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل تعداه ليصل في بعض المواقع إلى اعتبار الملكة إليزابيث شعاعًا أو نورًا يضفي على البشرية الجمال.

كل هذا قد يدفعنا للاستغراب، خاصة مع ملاحظتنا لكافة صنوف التملق في عالمنا العربي لحدث وفاة ملكة بريطانيا، وكأن العائلة الحاكمة في بريطانيا ستقدم الامتيازات للأشخاص الذين عبّروا عبر صفحات الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى عن حزنهم الشديد لوفاتها، لا بل تحدثوا عنها وكأنها شخص قريب منهم سبَّب موتُه الأسى والحزن لديهم لدرجة قد تدفعهم لاستقبال التعازي، تمامًا كبعض الممثلين الذين عبّروا عن حزنهم وكأنهم أقرباء من الدرجة الأولى فخلقوا جدلًا حول السبب الحقيقي وراء ذلك.

تبدو المفارقة الحقيقية عندما استشهدت الإعلامية الفلسطينة شيرين أبو عاقلة، ووجدنا الكثيرين يتساءلون: هل يجوز الترحم عليها أم لا؟ ليتحول هذا التساؤل إلى جدل صادم جعل البعض يرون أن الترحم عليها واعتبارها شهيدة لا يجوز فقط لأنها مسيحية، وبدأ رجال الدين يطلقون الفتاوى حول إمكانية الترحم عليها أم لا، بينما لم نشهد أي هجمة أو استنكار للترحم على ملكة بريطانيا.

هذه الازدواجية في الحقيقة لا ترتبط بإيمان أو بعقيدة، وإنما تعود في العالم إلى عالم اعتاد التملق، واعتاد تغيير الصفات والسمات تبعًا لمصلحته الخاصة.

لذلك سنتعرف اليوم على هؤلاء المتملقين وصفاتهم؟ والأسباب التي تدفعهم لممارسة هذا الفعل؟

ذو صلة

من هم المتملقون؟

هم الأشخاص الذين يقومون بفعل إظهار المديح بشكل مبالغ فيه لأشخاص آخرين أكثر قوة وقدرة، ويأتي التملق بهدف الحصول على بعض الامتيازات والفرص الإضافية.

ويعد التملق تاريخيًا طريقة استخدمت لتقديم المديح للملك والملكة، وباعتقادنا هو موجود منذ بدء التاريخ، فلطالما حاول الضعيف أن يحصل على مكانة له من خلال التملق لمن هو أقوى منه.

يخبرنا العلامة ابن خلدون عن التملق، ويربطه بالدولة الاستبدادية ويقسم حاشية الملك التي يسميها بطانته إلى قسمين: قسم يناصر الملك ويقف معه قلبًا وقالبًا وقسم آخر يتملق له ويعبّر عن محبة ليست موجودة في الحقيقة، بهدف الوصول إلى مناصب عليا في الدولة.

أولئك المصطنعون الذين يقدمون كل صنوف الانصياع بهدف الحصول على مقابل مادي أو معنوي، يتحولون ليصبحوا أحد أسباب انهيار الدولة في مرحلة من المراحل، فهم لا يقولون الحقيقة ولا يخبرون الحاكم عن أخطائه، ويُبجلون كل ما يقوم به مهما كان، إنهم صناع الطواغيت، لأنهم يغضون النظر عن أخطاء الملوك والحكام، ويجدون أعذارًا لهم، فيتسببون في ولادة طغاة لا يهتمون إلا لسماع أصوات ذواتهم.


التملق بوصفه مشكلة أخلاقية

أعطى الكثير من الباحثين أهمية للتملق، وقاموا ببحثه انطلاقًا من اعتباره مشكلة أخلاقية بالدرجة الأولى، ففي الوقت الذي رفض فيه الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو التملق للملوك، ونادى بضرورة الابتعاد عن التذلل للملك ومحاولة التخلص من التبعية المفرطة له، كان الكثير من المفكرين الفرنسيين مثلَ ديدرو الذي قدم كل ضروب الطاعة للملك.

وفي الحقيقة لقد اعتبر روسو التملق مرضًا أخلاقيًا يجب اجتثاثه، فالمتملقون يحاولون من خلال تملقهم الحصول على امتيازات لا يستحقونها، وأحيانًا يستطيعون إزاحة أصحاب الكفاءات والحصول على أماكنهم.

قد يظهر البعض ليقول: إنه ليس تملقًا، وإنما لباقة لا بد منها، وهنا تظهر الإجابة واضحة، إذ شتّان بين التملق واللباقة، فأنت تستطيع أن تكون لبقًا دون أن تحاول إضفاء صفات غير موجودة على الآخر، فالتملق نوع من أنواع الكذب والمبالغة في التعبير عن الآخرين، ويرتكز على إضفاء صفات وهمية وغير موجودة لديهم بهدف الوصول إلى مكاسب شخصية.

هنا لا بد أن نعود إلى حدثنا الأساسي، ألا وهو وفاة ملكة بريطانيا، والذي دفع البعض للقول على صفحاتهم الشخصية، بأنها كانت شعاعًا ينير البشرية، أو أن وفاتها مصيبة ستودي برمز المرأة في العالم، أو بالتغني بطيبتها التي لا يمكن لأي منا أن يتعرف عليها إلا من خلال الإعلام، أو من خلال ما يقال لنا عنها.

في الحقيقة نحن هنا لا نقلل من شأن الموت، ولا نحاول الإساءة لشخص الملكة إليزابيث الثانية، وإنما نحاول معالجة الأمر بموضوعية تتطلب منا التساؤل حول السبب الذي يدفع شخصًا ما إلى استخدام عبارات التملق وتوظيفها بشكل فج يجعلنا جميعنا نتوقف عنده.


لماذا يتملقون؟

قد يكون السبب الأول والمتعارف عليه تاريخيًا للتملق هو الحصول على امتيازات مادية، وقد كان الحكام والأمراء يتهافتون بدفع الأموال للشعراء كي يكتبوا عنهم ويتملقوا لهم، وهذا ما عرفناه تاريخيًا باسم المديح، فقد كان الشعر وسيلة يروج بها الحكام لأنفسهم عبر شعراء مستعدين لكتابة أي شيء بهدف الحصول على المال.

وخير مثال على ما نقول الشاعر الفرزدق الذي هجا الأمير الأموي فتم سجنه، وبعد خروجه من السجن بدأ يمدح الدولة الأموية من أجل المال وكتب شعر المديح بالخليفة الوليد بن عبد الملك فقال:


أما الوليد فإن الله أورثه... بعلمه فيه مُلكًا ثابت الدعَم

أما السبب الثاني للتملق فقد يكون رغبةً في الحصول على مناصب مهمة، وهذا يبدو جليًا في أيامنا هذه، إذ يحاول بعض المتسلقين الحصول على وظيفة، أو مناصب مهمة من خلال إكثار المديح والرفع من شأن الشخص المؤثر الذي يستطيع تحقيق حلم المتملق في الوصول.

وهذا إن كان يعني شيئًا فإنه يعني أننا نعطي القيمة في عالمنا لمن يقدر أن يجعلنا أكثر قربًا من مصادر القوة، وأن حزننا أيضًا يغدو نوعًا من التملق، فنعبر عن حزننا على شخصية لم نلتقِ بها أبدًا، وربما تسببت بالأذى لنا طوال حياتنا، متجاهلين أشخاصًا حملوا على عاتقهم الإيمان بقضايا حقيقية ومصيرية.

وأخيرًا نميل للاعتقاد أن التملق في عصرنا الحالي يتخذ شكلًا جديدًا، فقد يكون نوعًا من إثبات الذات، فإن تملقنا أشخاصاً في مواقع مؤثرة فهذا دليل على أهميتنا، وعلى أننا نهتم بالعالم أجمع، وقد يكون السببُ وراء ذلك ضحالةً في التفكير واعتقادًا خاطئًا بأنَّ تملُّقنا قد يكون ذا نتيجة فعلية على أرض الواقع.


التملق في حياتنا اليومية

قد تلتقون شخصًا في حياتكم اليومية، يحاول دائمًا الحديث عنكم وكأنكم آلهة، ويبجل كل ما تفعلونه مهما كان، ويتغاضى عن أخطائكم ويبررها.

كونوا متأكدين بأنكم لا تحتاجون في حياتكم هذا النوع من الناس، لأنه سيكون أول من يتمتع بانهياركم، فهم معكم فيما إذا كنتم أقوياء وأصحاب قرار، ويتخلَّون عنكم بمجرد انتهاء صلاحيتكم وقدرتكم على اتخاذ القرار.

قد يرضيكم أحيانًا أن يتم مدحكم، ولكن إذا كان هذا المديح بما ما تمتلكون، فإنه سيكون عبئًا ثقيلًا عليكم يجعلكم مدينين لمتملقين متسلقين راغبين فقط في الحصول على بعض الامتيازات التي لا يستحقونها، كمدرّسة تحاول التملق لمديرها كي تتغيب عن العمل، أو موظف يتملق إدارته كي يحصل على حوافز لا يستحقها.

في النتيجة قد يكون السبب الأساسي للتملق باعتقادنا هو الضعف، فشعورنا بالضعف والدونية أحيانًا قد يجعلنا نتملق لأشخاص أقوياء بنظر المجتمع، وذلك بهدف لفت النظر إلينا، فحزننا العلني على شخصية مهمة كملكة بريطانيا مثلًا، قد يجعل منا شخصيات متابَعة ومعروفة، وربما يعتقد المتملق أن الأمير تشارلز سيتصل به ليشكره على تملقه المبالغ فيه، فقد جعلَتنا بعض المنشورات نعتقد بأن صاحب المنشور سيفتتح دار عزاء في بيته، وكأن المتوفاة شخصية قريبة منه جدًا.

وأخيرًا لا بد أن نقول: نحن لا نصادر حزن أحد، ولا نحاول التقليل من مشاعر الآخرين، ولكن أرجوكم لنكن منطقيين، ويكفينا تملقًا لا نتيجة منه إلا انتشار الكذب والنفاق في علاقاتنا الإنسانية.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة