عن الفيس بوك نحكي….!

0

كانت البلاد تغلي بالغضب في ذلك اليوم..

اضرابات ..مظاهرات عنيفة..مطاردات أمنية ..حرائق..اطارات سيارات محروقة..نيرات تشتعل فى المباني..قتلى..جرحى..صراخ ..ضجيج..حشود ضخمة من البشر لا يُعرف من أين تأتى..

كان هذا فى مصر..بالتحديد في أول ثلاثة أيام من الثورة المصرية..

ولم يكن في أيدي الحكومة سوى إجراء واحد..

أصدرت السلطات المصرية امرا بحجب الموقع عن مصر في يومي 26 و27  يناير..ثم قطع الانترنت تماما عن البلاد يوم 28 يناير ، الشهير عند المصريين بجمعة الغضب..

لم يكن أحد يتصوّر أن يكون هذا الموقع فقط كان عنصرا رئيسيا ساحقا في اشعال الثورات واستعادة الحريات في العالم العربي..

وبعدها ، وبعد تنحي الرئيس المصري السابق ، ظهرت دعابة بين المصريين ، عندما سألوا عبد الناصر عن سر رحيله ، فأجاب : حالة تسمم ..ثم السادات ، فأجاب : اغتيال..ثم حسني مبارك ، الذي أجاب :

فيس بوك !

 *************************

البداية :

 عندما جلس مارك زوكربيرج امام شاشة الكمبيوتر في حجرته الخاصة بمساكن جامعة هارفارد الامريكية العريقة ، وبدأ في تصميم موقع جديد على شبكة الانترنت ، كان لديه هدافا واضحا ، وفكرة اساسية ..هو ان يكون موقعه هذا يجمع زملاءه في الجامعة ، ويمكنهم من الاتصال ببعضهم البعض وتبادل اخبارهم وصورهم وآرائهم ..

لم تكن فكرة تقليدية في ذلك الوقت ، ولم يكن لها مثيل معروف أيضا ، وهو الأمر الذي شجع مارك على تصميم موقعه ، وتطبيق الفكرة حتى ترى النور.

 والحقيقة أن زوكربيرج كان له تجارب مبدئية ، أهمها أنه طوّر هو وزميله قبل تخرجهما من الثانوية برنامج Winamp  الشهير ، وطرحا البرنامج مجانا على الانترنت ، الذي أثار اهتمام الشركات الكبرى ، وعرضت العمل عليهما ، إلا انهما قررا متابعة الدراسة ، فالتحق زميله بجامعة كالتك ، والتحق زوكربيرج بجامعة هارفارد.

 إلا أن فترة التحاق زوكربيرج بالجامعة العريقة ، جعلته يفكر في موقعه جديا ، وبدأ بالفعل فى تنفيذ نسخته الأولى من الموقع وأسماه ” فيس ماتش Face Mash” والذي كان هدفه مقارنة صور الطلبة مع صور الزائرين لتحديد أيهم “أكثرجاذبية”شكلاً.. وخلال أربع ساعات فقط قدم للموقع 450 زائراً وشوهدت 22,000 صورة !..الا أن الجامعة اعتبرت في هذا الموقع انتهاكا لخصوصية طلابها ، وأوقفت بث الموقع ، وألقت بالتوبيخ الشديد على زوكربيرج ، الذي اعتذر  من زملائه الطلاب ،و لكن أصرعلى قناعته بأنه قد فعل الصواب بقوله :”كنت اعتقد أن تلك المعلومات من الطبيعي تكون موفرة “

 ومع شخصية مشاغبة مثله ، فكان من الطبيعي أن يعمد زوكربيرج لمرواغة الإدارة ، فقام بتطوير نموذج موقعه ، وطلب من زملائه هذه المرة إدخال بياناتهم بأنفسهم ، حتى لا يتم اتهامه بانتهاك الخصوصية…وبالفعل ، انطلق الموقع الذي أسماه Thefacebook.com  في فبراير من العام 2004 ، واشترك به نصف الطلاب الدارسين في جامعة هارفارد خلال اسبوعين فقط ، ثم وصل سريعا الى ثلثي طلاب الجامعة.

 انضم لاحقاً إلى زكربيرغ صديقيه موسكوفيتز وكريس هيوز ؛ للمساعدة في إضافة مزايا أخرى وتشغيل الموقع معتمدين على خدمة استضافة للمواقع كلفتهم 85 دولارشهريا…وتلا ذلك رغبة الطلاب من الكليات الأخرى فى الاشتراك بالموقع ، وعرض بياناتهم وصورهم والتواصل مع اصدقائهم ، وزيادة معارفهم ، مما دفع الثلاثي الى تخصيص مساحات للمشتركين الجدد من جامعة ستانفورد ويال وغيرها..ومع حلول شهر مايو من نفس العام وصل عدد المشتركين فى الموقع الى 30 جامعة !..وأدرّ الموقع على الثلاثي بضع آلاف من الدولارات كعائدات تأمين للاعلانات الخاصة بالمناسبات الطلابية والاعمال الخاصة بالكليات التى تستخدم الموقع !

الانتشار العالمي :

استمر موقع الفيس بوك قاصرا على طلبة الجامعات والمدارس الثانوية لمدة سنتين. ثم قرر زوكربيرج ان يخطو خطوة اخرى للامام ، وهي ان يفتح ابواب موقعه امام كل من يرغب في استخدامه..

 وكانت النتيجة طفرة هائلة جعلت الشركات الكبري تتهافت على شراؤه في السنوات اللاحقة ، أشهرها العرض الضخم لشراء الموقع بالكامل بمبلغ مليار دولار ، وهو العرض الذي قوبل بالرفض الشديد من قبل زوكربيرج ، وتصريحه لعدة مرات أنه لا ينوي بيع الموقع ولا يفكر في ذلك مطلقا..وذلك بعد عدة أشهر من من قيام شركة “نيوزكوربوريشن”، التي يمتلكها المليونير الاسترالي روبرت ميردوخ، بشراء موقع “ماي سبيس”، وهو موقع للعلاقات الاجتماعية، بمبلغ 580 مليون دولار…في الوقت الذي سمع فيه زوكربيرج لشركة ميكروسوفت بشراء حصة فى الموقع ، والعديد من المستثمرين باستثمار اموالهم فيه لضمان نجاحه واستمراره.

 عن الموقع :

يقدم الموقع خدماته للمستخدمين مجانًا،حيث يمكن للمستخدمين إنشاء ملفات شخصية تتضمن بعض الصور وقوائم الاهتمامات الشخصية، ويمكن تبادل الرسائل العامة أو الخاصة والانضمام إلى مجموعات من الأصدقاء.. وكوضع افتراضي، فإن عرض البيانات التفصيلية للملف الشخصي يكون مقتصرًا على المستخدمين من الشبكة نفسها الواحدة وبعض الاستثناءات المحدودة الأخرى

يتضمن الفيس بوك عددًا من السمات التي تتيح للمستخدمين إمكانية التواصل مع بعضهم البعض. ومن بين هذه السمات سمة لوحة الحائط Wall ، وهي عبارة عن مساحة مخصصة في صفحة الملف الشخصي لأي مستخدم بحيث تتيح للأصدقاء إرسال الرسائل المختلفة إلى هذا المستخدم،] وسمة Pokes أو النكزة التي تتيح للمستخدمين إرسال “نكزة” افتراضية لإثارة الانتباه إلى بعضهم البعض  ، وخاصية ال Photos  أو الصور التي تمكن المستخدمين من تحميل الألبومات والصور من أجهزتهم إلى الموقع،وكذلك خاصية الStatus   أو الحالة التي تتيح للمستخدمين إمكانية إبلاغ أصدقائهم بأماكنهم وما يقومون به من أعمال في الوقت الحالي.

 جدير بالذكر أنه يمكن مشاهدة لوحة الحائط الخاصة بالمستخدم لأي شخص يمكنه مشاهدة الملف الشخصي لهذا المستخدم وفقًا لإعدادات الخصوصية ، وأنه من الممكن ارسال رسائل صور أو فيديوهات أو رسائل نصية مختلفة الى لوحة الحائط.

ويقدم  الفيس بوك أيضا خواص تفاعلية مختلفة ، من القدرة على تحيث الملفات الملف الشخصي ، وكذلك الاحداث المرتقبة وأعياد الميلاد الخاصة بأصدقاء المستخدم ، والتغذية الاخبارية أو News Feed التى تظهر على الصفحة الرئيسية لجميع المستخدمين ، وغيرها من السمات التى تتيح أكبر قدر للتواصل الاجتماعي بين المستخدمين ، والتى من الممكن أن يتحكم فيها المستخدم كما يريد ، على نحو يحفظ خصوصيته بشكل كامل.

 وبالإضافة الى كل ما سبق ، فالموقع يقدم تطبيقات ترفيهية بمجموعة من الألعاب المختلفة ، وخاصية إرسال الهدايا والأشياء الطريفة ، الى جانب القدرة على ربطه مع العديد من المواقع التفاعلية الاخرى مثل تويتر وياهو وغيرها.

 من قيام شركة “نيوزكوربوريشن”، التي يمتلكها المليونير الاسترالي روبرت ميردوخ، بشراء موقع “ماي سبيس”، وهو موقع للعلاقات الاجتماعية، بمبلغ 580 مليون دولار.

التأثير :

 السنوات الاخيرة شهدت تأثيرا مذهلا لمواقع التواصل الاجتماعي ، وعلى رأسها موقع الفيسبوك ، حتى أصبح الكثيرين يصفونه بأنه صرعة العصر بلا جدال.

 على المستوى الفردي أصبح الفيسبوك يجعل من المستخدمين مجموعة من المشاهير ، حيث يتعامل المستخدم مع اصدقاءه الحقيقيين والافتراضيين بكونه نجما يسعى الجميع حول معرفة آخر اخباره ..وهو فى نفس الوقت يسعى لمعرفة اخبار الآخرين باستمرار.

 اما تأثيره على الإعلام ، فمن النادر اليوم أن تجد اي مؤسسة اعلامية مرئية او مسموعة او مقروءة ليس لها صفحة رسمية على الفيسبوك ، لنشر أحدث اصداراتها من جهة ، وللتواصل مع الجمهور واستشراف آراءه من جهة أخرى بطريقة أسرع واكثر كفاءة وتأثيرا من طرق استطلاعات الرأي التقليدية.

 وعلى الصعيد السياسي ، فكل الأحداث التى تجرى فى المنطقة العربية ساهم فيها الفيسبوك فى الحشد والتأييد والتظاهرات والاإضرابات والقدرة الهائلة على تحريك الرأي العام تجاه القضايا الدولية والاقليمية والمحلية ، بما لايدع مجالا للشك عن قوة وتأثير الموقع ، وقدرته على تحويل الاشخاص الافتراضيين الى قوة حقيقية جارفة تستطيع اسقاط الانظمة وبناء الحريات والديموقراطيات !

0