فكرة مرعبة لتسويق فيلم رعب....إبداع حقيقي !
0

كانت ومازالت دعاية الأفلام في كل أنحاء العالم، قائمةً على الفكرة المعتادة بغزو كافة وسائل الإعلام المرئي بمقاطعَ قصيرةٍ عن الأفلام المعروضة في دور السينما، وتشويق المشاهدين وجذبهم جذبًا للخروج من منازلهم، والتوجه لأقرب دار سينما، لمشاهدة الفيلم الذي يجدون إعلاناته في كل مكانٍ يذهبون، وفي كل قناةٍ يشاهدونها.

ولكن، ووسط هذا التيّار من الدعاية الجارفة المعتادة لمثل هذه الأفلام – خصوصًا أفلام الرعب -، بدا أنه من المستحيل على فيلمٍ تكلّف العمل به حوالي 50,000 دولارٍ فقط، وهو مبلغٌ يعتبر ميزانيةً متواضعةً للغاية لأي فيلمٍ سينمائيٍّ، أن يقوم بهذا الحجم الضخم من الدعاية…حتى أفلامنا العربية المملة تستهلك ميزانيّاتٍ أكثر من ذلك بكثيرٍ.

لذلك، كان لا بد من فكرةٍ مختلفةٍ.

وفي عالم التسويق، فقط الأفكار المختلفة هي التي تحقق نجاحًا مبهرًا.

في العام 1999، وجدت شركة الإنتاج السينمائي الأمريكية ” Artisan Entertainment  “أنه لا مفر من اللجوء إلى وسيلةٍ تسويقيةٍ ودعائيةٍ غير مسبوقةٍ، للظهور وسط عشرات الأفلام الممولة تمويلًا ضخمًا، وتعتمد على دعايةٍ كبيرةٍ لجذب الجمهور..

هنا بدأ الإبداع الحقيقي، الذي أدّى في النهاية إلى دخول هذا الفيلم لموسوعة جينيس للأرقام القياسية.

مشروع ساحرة بلير ( Blair Witch Project )..

بدأ هذا الاسم في الانتشار بسرعةٍ مذهلةٍ، بين أوساط الشباب الأمريكي في هذه الفترة، بعد قيام عددٍ من الطلاب الجامعيين بتوزيع منشوراتٍ، وتعليق مطويّاتٍ ومعلقاتٍ في أماكن تواجد الشباب والطلاب، في الجامعات والمكتبات ومحال الملابس الشبابية والمقاهي، كلها تتحدّث عن ثلاثةٍ من الشباب المفقودين، خرجوا ولم يعودوا..

وفي نهاية النشرة، طُلب من كل ماتقع يديه على هذه النشرة، أن يدخل إلى موقع ( Blairwitch.com ) للإستزادة من المعلومات..

وبالفعل، انهالت الزيارات على الموقع، الذي كان يتحدّث بمنتهى الجدية عن فقدان ثلاثةٍ من الشباب المتهوّرين في غابة بلير، خلال بحثهم عن ساحرةٍ ما…وكل ماتبقى منهم، هو فيلمٌ تسجيليٌّ صوّروه بأنفسهم، تمّ العثور عليه بالصدفة البحتة ..

وقد أطلق الموقع مقطعًا قصيرًا من ذلك الفيلم، بدا وقتها حقيقيًّا تمامًا، وخاليًّا من أية إضافاتٍ أو مؤثراتٍ سينمائيةٍ، إلى جانب عرضه لصور المفقودين الثلاثة، وبعض التقارير البوليسية التي عثرت على سيارتهم خاليةً في الغابة..

فكرة مرعبة لتسويق فيلم رعب....إبداع حقيقي !

بلغ زوّار الموقع عدة ملايين، وانتشر هذا الاسم بشدّةٍ في المنتديات والمواقع الإلكترونية وبين الشباب، حتى أصبح الجميع تقريبًا سمع أو قرأ عن مشروع غابة بلير، حتى لو لم يكونوا شاهدوه عبر الموقع.

في هذا الوقت، شددت الشركة السينمائية على ممثليها الثلاثة المغمورين، الذين مثلوا دور الشباب المفقودين ..شددت على اختفائهم تمامًا، وعدم التحدث مع أصدقاءهم أو أقربائهم أو الظهور في أي مناسباتٍ، لحين إطلاق الحدث والإعلان عن عرض هذا الفيلم التسجيلي في دور السينما..الأمر الذي زاد من غموض الموقف، وزاد من شعبيته أيضًا بين أوساط المتابعين لهذا الحدث..

كل هذه الشهرة، اكتسبها الفيلم بدون إعلانٍ واحدٍ في أي صحيفةٍ أو أي قناةٍ تلفزيونيةٍ.

وبالفعل، قامت الشركة بطرح الفيلم، في 27 دار سينما فقط – رغم أنه كان بإمكانها عرض الفيلم في دور عرضٍ كثيرةٍ -، ولكنها حرصت على الظهور في دورٍ سينمائيةٍ محدودةٍ. لضمان أن يكون عدد المشاهدين كاملًا دائمًا في قاعات العرض، وإثارة فضول الملايين غيرهم الذين لم يستطيعوا مشاهدة الفيلم، لعدم وجود دار عرضٍ قريبة..

اقرأ أيضًا: ما هو التسويق بالمحتوى.

وبالتدريج، ومع الإقبال الجماهيري الكبير، زاد العدد إلى 1000 دار عرضٍ، شهد إقبالًا رهيبًا من الجمهور لمشاهدة هذا الفيلم الغامض، ومعرفة السر وراء اختفاء هؤلاء الشباب..

شــاهد ترايلــر الفيلم :

نجـــاح مُبهــر .. يتبعــه خطـأ قاتل ..

هل تتذكر تكلفة تصوير هذا الفيلم التي ذكرتها فى بداية المقال..كانت 50 ألف دولار..

بعد عرض الفيلم عالميًّا، حقق أرباحًا زادت عن 248 مليون دولار أمريكي !.. مما جعله يدخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية، كأوّل فيلمٍ من هذا النوع في التصوير والإخراج يحقق هذا الرقم..

وبعيدًا عن الدعاية الغير مسبوقة للفيلم، التي ساهمت بشدّةٍ في إقبال الناس عليه، إلا أن الفيلم ذاته كان فريدًا من نوعه أيضًا، حيث جرت أحداثه كأنها واقعيةٌ تمامًا، ولعب كثيرًا على فكرة الرعب الخفي الغامض، الذي يجعل المشاهدين يتخيّلون أحداثًا لم تقع أمامهم في الفيلم أصلًا، وكانت متروكةً لخيالهم الواسع للاستنباط والتخيل والتحليل.

الخطأ القاتل الذي وقع فيه منتجو هذا الفيلم، هو أنهم حاولوا تكرار نفس اللعبة مرةً أخرى في إنتاجهم للجزء الثاني من الفيلم ( ساحرة بلير )، الذي فشل فشلًا ذريعًا إذا قورن بأرباح الفيلم الأول، لأنه استخدم نفس وسائله للدعاية تقريبًا، واعتمد على شبكة الإنترنت بشكلٍ كاملٍ أيضًا..الأمر الذي أشعر الكثير من المشاهدين أن الفيلم سيكون نسخةً مكررةً من الجزء الأول، طالما لم تختلف دعايته.

الطريقة التسويقية التي تنجح مرة، لا يشترط أبدًا أن تنجح في كل مرةٍ.

0

شاركنا رأيك حول "فكرةٌ مرعبةٌ لتسويق فيلم رعبٍ….إبداع حقيقي !"