عشوائيات في عالم التقنية و التسويق ج2

عشوائيات في عالم التقنية و التسويق ج2 1
0

في عالم التقنية, إن لم تكن مبدعاً, كنّ مقلداً بارعاً…

في خريف عام 2008 بعد سنة من طرح أول جهاز أيفون, غدت شركة أبل المصّنع الأكثر تحقيقاً للأرباح في سوق الهواتف النقالة… فبالرغم من صغر حجم حصتها السوقية و ضئآلة عدد الأجهزة المباعة مقارنة بنوكيا و شركة RIM آنذاك, كانت أبل (و مازالت) تحقق أرباح خيالية وذلك بسبب الحجم الكبير لهامش الربح في الجهاز الواحد و الذي يقدر بأكثر من 55%.

فمثلاً , في الربع الأخير لنفس السنة, باعت نوكيا 185 مليون جهاز و حققت أرباح تترواح بحوالي 1.2$ بليون دولار, أي بمعدل ربحي يزيد بقليل عن 6.5$ للجهاز الواحد في حين باعت أبل 4 ملايين جهاز فقط, و حققت أرباح تتجاوز 1.3 بليون دولار أي بمعدل ربحي يتجاوز 300$ للجهاز الواحد ..

 طبعاً كانت هذه الأرقام مرعبة جداً لباقي الشركات, فهناك عاصفة قادمة لا محال, سوف تخلط الأوراق و تغير شكل صناعة الهواتف المحمولة و لكن ما هي الخيارات المتاحة ؟

الخيار الأول هو أن لا تفعل شيئاً… أو تتجاهل الواقع,  و هو ما فعلته نوكيا و RIM إعتقاداً بأن الأيفون لن يصل الى كافة جمهور المستهلكين بسبب سعره المرتفع جداً…في الحقيقة أن هذه الشركات لم تدرك أن جهاز أيفون كان ثورة بحد ذاتها و بانه سوف يسبب الهوس لملايين المستهلكين التي اقتطعتو أجزاء كبيرة من مدخراتهم لشراءه.

الخيار الثاني, أن تصرف عدة سنوات و تنفق مئات الملايين من الدولارات في قسم الأبحاث و التطوير للخروج بجهاز ينافس الأيفون… و هو ما أدركته مايكروسوف متأخرة في العامين الأخيرين من خلال الجهود التي بذلتها على نظام ويندوز فون و جهاز السرفيس.

الخيار الثالث هو أن تكون مقلدأ بارعاً حتى و لو كلفك ذلك أن تدفع مليارات الدولارات كتعويضات على انتهاك براءات الإختراع!… لست بحاجة لأن تكون عبقرياً لتعرف من أقصد.

لم تكن استراتيجية التقليد غريبة عن سامسونج, فالشركة لطالما برعت باستخدمها منذ دخولها صناعة الهواتف الذكية و حتى قبل وجود أبل…ولكن من خلال جهاز جلاكسي اس 1 الذي طٌرح في العام 2010 و  المشابه كثيراً للأيفون, تمكنت سامسونج بأن تضع نفسها كمنافس قوي لأبل

هل تتبع سامسونج استرتيجية التقليد؟ 

نعم …استطاعت سامسونج أن تجني سمعة تجارية كشركة تنتج هواتف مميزة, و بالرغم من أن معظم منتجاتها  “مستلهمة”,  لا أعتقد أن المستهلكين يكترثون كثيراً لهذه الحقيقة, طالما أن الشركة تستطيع إنتاج أجهزة بمستوى الأجهزة التي تقلدها, و فوق هذا كله تضيف عليها خصائص جديدة و تطرحها بأسعار معقولة تنافس اجهزة أبل او غيرها من المصنعين.

منذ اللحظة التي طرحت فيها الجلاكسي 1, حققت سامسونج أرباحاً تجاوزت الـ 25 بليون دولار, بخلاف كل شركات الهواتف التي خسرت أجزاء من حصصها في السوق بسبب الأيفون.

إستراتيجية التقليد البارعة التي إتبعتها سامسونج لم تكن بصالحها و بصالح وجوجل ممثلة بأندرويد فحسب, بل كانت بصالح المستهلك و من ضمنهم زبائن أبل أيضاً… إن لم تكن سامسونج موجودة, فالمنافسة سوف تكون  شبه معدومة بالنسبة لأبل, و بالتالي فأن سرعة أبل في تقديم أفضل ما لديها قد تكون أبطئ, و فوق هذا كلمه لما شهدنا أسعار الأيفون تنخفض بدون هذه المنافسة…

الآن, ماذا حل بالشركات التي لم تحرك ساكناً, أين أصبحت؟… تقريباً خارج اللعبة, نوكيا بدأت ببيع مكاتبها في فنلندا لتعويض خسائرها التي تجاوزت الـ 700 مليون دولار لهذا العام … أما شركة RIM فقد خسرت 235 مليون دولار في الربع الأخير من هذا العام ومصيرها غير معروف… و هكذا, الشركات الوحيدة التي تكيفت مع ثورة الأيفون, هي نفسها الشركات التي إتبعت سياسة التقليد و التي تلاحقها أبل على إنتهاكها لبراءات إختراعاتها… كـ هتش تي سي, , ال جي و غيرها…

أخيراً, كما قلت لكم في المقالة السابقة أن سلسلة “عشوائيات في التقنية و التسويق” هي مجرد أفكار وددت أن أشاركها معكم و طبعاً تحتمل الخطأ… و أنا بإنتظار آرائكم و تعليقاتكم.

 إقرأ أيضاً

عشوائيات في التقنية و التسويق ج 1

0

شاركنا رأيك حول "عشوائيات في عالم التقنية و التسويق ج2"