ما الخطأ الذي وقع فيه الدكتور أوز Dr. Oz؟ 2
3

ربما سمعتم بمحاكمة الدكتور أوز في مجلس الشيوخ الأمريكي هذه الأيام والتي غطتها أشهر وكالات الأنباء حول العالم. لمن لا يعرف القصة دعوني أذكرها باختصار: الدكتور محمد أوز هو جراح أمريكي من أصول تركية متخصص في جراحة القلب والصدر وأيضاً بروفيسورفي الجراحة بجامعة كولومبيا العريقة.

بجانب وظيفته ومنصبه الأكاديمي فإن الدكتور يقدم برنامجاً تلفزيونياً حوارياً ذو قاعدة جماهيرية واسعة اسمه “برنامج الدكتور أوز” أو Dr. Oz Show يناقش فيه مواضيع طبية مختلفة ويجيب فيه عن تساؤلات الناس الصحية. بالإضافة إلى ذلك فإنه في كثير من حلقاته يعرض منتجات تجارية سواءاً غذائية أو أدوات كهربائية ويسوّق فوائدها ومنافعها الصحية بإسهاب وإطناب.

قبل أيام استدعى أعضاء من مجلس الشيوخ الأمريكي من لجنة حماية المستهلك الدكتور وساءلوه -بل وعنّفوه- بخصوص بعض المنتجات التي بالغ في وصف فوائدها الصحية بالرغم من عدم ثبوت تأثيرها وضعف الدليل العلمي خلفها معتبرين ذلك من التسويق الزائف. كذلك أشاروا إلى انتشار ظاهرة جديدة بسببه أطلقوا عليها “تأثير دكتور أوز” حيث تعمد الشركات والمواقع المختلفة إلى عرض مقاطع واستشهادات من برنامج الدكتور واصفاً فيها المنتجات بأوصاف غير دقيقة ومغالية مثل “إنها معجزة” و ”يا له من علاج سحري أدهش العلماء”.

قد يستغرب بعض القراء كيف يعنّف طبيب ذو خبرة طويلة وبروفيسور جامعي حول موضوع يتعلق بمجال تخصصه الطبي، وقد يظن الكثيرون أنه وصل إلى مرحلة من العلم تسمح لنا أن نأخذ كلامه بكل ثقة وبدون الرجوع إلى الأبحاث والمراجع، لكن هذا هو الخطأ بعينه وهذا هو ما سأحاول تصحيحه ولو جزئياً في هذا المقال.

يشكل على كثير من غير المتخصصين ماهية الدليل العلمي الصحيح وكيف يتأكد بنفسه من صحة معلومة علمية أو طبية سمعها أو قرأ عنها.

ربما تظن أنه يكفيك في اعتماد المعلومة أن تكون ذكرت في كتاب، أو برنامج وثائقي، أو مقالات صحفية، لكنها في الحقيقة ليست الطريقة الصحيحة لتأكيد هذه المعلومة ولا غيرها، بل وحتى ما يقوله العالم المتخصص قد يكون غير دقيقاً وربما مضللاً -خاصة إذا كان غير مدعوماً بدليل موثوق- كما في حالة الدكتور أوز.

الدليل العلمي يؤخذ بشكل عام من الدراسات العلمية المعملية والسريرية -وغيرها من أنواع الدراسات- التي تقوم على أسس محايدة ودقيقة وتخضع لتحكيم صارم من خبراء قبل نشرها في الدوريات العلمية المعتمدة. تختلف هذه الدراسات في تصاميمها وطرق تنفيذها بحسب التخصص وبحسب المبحث المعني في الدراسة، وبالتالي تختلف قوة الدليل العلمي بينها، ولا يمكن مساواتها جميعاً على قدر واحد.

بمعنى أنه لا يمكن الاعتماد على رأي الخبير فقط كدليل علمي على معلومة، لكن على الجانب الآخر يمكن الاعتماد بارتياح على “مراجعة منهجية” تُجمَع فيها وتُدرس مجموعة كبيرة من الأبحاث والدراسات العلمية حول موضوع دقيق معين وتلخص النتائج للتوصل إلى استنتاج نهائي يمكن الوثوق به في صحة المعلومة من عدمها.

لنضرب لك هذا المثال، إن أردت معرفة فعالية دواء جديد سمعت عنه -واستكشاف الدليل العلمي وراءه- فإنه يمكنك أن تقرأ تعليقاً لطبيب متخصص يشرح بالتفصيل أثر الدواء على مريض واحد من مرضاه ويكتبه على شكل تقرير، ويسمى هذا النوع من الدراسات بـ”تقرير الحالة” أو Case Report، وقد تطلع على الجانب الآخرعلى دراسة قام بها فريق من الباحثين المتخصصين يختبرون فيها فعالية هذا الدواء بتقسيم مجموعة كبيرة من المرضى الذين تم اختيارهم بشكل عشوائي إلى مجموعتين؛ المجموعة الأولى يطلق عليها “التجريبية” بحيث تعطى الدواء الذي يراد اختبار فعاليته، أما الثانية فتسمى “الضابطة” وتعطى حبوباً مزيفة -قد تحوي سكر مثلاً- بدون معرفتهم. الغرض من هذا التقسيم هو قياس الأثر النفسي على متعاطي الدواء (بلاسيبو أو Placebo) ومقارنته بالأثر الفعلي وبالتالي التأكد بشكل أكبر من فعالية الدواء الحقيقية، وتسمى هذه الدراسات بـ”التجارب المقارنة العشوائية” أو Randomized Controlled Trials في الأوساط العلمية.

drugggg

بالنظر إلى هذين المثالين يمكنك أن تستشف أن التصميم الأول للدراسة أضعف وأقل تأكيداً بجدوى الدواء من النوع الثاني (الدراسة الأولى تحوي مشارك واحد فقط بعكس الدراسة الثانية التي تتضمن مجموعة كبيرة قد تصل إلى المئات، ولا تحوي الأولى مجموعة ضابطة يمكن المقارنة بها، ولا توجد فيها عشوائية، والقائم بالاختبار فيها شخص واحد)، لذلك يمكننا القول أن الدليل العلمي في الدراسة الثانية أقوى بكثير من الدراسة الأولى.

في الحقيقة هناك سلم للدليل العلمي “Levels of Evidence” تتدرج فيه رتب الدراسات من ناحية برهنتها على المبحث؛ فرقم 1 -أقوى دليل- يعطى للمراجعة المنهجية ثم تنزل قوة الدليل تدريجياً حتى نصل إلى رقم 5 -أضعف رتبة- وهو رأي المختص الذي لا يمكن الاعتماد عليه طالما لم يستند على دليل أقوى.

هدفي هنا ليس إعطاء درس مسهب عن البحث العلمي وإنما توضيح فكرة الدليل في العلوم والطب للقارئ الكريم وماذا يعني. إن سمعت مستقبلاً معلومة معينة -بالذات إن كانت تتعلق بصحتك- فننصحك بشدة أن تتأكد من الدليل العلمي وراءها سواءاً بسؤالك لمختص ليطلعك على نوع الدراسات حول الموضوع أو التأكد بنفسك في المواقع البحثية المتخصصة مثل Cochrane Library. نحن هنا لا ننصحك أبداً بهجر المتخصصين -فهم في الغالب الأدرى بالدراسات القائمة في مجالهم- لكن ننصحك أن تكون أكثر حذراً ودقة في استقائك لمعرفتك.

يقول عالم الفيزياء الحائز على جائزة نوبل ريتشارد فاينمان: “العلم -الطبيعي- وحده من بين كل الفنون يعلمنا درساً مهماً حول خطر الإيمان بعصمة العلماء العظماء على مر العصور. في الحقيقة أستطيع تعريف العلم -الطبيعي- بشكل مختلف على أنه الإيمان بجهل الخبراء”.

3

شاركنا رأيك حول "ما الخطأ الذي وقع فيه الدكتور أوز Dr. Oz؟"