رودولفـو والش .. الأب الروحي للصحافة الإستقصـائية

رودولفـو والش .. الأب الروحي للصحافة الإستقصـائية 1
0

كثيراً ما يحدث أن تنظر لرسم كاريكاتوري أو تستمع لحناً, فتعرف مباشرة صاحبه دون أن تتكلف عناء الاطلاع على التوقيع, و هكذا مع رجلنا الصحفي الارجنتيني “رودولفو والش”. دائماً كانوا يقولون انه لم تكن هذه الكلمات لتخرج الا منه, حتى و لو كانت غير موقعه باسمه كما اعتادوا.

رغم ان الرجل لقى نهاية بشعة في أواخر السبعينات, الا أنه سيرة حياته تركت لنا بعض الدروس العابرة, و لكن هذه المرة يظهر اسم “والش” جلياً فيها.

أن تكون مبدعاً شئ, و أن تكون رائداً شيئاً مختلف

رغم داراسته الفلسفة, الا ان فلسفته الخاصة انه لا يمكن أن تترك الحياة دون ان تحدث تغييراً, و هذا ما دعاه الى تقلد العديد من الوظائف حتى وصل للتحرير الصحفي, و منها ابتدع مهنته الجديدة التي سيرتادها العديد من بعده, الصحافة الاستقصائية. أن يترك مكتبه و يطارد الاخبار حتى يصل لحقيقتها, و حتى أنه وصف نفسه فخوراً بأنه “يتجسس على الجواسيس” أنفسهم, و لكن في عهده لم يكن نشر الحقيقة في مقالة بالشئ الذي يوافق عليه اغلب المحررين, لذلك كان ينسج الخبر و حقائقه في صورة قصة خياليه, تحوى كل الاسقاطات على ما توصل اليه من نتائج, و يعتمد ذكاء القارئ أن يع كل ما يحدث دون تفسير مباشر.

الدولة العميقة ليست مصطلح تركياً !

رغم ان مصطلح الدولة العميقة Deep state هو مصطلح تركي بالأساس, لكن ما عاصره “والش” في الارجنتين يثبت أن هناك من اجدر بذلك من تركيا. ففي العام 1946 قام الشعب الارجنتيني بانتخاب رئيسه ذو الأصول العسكرية “جوان بيرون” بعد ان منيت البلاد بثلاث انقلابات عسكرية في عام واحد من 1943 الى 1944 أولها لم يمكث سوي ثلاث أيام فقط !, ليحاول “بيرون” أن يتعلم أخطاء سابقيه و يحاول أصلاح المنظومة الاقتصادية في البلاد, و هو ما عارض مصالح تلك الدولة العميقة, التي ظل يحاربها حتى أسقطته الطغمة العسكرية في العام 1955 بعد عام واحد من فترته الرئاسية الثالثه, بقيادة “إدواردو لوناردي” في 23 سبتمبر 1955 , لينقلب عليه رفيقه “أرامبورو” بعد أقل من شهرين في 13 من نوفمبر لنفس العام.

من هنا كانت بداية “والش” الحقيقة في عالم الاستقصاء, حيث شهدت بلاده من تولي “ارامبورو” ملاحقة و تعذيب ممنهج لجميع النشطاء و مناصري الرئيس المعزول “بيرون”, حتى جمع وثائقه في صورة كتاب أسماه “عملية المذبحة Operation of Massacre” و الذي صدر في العام 1957 واصفاً كل ممارسات التعذيب و الملاحقة التي يمارسها ” أرامبورو” و رفقائه, و رغم أن الكتاب لم يحمل اسم :”والش”, الا أن كل الأصابع كانت تشير الىه, و من هنا بدأ الثأر بينه و بين الطغمة العسكرية الارجنتينية. أحضروا هذا السافل حياً.

أنجح أكثر, تكتسب أعداء أكثر

walsh-1

اضطر “والش” الى السفر كثيراً ليظل على قيد الحياة أطول فترة, و لكنه كان ذكي كفاية ليترك في اغلب الأماكن التي يزورها قنابل استقصائية موقوته تحمل طابع عمله لا توقيعه, ففي العام 1961 كانت ضربته هذه المرة كبيرة, اثبت بها مقولته انه يستطع التجسس على الجواسيس أنفسهم, عندما استطاع تسريب تلغراف سري من الادارة المركزية الأمريكية الى الكوبيين المنفيين من قبل الرئيس “فيدل كاسترو”, معلنة اياهم اللمسات الأخيرة لخطة “زاباتا Zapata” أو ما عرف فيما بعد بمعركة “خليج الخنازير”, و استطاعات تلك الرسالة حين وصلت لـ”كاسترو” أن تنقذ النظام الكوبي من ضربة قوية, و أن تفضح تدخل المخابرات الأمريكية أمام العلن في فضيحة حرب أخرى تنضم للقائمة, و لكن هذا ما كان معناه أن ينضم الى قائمة أعدائك المخابرات الأمريكية نفسها.

أستئصال نصف الورم, العن من عدم استئصاله كله !

عودة الى الارجنتين, حيث تشكلت منذ العام 1970 جماعة “المونتينيروس” ذات الطابع المسلح لتقاوم نظام الحكم, و استمرت حتى استطاعت بالفعل ان تفرض انتخابات رئاسية أتت مرة أخرى بالرئيس المعزول “بيرون” الى الحكم عام 1973 الذي وافته المنية بعد تسع أشهر من توليه الحكم هذه المرة, تاركاً المنصب لنائبته و زوجته الثالثه “ايزابيل بيرون” أول رئيس أنثى في الامريكيتين.

و لكن هل كان أصحاب المصالح المعقدة أو ما يعرفون بـ”الدولة العميقة” ليهدأوا بعد ان عاشوا فترات رغد سابقة في ظل الحكم الديكتاتوري ؟!. فقد بدأوا في شق الصف بين ” المونتينيروس” و الرئاسة, حتى أن “والش” كان قد انضم الى ” المونتينيروس” عام 1973 ليتركهم سريعاً بعد أن أدرك أن “الادارة السيئة” ستودي بهم مبكراً, و استمرت بعدها محاولات الدولة العميقة لشق الصدع بين الجماعة و الرئيس الذي وصل به الأمر ألى أن شجع القوات اليمينية المتطرفة الى ملاحقة من كانوا سبباً بالأمس لعودته, ليتم القضاء على وجودهم نهائياً عام 1976, لتعود بعدها الطغمة العسكرية لتحدث انقلاب عسكري جديد أواخر نفس العام بقيادة “خورخه فيديلا”, و كأن شئ لم يحدث من قبل !.

الثأر لا يموت, و القلم كذلك !

walsh-2

هذه المرة كان “خورخه فيديلا” يحاول توطيد أسس قوية لدولته في ظل نظام رجال المصالح العيا في البلاد من رؤوس الأموال الفاسدة, فبدأ في تطبيق نظم “مدرسة شيكاغو” في توطيد أسس السوق الحرة بالكامل, بالتوازي بجانب حملات الاعتقال و التعذيب الممنهجة, و لكن كل ذلك لم يشغل الطغمة العسكرية عن ان تثأر لنفسها من كل نشطاء الماضي, و على رأسهم “والش” الذي ظلت تطارده و رفقاءه فترة طويلة.

و لكنه “والش” لم يكن ليهدأ عن مواصلة عمله الاستقصائي الذي ظهر جلياً في آخر ما أتم كتابته لينشره في العيد الاول للانقلاب العسكري الأخير بعنوان “رسالة مفتوحة من كاتب الى الطغمة العسكرية” و هي تعتير أشهر ما كتب, رغم انه لم يحملها توقيعه أيضاً كما ترى في العنوان. و قام بارسالها بالبريد الى العديد من رفقاءه الذي سيساعدون في نشر مقطوعته الاستقصائية الاشهر بجملة :

” أريد أن يعلم هؤلاء السفلة أني ما زلت هنا, ما زلت حياً و ما زلت اكتب”.

في كتابه هذا, بدأ بتسليط الضوء على ممارسات التعذيب الممنهجه و تورط عناصر المخابرات الأمريكية لتدريب رجال الشرطة في الاستجوابات و حملات الاعتقال و المطاردة, و لكن هذا ما لم يكن يشغل بال “والش” بشكل أكبر, فلقد أراد أن ينبه الجميع الى الى أن كل هذا ربما ينته بلحظة, و لكن الزحف الاقتصادي الحر الذي جعل من البلاد قطعة في يد الاغنياء, و من الشعب حفنة من المشردين, و هو ما ظهر حين كتب:

(ليس عليكم الا أن تتجولوا في أنحاء “بوينوس آيرس” العظيمة لبضع ساعات كي تكتشفوا السرعة التي حولت بها هذه السياسة المدينة الى بلدة من “أكواخ الصفيح” تؤوي أناساً بعشرات الملايين)

ليصل الكتاب الى يد نظام الحكم, ليصدر الأمر من الأدميرال “ماسيرا” –كما يزعم البعض- آمراً جنوده بأن يجلبو هذا السافل حياُ, لأنه سيتولاه بنفسه. و يتم احكام مخطط للايقاع به بعد ان أوقعوا بصديق له اعترف تحت وقعة التعذيب على كيفية الوصول اليه, ليتم دعوة “والش” بدعوة مزيفه من اصدقاءه لحضور لقاء, و هناك يفاجأون “والش” برتل عسكري في انتظاره, و لكن “والش” كان يعلم كيف سيؤول به الحال لو وقع في أيديهم حياً, فأخرج مسدسه و تبادل معهم اطلاق النيران حتى وقع مقتولاً برصاصهم, و هو الأمر الذي لم يشف غليل الجنرالات, فامروا باحراق جثته و القائها في النهر.

لتنتهي قصة مؤسس “الصحافة الاستقصائية”, تاركاً وراءه صحفات تعلم أجيال بعده كيف أن لا يستهينوا بقوة أقلامهم.

في التالي ملحق فيديو لنموذج صحفي استقصائي افريقي متخف, ربما تتبع خطوات “والش” بأسلوب أكثر تخطيطاً و عصرية, و استطاع أن يغير أيضاً من وجه سياسات بلاده بتقاريره, أتمنى أن تستمتعوا بمشاهدته.

المصادر

اقرأ أيضـاً للضيـوف :

مـــــا العبــقرية ؟ و ماذا قيل عنها … ظواهر خفية لتفسير العبقرية

مراهقــون صغار .. ولكـن بإنجـازات كبيــرة !

أقوى المواقع العربية التي تقدم لك التعليم مجاناً من بيتك

متى يجب أن تترك وظيفتك؟ 5 أشياء تنبئك بأنه الوقت المناسب

0