تجربتي مع العمل الحر في العالم العربي

تجربتي مع العمل الحر في العالم العربي 1
0

مقال بواسطة المدون: حسام زيّاد

يمر العالم العربي الآن بحسب رأيي على الأقل بأحلك فترات الظلام عليه، و كل مواطن عربي يتعرض لأسوأ الضغوطات على الصعيدين العملي والحياتي، وينعكس هذا سلباً على ما يقدمه المجتمع العربي للإنسانية في هذا الوقت.

لعل من أكثر الأمور السلبية شيوعاً هو ما يمر به من يختار طريق “العمل الحر” في وسطنا العربي المحكوم بعقلية الزبون غير المفهومة وهي بحسب خبرتي في الموضوع عقلية موحدة تقريباً لدى جميع الزبائن العرب على اختلاف ظروف بلدانهم.

سأتعرض في هذه المقالة لأمور لمستها عن قرب في تجربتي التي تزيد عن 16 عاماً في التعامل مع الزبائن ضمن شقين رئيسيين التصميم الفني وتطوير المواقع، وهنا أورد تجربتي مفصلة ضمن عدة عوامل تفيد طالبي العمل الحر لتحديد السوق الأفضل ولعدم تضييع الوقت والجهد.

1 – السعر

أجل إنه العامل الأول والأكثر أهمية، لا لجودة العمل ولا لنظافته دوراً، لا فرق بين خبير أو مبتدأ، ولا فرق بين “دورة فوتوشوب” وأعظم دكتوراه في علم التصميم الفني، الزبون العربي يريد مجموعة ألوان ومجموعة صور ومجموعة خطوط مرتبة بحسب رأيه الفني، حيث لا يوجد احترام لرأي المصمم ولا لخبرته حينما يتعلق الأمر برؤية الزبون.

و برأي الزبون أنت كمصمم لا تفعل شيئاً سوا تحريك أدوات الفوتوشوب وبرامج التصميم الفني للوصول للنتيجة، ولا يأخذ منك ذلك سوى دورة الفوتوشوب المذكورة أعلاه، إذاً لماذا تريد هذا المبلغ مقابل عملك؟ وأغلب الزبائن للصدفة لديهم “ابن أخ” أو “ابن أخت” يعرف الفوتوشوب ولكن هذا الزبون ومن رضى الله عليك أنه اختارك لينفعك.

في أحد اجتماعاتي مع زبون أخبرني أن محرك سيارته كان معطلاً وعجزت حتى الوكالة عن تصليحه، فنصحه صديقه بميكانيكي خبير قام بدوره بتركيب قطعة معدنية صغيرة جداً أسفل المحرك ليرفعه مسافة 3 ميليمتر وتحل جميع مشاكل المحرك. هذا الميكانيكي طلب مبلغاً كبيراً جداً مقابل ال 15 دقيقة التي قام بها بالعمل، وقال للزبون: هذا المبلغ ليس ثمناً للقطعة المعدنية وإنما ثمناً لخبرتي 15 سنة في صيانة المحركات. أردف الزبون قائلاً لي: “والله قال لي مصمم آخر أن أجر تصميم البروشور لا يتجاوز نصف دولار أميركي، إذا لماذا تريد أكثر من ذلك؟”

2 – المعرفة

الزبون العربي لا يوجد لديه معرفة بالتصميم الفني ولا بامتلاك موقع على الانترنت، الموضوع في أغلب الأحيان هو مجرد كماليات لتحقيق برستيج الشركة، فهو بذلك لا يريد دفع مبلغ كبير مقابل امتلاك هذه الكماليات. وأحياناً تكون وجهة نظر الزبون أن الموقع الذي ستصممه هو دجاجة تبيض ذهباً لوحدها دون أي مجهود منه.

في حين أن أعمال تصميم مواقع الانترنت هي الآن من الوظائف الأكثر طلباً في العالم، وهي عبارة عن اختصاصات كبيرة جداً لا تعد ولا تحصى، إلا أن الزبون العربي لا يعرف الفرق بين شيفرات برمجية تساعد محركات البحث في أرشفة موقعه بالشكل الأمثل أو شيفرات برمجية منسوخة من موقع لزبون قبله (حتى أنني أرى أسماء شركات أخرى في مواقع شركات عربية كبرى سببها إهمال المطور بحذفها قبل إطلاق الموقع)

ولهذا السبب لا يعرف الزبون العربي بين التعديل البسيط على موقعه وبين تعديل يحتاج لتغيير كامل قاعدة البيانات، و لا يستطيع تقدير حجم العمل الذي ستقوم به للتعديل، وفي أغلب الأحيان يستغرب كثيراً من طلبك مبلغاً إضافياً لإضافة ميزة إلى موقعه.
في أحد الأعمال اتصل بي زبون بعد ثمانية أشهر من تسليمه موقع شركته ليخبرني أنه لا يريد الموقع بهذا الشكل وإنما يريده بشكل آخر، وينبغي علي أن أقوم بإعادة العمل لكامل الموقع مجاناً.

ومع أنني حاولت كثيراً وأعتقد أنني نجحت مع الكثير من زبائني بتطوير معارفهم في عالم التصميم، إلا أنني أعترف بفشلي مع زبائن أخرى تلقي السمع لكل من قال.

بل إن بعض الزبائن تظن أنك تملك آلة سحرية تضغط فيها زر واحد لإنجاز العمل وأنت نائم، في حين أنك مثلاً تنهمك جداً بتحديد درجات للون الرمادي لا يكاد الزبون يلاحظها ولكن لأنك تريد لعملك أن يكون مثالياً جداً.

3 – الاحتيال

عادة شائعة في عالمنا العربي، وهي تكثر عندما يكون العمل جديداً في الساحة العملية، وبحسب ما كتبت أعلاه فإن ضعف معرفة الزبون لا تمكنه فعلياً من كشف المحتال من الخبير الفعلي، لذا فهو يتعامل معك بكامل الحرص والخوف من أي عملية احتيال قد تقوم بها، مع أنك لا تريد أن تحتال!

في أحد الحالات التي صادفتها قامت إحدى الشركات العربية التي أتعامل معها بأسلوب out sourcing (أي أنني أقوم بتنفيذ أعمال زبائنهم) بالطلب مني أن أقوم بإزالة شيفرات برمجية تحسن أداء موقع زبونهم مع محركات البحث لكي تقوم بطلب مبلغ إضافي لاحقاً من الزبون مقابل إعادتها ضمن خطة Search Engine Optimisation.

web-developers-do-ar

4 – الأخلاقيات

مع أننا كعرب نحاول التمسك بالماضي العريق حيث كان الرجل ينفذ وعده حتى لو كلفه ذلك قطع رأسه، إلا أننا نعاني أزمة أخلاقية في هذا الوقت.
عندما بدأت في العام 2008 بتخطيط قيامي بعمل مستقل لنفسي خارج الشركات العربية التي كانت فعلياً تستغلني ولا تسمح لي بنشر أي من أعمالي ضمن معرض أعمال، اضطررت للأسف للعمل قبل قبض عربون من الزبون، وفي حالتين قام الزبائن بأخذ أعمالي والإنقطاع عن التواصل معي.

أحد هذين الزبونين قام بنسخ تصميمي للشعار بشكل سيء جداً وهو موجود فعلياً بشكله السيء المنسوخ حتى اليوم لشركته الضخمة جداً في عالم المقاولات في أحد الدول العربية.

في مثل هذه الحالة في أوروبا تقوم بتوقيع اتفاق عمل مع الزبون وهو بدوره عقد يمكنك تسليمه للمحكمة في حال تم التلاعب بعملك.

5 – وسائل التواصل

كونك مصمم حر هذا يعني أنه لا شركة لديك تغلق أبوابها عند السادسة مساءآً، وهذا يعني أنك قابل للوصول بحسب جدول نوم واستيقاظ زبونك.
الزبون في عالمنا العربي يعتقد أن وسائل التواصل مثل الهاتف و برامج واتس آب وفايبر أهم وأكثر فاعلية من استخدام الإيميل، فهي وسائل تضمن ردك فوراً عليها سواء في الساعة السادسة صباحاً أو الثانية ليلاً.

في حين أن الزبون الأجنبي (وحتى حكومته) يعتمد الإيميل كوسيلة ومستند مهم جداً للاتفاق على أي تفصيل يتم ذكره.

6 – الحياة الشخصية مقابل الحياة العملية

في حين أن الزبون الأجنبي يؤمن أن العطلة الأسبوعية هي للعائلة والترويح عن النفس وهو غير مستعد أن يقحم العمل في هذين اليومين لأنه من حقه وحق العامل أن يرتاح في هذا الوقت، سأكتفي هنا بطرح أحد القصص عن عالمنا العربي:

أصر أحد الزبائن أن يقوم بإضافتي كصديق على فيسبوك، وعادة أنا لا أوافق على ذلك لأنني أتعامل مع فيسبوك كوسيلة للأصدقاء فقط، وكوني لست روبوتاً فأنا أحتاج ليوم عطلة أسبوعية (يوم الجمعة) فأخبرت ذلك الزبون أنني سأقوم بتسليمه العمل يوم السبت.

فوجئت باتصال منه يوم الخميس ليلاً معاتباً ومستخدماً أشد لهجة لأنني أقوم بتأجيل عمله حتى يوم السبت بعدما رأى أن أحد أصدقائي نشر لي صورة على فيسبوك ونحن نتناول العشاء في أحد المطاعم.

لا زلت لا أعرف ماذا أرد عليه حتى اليوم!

7 – ضعف التخطيط

غالباً ما تعاني الشركات العربية (حتى الكبيرة منها) من سوء في التخطيط فهي ما تكاد تنتهي من التخطيط لمشروع معين إلا تجد هذا المشروع قد انحرف عن مساره ودخلت به أمور جديدة، لذا فإنك كمطور مواقع حر ستجد نفسك عالقاً في حلقة لا نهائية من التعديلات والتطويرات التي تكون غالباً مجانية، وإذا رفضت ذلك تقوم الشركة بتسليم الموقع لمطور غيرك وحين تبدأ المشاكل بالظهور ستعود الشركة إليك لتعاتبك كون المطور الجديد أخبرهم أن المشاكل حصلت بسببك.

قد تفاجئ يوماً بوصول قائمة ب 120 تعديلاً لتقوم بها على موقع موجود على الشبكة منذ فترة، تطالبك بإنهاء العمل بسرعة ودقة ودون طلب أي مبلغ إضافي فهذا عملك الذي سلمته.

حتى في حالات التصميم فإنك ستضطر لإعادة عملك لأن الزبون وجد أسلوباً طباعياً رخيص الثمن لا يمكن فيه طباعة عملك الفني.

 

هذا غيض من فيض مما تعرضت له خلال كل سنوات العمل الحر في العالم العربي، والحل فعلياً غير موجود اليوم بسبب عدم وجود قوانين وأعراف ناظمة للعمل الحر في عالمنا العربي.

وعلى الرغم من وجود زبائن ممتازة جداً تفهم العمل وتقدر الخبرة، إلا أن وجودهم نادر جداً ولا تستطيع كمصمم أو مبرمج حر تذكرهم نتيجة النسبة الكبيرة من الزبائن التي تعرضك لمواقف سلبية تؤثر في أداءك وإنتاجك.

 

 

عن الكاتب:

حسام زيّاد، مدوّن عربي مشهور باسم housamz، مصمّم ومطوّر مواقع، أهتم بالويب، التسويق وتطوير المشاريع.

رابط موقعي: www.housamz.com

0

شاركنا رأيك حول "تجربتي مع العمل الحر في العالم العربي"