الحياة..عندما كانت بنكهة الخيال 5
1

اليوم سأطلب منك أن تسدي لي معروفاً وتعود بذاكرتك معي للوراء قليلاً.. أعرف..نغمة الحنين إلى الماضي قد أصبحت منتشرة لدرجة الملل، لكن تحل بالصبر هذه المرة فقط، فهذا ما تتطلبه شروط اللعبة اليوم..وأستطيع أن أعدك أن تكون هي المرة الأخيرة..إتفقنا؟ جيد.. إحشد تركيزك إذن معي..

هل تذكر المعارك الوهمية التي دخلتها مع لصوص خياليين؟، تلك المستوحاة من فيلم وحدي في المنزل الذي شاهدته مراراً وتكراراً في الأعياد بالذات؟

أيّ لون اخترته لنفسك من ألوان المغامرين الخمسة، وحرصت على أن تختار ملابسك كلها في هذه الفترة  بذات اللون مثلما كانوا يفعلون؟ هل حفظت أغنية “سلاحف النينجا النينجا ترتلز” الشهيرة وغنيتها معهم أثناء الإفطار في رمضان؟ هل تابعت بشغف حلقات “زينا” و”هركليز” واتسعت عيناك دهشة من عالم الأساطير الساحر الذي اصطحبوك إليه؟

Hercules: The Legendary Journeys (1995 -1999)
              – من مسلسل “هرقليز Hercules: The Legendary Journeys” – إنتاج 1995 -1999 –

وأخيراً هل جربت وضع طوق بلاستيكي حول جبهتك وحاولت تحريك الأشياء به مثل “آلانا”..الفتاة القادمة من المستقبل؟ بالتأكيد فعلت..أعرف هذا جيداً لأنني فعلت نفس الشيء بالضبط.. لذلك سأوجه لك نصيحة واحدة، أرجوك لا تعيد مشاهدة هذه الأشياء مرة أخرى..

لا تصدقني؟ تعتقد أن رؤيتها ستُعيد لك ذكريات رائعة من الماضي الجميل؟ حسناً حاولت من قبلك نفس الشيء.. أمضيت أسابيع أبحث عن روابط أو تورنت صالح لتحميل بعض من هذه المسلسلات القديمة التي رافقت خيالي طوال طفولتي.. وعثرت بالفعل على تورنت لحلقات مسلسل The Girl From Tomorrow..

والذي اكتشفت أنه إنتاج كندي يعود إلى بداية التسعينات..جلست بشغف لأتابع أول حلقة..وهنا كانت الصدمة..

2
                       – من مسلسل “فتاة من الغد The Girl from Tomorrow ” – إنتاج (1991 -1992)-

كل شيء أثار في نفسي الخيال قديماً أراه الآن مسطحاً ومضحكاً.. تصوير رديء! تمثيل أكثر رداءة! حتى أنني اعتقدت بأنني أخطأت التورنت وقمت بتحميل سكتش تقليد كوميدي للمسلسل على سبيل الدعابة.. لكني للأسف لم أكن مخطئة..

جربت مرة أخرى في مسلسل المغامرين الخمسة “كنت أفضّل اللون الأصفر”، حمّلت عدة حلقات واكتشفت أني كنت حمقاء صغيرة، حركات مسطّحة وأصوات مركبة، المغامرين الخمسة لا يبدون أقوياء ولا مرحين ولا مسليين كما أعتقدت منذ زمنّ!

5
                                                 – من مسلسل Power Rangers (1993 – الآن) –

هناك فيلم اعتدت تذكّره بمزيج من السعادة والحنين يدور حول أطفال يتمكنون من السفر عبر طابع البريد الملصق على الخطابات ليكتشفوا سر اختفاء جامع طوابع شاب..وهو إنتاج كندي أيضاً بالمناسبة لعام 1988 باسم Tommy Tricker and the Stamp Traveller وجدته بالفعل وقمت للأسف بمشاهدته من جديد  لتتبخر البقية الباقية من السعادة.. ويذهب الحنين إلى غير رجعة..ما الذي حدث إذن؟

ما حدث بكل بساطة هو أنني قد كبرت..الخيال الذي كان يحتل النسبة الأكبر من خلايا مخي قد تراجع ليصبح ترفاً أخيراً أستخدمه قبل النوم أو في الأحلام التي لا أذكرها، أو أثناء قص حكاية على مسامع إبنتي التي لا تزال محتفظة بنعمة الدهشة الأولى للأشياء.

أما أنا..فقد أصبح عقلي مكوّن من مواعيد، مسئوليات، هموم، مشاكل، علاقات إجتماعية، أعباء منزلية، عمل يومي وبعض المعلومات الهامة..الخيال إنزوى في ركن بعيد يتحسر على الأيام الماضية، فلما أردت تدمير البقية الباقية منه إذن؟

نعمة الخيال تندثر حقاً بمرور الزمن، تنزوي بعيداً بعيداً في ركن قصيّ، فتنكمش الحدائق الغناء التي طالما لعبنا فيها ونحن أطفال لتصبح مجرد رقع خضراء صغيرة بلا معالم، تصغر قمم الهضاب العتيدة من الرمال الصفراء في مواقع البناء التي كنا نتسلقها.

تصبح عربة رش المبيد الحشري مجرد شيء مزعج بعد أن كانت آلة جميلة لصنع الضباب الأسطوري، تصبح البيوت الضخمة التي أسسناها بخيالنا مجرد فراغ أسفل السرير..وتتحول الصناديق الكارتونية القديمة إلى مجرد جماد بعد أن كانت ذات يوم حصان طائر يحملنا بعيداً..

shutterstock_102732383

بمزيج من الحزن والندم، قررت ترك الماضي كما هو دون العبث فيه..أتذكر مشهد ما التصق في جعبتي منذ الطفولة..رائحة عطر أمي وهي تأتي لاصطحابي من المدرسة، الحلوى التي اعتدت شرائها أثناء “الفسحة” ، الخيمة التي بنيتها من ملاءات السرير وشراشفه وجلست تحتها مع خيالي العزيز،

صوت قرع الطبول في فيلم جومانجي، باب المراسلة في مجلة ماجد وعلاء الدين، دهشة استلام الخطابات الورقية في المظاريف المعطرة بصندوق البريد، الردود.، عبارات الترحيب الأولى.

كلها يجب علينا تركها سالمة لا تمس في أعماق الروح، نستخرجها كالأرشيف في لحظات التعاسة أو لتذكّر جدوى التفاصيل الصغيرة التي تتكون منها حياتنا كاملة.. وهذا كل شيء، محاولة إحياءها من جديد ستؤدي دائماً لنتائج عكسية..

ذات الشيء ينطبق على محاولاتك للتواصل مع أصدقاء الماضي الذين -بالطبع- لن يعودوا كما تتذكرهم..أو زيارة مدرستك الإبتدائية التي ستلغي من عقلك صورتها السحرية الأولى لتصبح مجرد مكان كئيب مليء بالكراسي الخشبية ورائحة الأوراق المكتومة.

3
– من مسلسل “زينا الأميرة المحاربة Xena: Warrior Princess (1995 – 2001) –

هذا مقال يمتليء بالشجن الحزين إذن وأنا آسفة لذلك..ومن أجل هذا سأعرض عليكم عرضاً لا يمكن رفضه، رغم كل أمور الطفولة التي قد أكون صوّرتها لك الآن سطحية وجوفاء، إلا أن هناك لذة واحدة تبقى قوية ومتجددة نفتقدها كثيراً بعد أن انتفت العلاقات الواقعية الحميمة واكتفينا فقط بالعلاقات الإفتراضية البلهاء.

إن كنت تملك عنواناً بريدياً أرسله لي على وسائل التواصل الإجتماعية خاصتي، وسأقوم باختيار بعض العناوين التي سأتمكن من إرسال خطابات ورقية حقيقية عليها بأظرف وطوابع بريد وكل شيء، بخط اليد الحقيقي وليس مجرد خط كمبيوتر بلا روح.

مع  آخذ وعد من المرسل إليه بالرد عليّ من جديد..هذا كاف لمعرفة أن كنت وإياكم لا نزال نملك قليلاً من الخيال الطفولي الساذج، أم أننا أصبحنا مجرد كائنات متشككة محلقة في فراغ سيبري باهت وبعيد..

ها؟ من سيكون أول المشاركين؟

اقرأ ايضـاً لنـورا ناجى :

من قال أن السعادة لا يمكن شرائها؟

وودى آلان.. كاتب ومخرج سينمائى عبقرى أم مجرد أحمق آخر؟

1

شاركنا رأيك حول "الحياة..عندما كانت بنكهة الخيال"