الإنسان “نصف الآلي” ظاهرة استثنائية في علاج عمى الألوان

الإنسان "نصف الآلي" ظاهرة استثنائية في علاج عمى الألوان 4
0

قد تذهلك فكرة الإنسان نصف الآلي لوهلة من الزمن وتظن أنها تطبيق جديد للتكنولوجيا في جسم الإنسان، إلا أن الأطراف الاصطناعية غنية عن التعريف، كما أن المقاعد المتحركة (التقنية منها)، أو الكلى المنقولة من جسم أحدنا إلى الآخر، وحتى ما يسمى (بطارية القلب)، كلها تطبيقات أخذت دورها الكبير في حياة المرضى، وبالتالي فإن فكرة الآلة أو التكنولوجيا الملتصقة بجسم الإنسان قد نالت شعبيتها منذ فترة ليست بالقصيرة.

مع أنك تعلم كل هذه البديهيات، وتراها أو تسمع بها يومياً، إلا أن ما تم تطبيقه على Neil Harbisson – نيل هاربيسون كان جديداً كلياً، وستشعر أثناء اطلاعك على ما قد غيرت التكنولوجيا من حالته – بتمادي الأجهزة في اتحادها بنا إن صح التعبير.

ولد نيل (32 عاماً) في كاتالونيا، إسبانيا، وتم تشخيص عمى الألوان الكامل لديه في عمر مبكر جداً، أي أنه كان يرى كل شيء حوله بالأبيض والأسود.

Screenshot 2014-09-13 10.10.39_Snapseed

في عام 2004 قرر نيل أن يحاول الخروج من عالمه الباهت إلى جنة الألوان البهية بتطبيق تكنولوجيا حديثة، توفر له طريقة في الإحساس باللون لم تتوفر لأي إنسان من قبله قط!

قام نيل وعالم الكمبيوتر آدم مونتاندون بتصنيع أول تجسيد لما يسمى “العين الآلية”، وهي عبارة عن جهاز كمبيوتر متطور، يزن حوالي خمسة كيلو غرامات تم تخفيضها فيما بعد إلى كيلو غرام واحد، وزوج من السماعات، وتوصل هذه الأجهزة إلى كاميرا متدلية أمام الجبهة، تلتقط الألوان وتترجمها إلى حوالي 360 نوعاً من الأمواج الصوتية التي تنتقل إلى نيل عن طريق السماعات، فيستطيع أن يسمع الألوان عن طريقها!

انتظر لحظة، يسمع الألوان!؟

أجل، دعني أشرح لك:

تعتبر هذه الطريقة تطويراً لآلية بعض الأجهزة المُستخدمة عند ضعيفي السمع، حيث تثبت رقاقة إلكترونية تحت جلد الرأس خلف الأذن تعد بمثابة معالج لذبذبات الصوت الذي يلتقط تلك الذبذبات، ثم ينقلها إلى الجمجمة، ومنها إلى الأذن الداخلية مباشرة، حيث يتم سماع الأصوات بوضوح مع تجاوز المشكلات الموجودة عند من يعاني خللاً في السمع، وهذه الآلية هي طريقة السمع لدى الدلافين، وتدعى السماع بواسطة العظم (Hearing through bone conduction)

هذا في ما يتعلق بسماع الأصوات لا رؤية الألوان، ففي حالة نيل تقوم الكاميرا المثبتة إلى رأسه بالتقاط الألوان، وترجمة موجاتها إلى اهتزازات صوتية تشابه في اهتزازها تواتر أمواج الضوء المرئي، أي تنتقل الأمواج التي يفترض أن تصل إلى العصي والمخاريط في العين، إلى مركز السمع في الدماغ، والذي يفسر الموجة القادمة بإحساس مختلف عن الإحساس الذي تشعره أثناء سماع الأصوات، إنه يسمع الألوان حينها، فلكل لون تواتر لموجته الخاصة يميزه عن الآخر.

neil-harbisson-featured

بعد أن بذل نيل جهداً في البحث، وجد طبيباً أجرى له العملية التي تم من خلالها زرع الرقاقة الإلكترونية (الكمبيوتر المتطور) تحت جلد الرأس في الخلف، وامتد الوقت شهوراً حتى اتحد عظم الجمجمة بتلك الرقاقة.

لقد تطلب الأمر حوالي خمسة أسابيع للتخلص من الصداع الناجم عن التقاط أمواج الألوان الجديدة، وحوالي خمسة أشهر لتمييز كل لون بتواتره المستقل الذي أصبح يسمعه كصوت.

وفي السنوات التي تلت ذلك انتقل نيل من حالة عمى الألوان الكامل، إلى القدرة على تمييز ألوان كالأحمر، الأخضر، الأزرق، وحتى الأشعة تحت الحمراء، والأشعة فوق البنفسجية التي لا يستطيع البشر العاديون إدراكها.

كان الذهاب إلى مكان مليء بالألوان كحضور حفلة موسيقية صاخبة، كما أصبحت الألوان التي يلبسها تعكس حالته النفسية، فمثلاً يلبس الألوان ذات التواترات الموازية للوردي، الأصفر، والأزرق عند حزنه، كما صار النظر إلى مجموعة متلاحقة من الألوان يمثل أغنية جميلة له، وكان لكل وجه يراه من الناس تواتره الخاص الذي يحفظه.

تغير مفهوم الأعراق لديه فأصبح يرى ذوي البشرة السوداء بلون برتقالي غامق، وذوي البشرة البيضاء بلون برتقالي فاتح جداً.

إلا أن نيل لا يشعر بأي شيء غير طبيعي، وكأن الآلة أصبحت جزءاً منه حيث قال:

“أشعر وكأنني أتلمس امتداداً لجسدي، فهو يبدو كجزء من جسدي الجديد، مثل أنف أو إصبع”

SWNS_CYBORG_ANTENNA_03.jpg

تحاول بعض الحكومات والمنظمات منع هذه الظاهرة، إلا أن نيل أصبح أول إنسان “نصف آلي” يظهر قانونياً في انكلترا، حتى أن صورة جهازه تظهر في جواز سفره، وهو يستغرب رفض الكثيرين لما قام به، إلا أنه يعتقد أن الفكرة ستكون قريباً مقبولة لديهم، فهي مسألة وقت فقط.

وقد أنشأ نيل بمساعدة صديقه (Moon Ribas) ما يسمى “Cyborg foundation” والتي تساعد المرضى فاقدي إحدى الحواس في تجاوز عاهتهم، ومن الطرق التي اتخذتها المنظمة لتشعرك بإحساس الإنسان نصف الآلي، هي تطبيقٌ على أجهزة الخليوي يترجم الألوان إلى اهتزازات صوتية كالتي يسمعها نيل.

والآن ما رأيك؟ يبدو أن التكنولوجيا قد تجاوزت حقاً حدود المعقول!

فمن كان يتصور في يوم من الأيام أن “سماع الألوان” أمر ممكن؟! إنها بالفعل ظاهرة استثنائية إبداعية في العلاج، والأروع من ذلك أن صاحب العلة ذاتها كان من خرج بالفكرة إلى النور، وأنشأ المنظمة التي ترعى أشباهه من الناس، فبالنسبة لي كانت هذه القصة مؤكداً قوياً على أن “الحاجة أم الاختراع”، وأنه لا مستحيل مع وجود الإصرار.

أتمنى أن تستمر هذه النتائج المحمودة للتكنولوجيا في تحسين هذا العالم، وإبرازه في صورة أجمل وأرقى.

شاهد هذا الفيديو الذي يورد لك قصة نيل التي شرحتها، أتمنى لك مشاهدة سعيدة.

المصادر: 1 2

0

شاركنا رأيك حول "الإنسان “نصف الآلي” ظاهرة استثنائية في علاج عمى الألوان"