أعداؤنا المجهريون الذين عملنا على تقويتهم دون أن نشعر!

0

قد يستيقظ أحدنا صباحاً وهو يشعر ببداية انفلوانزا خفيفة تكاد أن تتطور وتأخذ شكلها الأقوى لتُوقِعَه طريح الفراش عدة أيام، فبعد أن تزداد الأعراض قليلاً، ومع ظهور ما يؤكد المرض كالسعال أو العطاس، مروراً بارتفاع طفيف في درجة الحرارة، نصبح على يقين عندها أن زيارة الطبيب أصبحت ضرورية،

إلا أننا نعود بذاكرتنا للمرة السابقة التي عانينا فيها المرض، فنستبسط الأمر، بالتأكيد سيصف لنا الطبيب “المضاد الحيوي” المعتاد، وبه سنشفى كما شفينا من قبل، فنتخاذل عن الذهاب إلى الطبيب، وننصب أنفسنا في منصبه، ونتناول الدواء الذي نعتقد وجوب شفائنا به، في حين لا نعلم أن ما قمنا به كان سبباً في المساعدة بشن هجوم خفي على أنفسنا، وعلى المحيط البشري من حولنا، فلربما تناولنا المضاد الخاطئ، أو شخصنا أنفسنا بمرض معين، في حين كانت الحقيقة مخالفة لما توقعنا.

أجل، لقد كان تهاوننا في استشارة الطبيب، وتناول المضادات الحيوية ببساطة كما نتناول الحلويات دون إرشاد من المختصين، سبباً في تقوية الجراثيم التي تهاجمنا، وإكسابها مناعة ضد تلك المضادات، أي أن الجراثيم نفسها قد كونت ضداً للمضاد، وهو يبدو أمراً عجيباً، إلا أنه أصبح واسع الانتشار تحت مسمى (Antibiotic Resistance)، أي مقاومة المضادات الحيوية.

تكمن المشكلة الحقيقية في تشخيص الناس لأنفسهم بمرض مختلف، أو استخدام وصفة طبية سابقة في علاج مرض مشابه، أو معالجة الأمراض الفيروسية كنزلات البرد، الغريب، التهاب القصبات الهوائية، وبعض أنواع التهابات الحلق، عن طريق المضادات الحيوية التي تستخدم لمعالجة أمراض جرثومية ذات أعراض مشابهة، ومن المعلوم أن المضادات الحيوية لا تنفع في علاج الأمراض الفيروسية.

في كل مرة نتناول فيها المضادات الحيوية، تُقتل البكتريا الحساسة لها، وتبقى البكتريا المقاوِمة لتنمو وتتكاثر.

resistance-clipart-screenshot1

ولكن كيف تقوم الجراثيم بهذه الممانعة؟

يمكنها أن تقوم بذلك من خلال آليات عديدة، فبعضها قد طور القدرة على تفادي المضاد الحيوي قبل أن يُحدِث أي أثر، وبعضها يستطيع إبعاد المضاد عنه، كما أن بعضاً منها يغير الموقع الذي يهاجمه المضاد الحيوي فيه، فتحتفظ بالقدرة على إحداث الأذى.

قد يقوم المضاد الحيوي أحياناً بقتل البكتريا مع إغفال أحدها، مما يمكنه من الانقسام وتعويض النقص، أي أن العلاج بشكل خاطئ بهذه المضادات قد يسبب ترك أحد الجراثيم حية، والتي ستصبح غالباً مقاومة للأدوية.

وقد تحصل بكتيريا عادية على قطعة من المادة الوراثية لبكتيريا مقاومة مما يسبب حدوث طفرة فيها، وتتحول إلى نوع جديد مقاوِم، حيث يتجمع الـ DNA المسبب للمقاومة في حزم وراثية سهلة الانتقال، وقد تنتقل معلومات وراثية كثيرة إلى صنف معين من الجراثيم، مما يجعله مقاوماً للمضادات بشكل كبير جداً.

قد لا تكترث بالموضوع، ولا تظنه بهذه الأهمية، إلا أنه أصبح واحداً من أكثر مشاكل الصحة العامة انتشاراً، فقد أصبحت أغلب أنواع الجراثيم أقل استجابة لفعل المضادات عند الحاجة إلى العلاج الفعلي، وهذه الأنواع المطورة من الجراثيم يمكنها أن تنتقل بسهولة إلى زملائك في المدرسة أو أفراد عائلتك مهددة المجتمع بسلالات صعبة المعالجة إن لم تكن عصيّة عليها، فضلاً عن النفقات المالية المتزايدة التي يتطلبها العلاج، بعد أن كان المضاد الحيوي متناولاً لدى الجميع بثمن يسير.

bacteria-generic-110121-02

إرشادات مهمة

بعد أن أدركت فكرتي لا بد أن يخطر في بالك السؤال عن واجبك أو الخطوة التي يمكن أن تتخذها باتجاه استعمال أفضل للمضادات الحيوية، والجواب بسيط في الحقيقة، ما عليك إلا أن تتبع هذه الإرشادات:

1. اسأل طبيبك إذا كان المضاد الحيوي مفيداً في حالتك، واستفسر عن بدائل في حال كانت أعراض المرض مُشككة.

2. لا تأخذ مضاداً حيوياً للأمراض الفيروسية كنزلات البرد أو الرشح (الغريب)، لأنه لا ينفع في العلاج، فضلاً عن دور هذه الممارسة في تطوير مقاومة الجراثيم.

3. لا تحتفظ بما تبقى من المضاد الحيوي لتستخدمه في مرة لاحقة تصاب فيها بالمرض، بل تخلص منه بعد شفائك.

4. استعمل المضاد الحيوي تماماً كما يرشدك الطبيب، لا تتخطى المواعيد المحددة لكل جرعة، لا تتوقف عن استعمال المضاد حتى لو شعرت بالشفاء، لأنك إذا توقفت في فترة العلاج سيساعد ذلك البكتريا على مواصلة حياتها، وبالتالي ستصبح مقاوِمة.

5. لا تتناول مضاداً حيوياً وُصف لغيرك، لأنه لن ينفع في العلاج غالباً، وسيسمح للبكتريا بالانقسام.

6. ليس من الضروري أن تستعمل منتجات التنظيف التي تحتوي على المضادات الحيوية، فهي لم تُظهر أثراً أفضل مما سواها.

أرجو أن يكون مقالي سبباً في وعي القراء الأعزاء لأهمية هذه القضية، وأن يأخذ كل منا دوره في الحد من هذا الأثر السلبي للمضادات، فهي مسؤولية الجميع.

المصدر

اقرأ ايضــاً :

الماريوانا … هل يمكن استخدامها بشكل طبي؟

0

شاركنا رأيك حول "أعداؤنا المجهريون الذين عملنا على تقويتهم دون أن نشعر!"

  1. Omar Chajia

    لا اقرأ عادة المقالات الطبية ، لاكن تناولي لبعض المضادات الحيوية بسبب انتفاخ في الضرس قد جعلني اقرأ مقالك ، شكرا لك اساوبك جيد جدا !

  2. عمر السكيتي

    مقاومة ضد عقاقير متعددة ، Multiple drug resistance (MDR) ، اصبح مرض شائع الان

    وفيه أن الميكروبات لا تستجيب للمضادات الحيوية .

    اشكرك على هذا الطرح

  3. Mohammed Alozaibi

    كنت استخدم المضاض الحيوي بكثرة لاكن تعلمت الدرس، شكراً لك

  4. Dorian Gray

    كلامك جميل وعلمى ومنطقى بس مينفعش فى ظل الاوضاع المالية المتردية ان كل ما اعطس اروح للدكتور انا بعانى الغالب من short on cash

أضف تعليقًا