تذكر .. كلنا لا ننام!

تذكر .. كلنا لا ننام! 3
3

طوال عمري منذ أن بدأت أدرك ماهية الأشياء من حولي، وأنا اتعجب من أدوار الشر في السينما والتليفزيون.. أفكر جدياً في حياة هذا الرجل أو هذه السيدة، كيف طاوعه قلبه على أداء هذا الفعل؟ كيف طاوعها قلبها على قتل هذا الصغير؟ على خيانة زوجها؟ على عمل المكائد في صديقاتها، على المساعدة في رفد زميله الموظف؟ على ترك هذا البطل يتعرض لكل هذه المعاناة بسعادة وفرحة شديدتين؟

كيف يكون الشر صافيا لهذه الدرجة دون وجود جانب من الخير الفطري في الإنسان؟ وكيف يكون الخير مطلقاً حتى يصل لدرجة السذاجة؟ هل هو مرض ما يحجر قلب هذا ويرقق قلب ذاك؟

زوجة أب سنووايت تفكر في قتلها لأنها أجمل منها! سندريلا تستعبد بسبب أنها جميلة، معظم مشكلات بطلات القصص الخيالية تأتي من وراء النفسنة النسوية.

في حين تأتي مشاكل الأفلام العربية غالبا من شخص يكره نجاح زميله، أو يطمع في حبيبته أو تطمع في زوجها. أما الأفلام الأجنبية. فكانت أكثر تعقيداً، فأظهرت الشخص الشرير غالبا مريض سادي، مختل، سفاح أو متعصب أو على أقصى تقدير إرهابي روسي قبل أن يظهر الإرهابيون العرب إلى الساحة..

خدعتني أيضاً الكتب المثالية التي قرأتها في صغري، الجميع يعرف المثال الأول لشخصية ميكي ماوس المثالية التي لا تخطيء والتي لا يتقبلها الجميع مثلما يتقبل بطوط العصبي الأقرب للإنسان، يتطور الأمر إلى فايزة في رواية الطريق المسدود لإحسان عبد القدوس، المثالية لدرجة المرض، التي يحيطها سوء حظ غير معقول بمزيج بشع من الشخصيات الغير سوية، لتفكر في النهاية بالانضمام إليهم لكنها تفشل حتى في ذلك.

هناك جملة أيقونية للفنانة فاتن حمامة في لقاء ما، سألتها فيه المذيعة عن إمكانية قيامها بأدوار الشر في المستقبل، وكان رد فاتن أنها لا تمانع طالما كان هناك مبرر لشر الشخصية في القصة، لأنها لا تستطيع الاقتناع بأدوار الشر الخالص لوجه الله، وتعتقد أن هناك مدخل ما لهذه الشخصيات الغير سوية، سبب أو آخر يدفعهم لاتخاذ طريق الأذى يجب إظهاره، وقد كان..

 بعد هذا اللقاء بسنوات قليلة، قامت فاتن حمامة بأداء دورها الأيقوني في فيلم لا أنام، الفتاة المريضة التي تعاني من رغبتها الشديدة في إيذاء الآخرين بلا سبب سوى عدم القدرة على التحكم في مشاعرها السلبية، الأمرالذي يجعلها تعاني من حالة مزمنة من الأرق بدافع الذنب، حتى تنال عقابها الذي يطهرها بالنيران في نهاية القصة التي كتبها إحسان عبد القدوس أيضاً.

 SLP01

اليوم، ومع التغير التام في خريطة العالم بعد الثورات العربية، الاحتجاجات العالمية، وبالذات بعد أحداث 11 سبتمبر التي كانت فاصلة في التحول المجتمعي التام لمعظم الدول، بدءاً من التعامل الشخصي اليومي والاتجاه إلى حملات نبذ العنصرية والاضطهاد، إلى الفنون والآداب وسائر النشاطات المختلفة.

يميل الجميع إلى إظهار الجانبين المختلفين للأشخاص، تميل النهايات إلى الصدمة في معرفة أن من تحسبه شرير حقاً..هو في حقيقة الأمر شخص يعاني من مآساة عظيمة، وأن من اعتقدت دائماً أنه البطل، هو في الغالب شخص غير سوي. أو على أقل تقدير يملك جانباً مظلماً يجيد إخفاؤه بنجاح.

أما في عالمنا الافتراضي الأقرب للواقعية الآن، تحديداً لممارسات الأشخاص على الشبكات الاجتماعية الشبيهة ببرامج الواقع التي تسمح لك بمراقبة الجميع 24 ساعة، معرفة نشاطاتهم، حالتهم العاطفية والاجتماعية، مشاكلهم الأسرية والعملية والمرضية أيضاً.

fbimage

ينكشف القناع كل يوم عن وجوه مظلمة كثيرة لأشخاص اعتقدت أنك تعرفهم حقاً فأدركت أنهم يختلفون تماماً بعيداً عن الكاميرات الوهمية المصوبة عليهم في تعاملهم الواقعي، قد يستطيع الشخص التمثيل والادعاء في حياته، لكنه على الشبكات الاجتماعية، ينكشف، وتظهر ميوله الحقيقية، غيرته الحادة، ادعائه العدل والبطولة، رغم أنه يعمل جاهداً على خدمة مصالحه فقط أولاً وأخيراً.

في حين أن الجميع يتسابق للظهور بمظهر صاحب الحياة المثالية حتى ولم لم تكن كذلك، يتفنن البعض في إيذاء الآخرين بتعليق سلبي، يستهزيء فيه من شيء ما ذو قيمة عندهم، رأي ما، عمل ما، يشعربالسعادة وينام مليء جفنيه إن استطاع مضايقة شخص بكلمة ساخرة، أو رد مفحم أو إحراجه علناً، وإظهاره بمظهر الغبي الذي لا يفقه شيء.

لدى البعض هواية متخصصة في إلقاء الكلمات السامة دون ذكر أسماء، تنقصهم الشجاعة للمواجهة فيرمون سهاماً على هيئة كلمات، يعرفون تمام المعرفة أن الكلمات تقتل، وربما تكون سبباً في عرض جسدي سلبي لدى الآخر.

البعض  يتفنن في مراقبة الآخرين من أجل السخرية من نجاحهم، يتفنن في تجاهل حدث سعيد لدى صديقه فقط من أجل إشعاره بعدم أهمية الأمر، في حين يطالب هو في نفس الوقت بالاهتمام والتملق.

يهرع إلى مساندة أي رأي يخالف رأي الشخص المراد إيذائه ليشعره بالتعاسة، ربما التساؤل عن مدى إيمانه بقضية ما، أو عن درجة تدني ذوقه الشخصي لهذه الدرجة التي تشجع الآخرين على انتقاده دائماً.

ربما بعدها يشعر بتأنيب الضمير والذنب، ربما يندم على ما قاله، ربما حتى لا ينام..لا هو ولا الشخص الذي كان سببا في ذلك..

هذا المقال هو فعل تطهير لي قبل أي شخص آخر، أريد أن أنظر داخل نفسي أولاً قبل أي شخص يقرأ هذه الكلمات الآن، أريد الاعتراف بكم الأفعال السخيفة، الصبيانية وغير المسئولة التي أفعلها لا إراديا كل يوم، والتي تتسبب في حزن الآخرين، أو إشعارهم بعدم الاهتمام، أو بتجاهل تشجعيهم على نجاحهم أو السخرية من شيء يحبونه فعلاً. دون سبب مقنع سوى للشعور بالرضا عن النفس، شعور ضئيل زائل لا يساوي كل هذه المشاعر السلبية.

 انتقاد أفعال الأشخاص وتعيين نفسي الحَكَم عليهم وكأنني إله مبرأ من الأخطاء أو رسول يقترب من الكمال، الاعتراف بجانبي غير السوي الذي أعمل جاهدة على إخفاؤه لكنه عادة ما يغافلني ويظهر، التماس العذر للكثيرين من حولي، في كونهم أشخاص عاديون، غير مثاليين، ودعوة الجميع إلى التوقف عن إدعاء المثالية التامة المستفزة في كثير من الأحيان، والظهور بشخصياتهم الحقيقية، دعوة الجزء الآخر للتوقف عن الإيذاء الغير مبرر بالكلمات والأفعال.

ليس هناك شر مطلق، ولا خير مثالي، البشر خطائون ولا يصح أن يلقي الشخص الآخرين بالحجارة، طالما يملك هو بيتاً من زجاج شفاف يفضح داخله. هذه دعوة للتفكير قبل السماح لنفسك الأمارة بالسوء من الإيذاء، سواء بفعل الغيرة، الاحساس بالتفوق، أو حتى الكره لسبب أو لآخر.

يمكننا ترويض أنفسنا على قمع جانبنا المظلم. وتقليل المثالية الزائدة بقدر قليل من ضبط النفس. أو حتى بترك الآخر وشأنه دون تعيين أنفسنا حكاماً على تصرفاته اليومية.

الانتقاد المستمر يقتل، ويُمرض وقد يكون سبباً غير مباشر لاكتئاب الاشخاص حتى لو كان انتقاداً تافهاً على الشبكات الاجتماعية، فكر في كلماتك أولاً قبل أن توجهها للآخرين، وليكن في قلبك بعض من الرحمة التي تجعلك قادراً على كظم انفعالاتك، وترك نفسك لممارسة الحكم على الناس دون وجه حق.

هذه دعوة إلى اتخاذ قرار ثوري في الالتزام التام طيلة أسبوع كامل سأقوم شخصياً بتنفيذه، بتحاشي الخلافات على الشبكات الاجتماعية وفي الواقع، بإمساك لساننا وأصابعنا على كتابة رد مفحم يتسبب بالضيق أو الحزن للآخرين، عن كتابة تعليق سلبي على صفحة ما، عن السب والقذف والتهويل والمبالغة والادعاء والكذب.

عن مشاعر الحقد بكل وضوح، عن الغيرة، السلبية وعن الرغبة في التقليل من شأن الآخرين. والاتجاه إلى كتابة الكلمات الإيجابية فقط، الابتعاد عن الآراء المخالفة وترك صاحبها وشأنه وحريته، التوقف عن سب الفنانين والسياسين وأمل علم الدين وكل المختلفين معهم في الرأي. صدقوني سيكون العالم مكاناً أفضل ولو لأسبوع واحد فقط.

اقرأ ايضــاً لنورا ناجى :

تربية هنا.. وتربية هناك!

الحياة..عندما كانت بنكهة الخيال

وودي آلان.. كاتب ومخرج سينمائى عبقري أم مجرد أحمق آخر؟

3

شاركنا رأيك حول "تذكر .. كلنا لا ننام!"