النموذج الإسكندنافي.. هل هو الوصفة السحرية لمشاكلنا؟

النموذج الإسكندنافي.. هل هو الوصفة السحرية لمشاكلنا؟ 6
1

منذ عدة عقود بدأنا نسمع بأرقام وإحصائيات في الاقتصاد العالمي لم نكن نسمع بها من قبل، إلا أن هذا التنافس الهائل والتقدم العلمي الكبير الذي أدى إلى ظهور عمالقة في عالم المال رافق ذلك مشاكل اقتصادية كبيرة بدأت تشكل هاجساً يقض مضاجع حكومات العديد من الدول الكبرى.

وفي حين أصبح من الاعتيادي بالنسبة إليك أن تسمع خبراً عن صفقة شراء إحدى تطبيقات الجوال أو المواقع بأرقام تتجاوز الناتج المحلي لدول بأكملها، بينما عشرات الملايين يقبعون تحت خط الفقر، كان لابد لأحد أن يبحث عن حل لهذه المعضلة.

السويد، النرويج، فنلندا والدانمارك (تعرف معاً بالدول الإسكندنافية) لطالما شكلت معاً مزيجاً مميزاً بين مستوى الحياة العالي وتباين منخفض في الدخل مما جذب نظر العالم إلى هذا النموذج الاقتصادي، خاصةً في زمن تتسع فيه الفجوة بين الأغنياء والفقراء باطراد في الدول المتقدمة.

هذه المنطقة من الجغرافيا يعدها الكثير من الباحثين نموذجاً يحتذى به في توافر الفرص الاقتصادية والمساواة.

النموذج الإسكندنافي..  ما هو؟

1

ابتكر مصطلح النموذج الإسكندنافي ليعبر عن المزيج الفريد بين اقتصاد السوق الحرة والمصلحة الاجتماعية والذي أفسح المجال ليتمتع المجتمع بخدمات من الدرجة الأولى، إضافة إلى التعليم المجاني والعناية الصحية المجانية وتعويضات تقاعد سخية.

هذه الخدمات الاجتماعية تمولها أموال دافعي الضرائب وتديرها الحكومة لمصلحة السكان جميعاً، السكان في هذه الدول واثقون جداً من حكوماتهم ولديهم تاريخ طويل من التعاون والعمل المشترك لتسوية وعلاج التحديات الاجتماعية من خلال عملية ديموقراطية.

صناع القرار هناك اعتمدوا نظاماً اقتصادياً هجيناً بحيث يخفض الفجوة بين الأغنياء والفقراء عبر نظام ضريبي يعيد توزيع الثروة إضافة إلى قطاع عام ضخم، كل هذا مع الحفاظ على حقوق وفوائد الرأسمالية.

يدعم هذا النظام اقتصاد رأسمالي يشجع التدمير البناء (هو مصطلح يعبر عن التغيرات الصناعية التي تطيح باستمرار بالبنية الاقتصادية القائمة من الداخل، مزيحةً الهيكل القديم، خالقة هيكلاً جديداً). فتسمح القوانين للشركات أن تطرد عمالها وتتحول للنموذج التجاري الذي ترغب به، إلا أن العمال يتمتعون بتأمينات اجتماعية سخية.

البنية الضريبية في الدولة تعتمد بشكل أساسي على الفرد بدلاً عن دخل الأسرة، مترافقاً مع ضريبة ثابتة. والنتيجة، نظام ضريبي يعامل المواطنين بشكل عادل ومتساوٍ ويحفز القوى العاملة.

المساواة بين الجنسين هي صفة مميزة في الثقافة الإسكندنافية والتي لا تؤدي فحسب إلى مشاركة عالية للنساء في سوق العمل، إنما تنتج أيضاً اندماجاً أكبر للرجال في الأسرة.

التاريخ يساعدهم

ما الذي يجعل هذا النموذج فاعلاً؟ مزيج من التاريخ والتطور الاجتماعي المشترك هو العامل الأقوى في هذا النجاح. فعلى عكس المناطق التي تطورت عبر المزارع المشتركة الضخمة، التاريخ الإسكندنافي بشكل كبير قائم على الزراعة التي تقودها الأسرة. والنتيجة كانت أمة بمشاريع صغيرة كثيرة يقودها مواطنون يواجهون نفس التحديات.

وبالتالي الحلول التي تفيد أحد أعضاء المجتمع ستقدم الفائدة للجميع حكماً. هذه العقلية الجماعية أسست فيما بعد لأن يثق المواطنون بحكومتهم لأنها ببساطة تدار من قبل مواطنين يسعون خلف حلول لمصلحة الجميع.

لذلك، يختار المواطنون بشكل طوعي دفع ضرائب أعلى كمقابل للمنافع التي سيتمتعون بها هم وعائلاتهم، أدى هذا بطبيعة الحال إلى خدمات ممولة من العوام، كالعناية الصحية والتعليم والتي تكون بمستوى عالٍ لدرجة أن المشاريع الخاصة لن تجد سبباً واحداً لتقديم مثل هذه الخدمات أو حتى المساهمة في تطوريها.

هذا التوجه أو الطريقة في التفكير بقي سليماً رغم تطور المشاريع الرأسمالية في البلاد.

التحديات

2

النموذج الإسكندنافي يواجه تحديات حقيقية للبقاء، أهم اثنين بين هذه التحديات هي شيخوخة السكان، وتدفق المهاجرين.

بخصوص شيخوخة السكان، وجود قاعدة عريضة من دافعي الضرائب الصغار في السن وعدد أقل من السكان المتقدمين في السن الذين يتلقفون الخدمات هو السيناريو الأمثل، إلا أنه حالما انزلقت المعادلة بالاتجاه الآخر، سوف تختزل المنافع الاجتماعية كنتيجة حتمية.

ولحسن حظ السكان، فقد اختارت أمم الدول الإسكندنافية طريقتها في تحقيق مساواة أكبر لكل السكان وأبدت القدرة على العمل رغم الصعوبات لتحقيق المصلحة للجميع.

أما بخصوص الهجرة، فقد اجتذبت الدول الإسكندنافية الكثير من المهاجرين الباحثين عن التمتع بالخدمات العامة المميزة هناك. وهم في الغالب قادمون من دول لا تملك تاريخاً طويلاً من اتخاذ القرارات الهادفة للمصلحة الجماعية.

بينما المواطنون المحليون الإسكندنافيون يميلون للمشاركة الكبيرة في القوة العاملة كجزء من القرار الجماعي لدعم جودة الخدمات الاجتماعية، فالمهاجرون لا يمتلكون غالباً نفس هذه الرؤية.

فيشكل هؤلاء القادمون الجدد حملاً ثقيلاً على النظام الاقتصادي والاجتماعي السائد ويمكن في النهاية أن يسببوا احتضاره.

أما التحديات الأخرى فتشمل انتهاز البعض للفوائد العامة لمصالحهم الخاصة والتأثر بالظروف السيئة التي يمر بها الاقتصاد العالمي. إلا أنه مجدداً مكنت ثقافة المشاركة والأهداف الاجتماعية المشتركة هذه الدول من التأقلم وتعديل البرامج المتبعة وبالتالي الاستمرار في تقديم طيف واسع من الخدمات حتى عقب الكساد العظيم.

هل يصلح هذا النموذج لبقية الدول؟

3

اجتذب بالطبع هذا النموذج العديد من الدول، والعديد يتساءل هل يصلح هذا النموذج في الدول الأصغر حيث يكون السكان متجانسون من ناحية المعتقدات والمعاناة الاجتماعية والذين يعانون حلى حد سواء من الفقر أو الظلم كنتيجة للسياسات الماركسية؟ أم أن هذا النموذج يصلح لإعادة هيكلة الرأسمالية المطلقة والتي خلقت عدم مساواة اجتماعية واضحة وفروق هائلة في مستوى المعيشة بين الأغنياء والفقراء في الدول الرأسمالية المزدهرة؟

وفي منتصف المسافة بين الأنظمة الاقتصادية الماركسية والأنظمة الرأسمالية المطلقة، غالباً ما يشار للنموذج الإسكندنافي بـالطريق الثالث.

السياسة والجدل

4

بالفعل أحدث النموذج الإسكندنافي جدلاً كبيراً خارج حدود إسكندنافيا، فالعديد من الناس في الدول المدارة بما يعرف “النموذج الأميركي” من المشاريع الرأسمالية يرون أن النموذج الإسكندنافي يشكل بديلاً موضوعياً لشعار (الفائز يأخذ كل شيء) الذي يسم الرأسمالية هناك والذي أنتج الفقر.

عجز في خلق نظام تعليمي وصحي ميسور التكلفة، تقهقر التأمينات الاجتماعية، عجز في تأمينات التقاعد، فضائح كبيرة في أسواق المال وتباين عظيم في الدخل.

الخلاصة

5

عدم رغبة الحكومات الشمولية بإحداث تغييرات جعلت تلك النقاشات الفلسفية حول تطبيق النموذج الإسكندنافي ستبقى للأبد نقاشات فقط. أما عدم قدرة الأمم المتقدمة أن تتجاوز الطروحات السياسية المترافقة مع العجز في خلق ثقافة مشتركة بسبب الخليط السكاني من الأعراق والإثنيات المختلفة سوف يسبب كذلك عائقاً أمام تطبيق هذا النموذج الناجح في البلاد.

في الختام، ليس من الغريب إطلاقاً أن نجد المواطنين في الدول الإسكندنافية الأسعد في العالم.

ولكن يمكن لنا أن نطرح السؤال عليكم.. هل يمكن من وجهة نظركم أن نطبق النموذج الإسكندنافي في البلاد العربية؟ أم هل يمكن أساساً تأمين القاعدة الأساسية له وهي رؤية مشتركة تجمع بين المواطنين في خضم الخصامات القائمة بهدف المصلحة الجماعية؟

المصدر

اقرأ ايضــاً لسليمان العبد الله :

أعظم 10 إمبراطوريات في التاريخ

حضارات اختفت في ظروف غامضة !

8 حقائق لم تعرفها عن الصين!

1

شاركنا رأيك حول "النموذج الإسكندنافي.. هل هو الوصفة السحرية لمشاكلنا؟"