الجحيم هو نحن..!
4

يقال أن الجحيم هم الآخرون.. هذه الجملة الأيقونية التي يستخدمها الجميع بمعناها المعروف الذي لا يحتاج شرحاً مطولاً، وهي في الحقيقة جملة صادقة تماماً.. ولمزيد من الصدق يمكننا أن نقول الجحيم هو نحن..

الناس أو المجتمع كما يقال خلقوا ليكونوا العائق رقم 1 في الحياة لبعضهم البعض، فكر في كم الأحلام التي حلمتها وتحطمت بسبب المجتمع، أو حطمتها أنت للآخرين بقصد أو بدون، أعتقد أننا جميعاً نحمل في يدينا ذنب شخص ما بسبب تصرفات حمقاء مارسناها لا إراديا في فترة من حياتنا، لتفسير ذلك سأمنحك مثالاً بسيطاً..

الرياضة ليست للجميع!

أعيش في بلدة شبه هادئة بدلتا مصر..أشهد بأنها تحوي برأيي الشباب الأكثر همة وحلماً ونشاطاً فيما يتعلق بالأمور الثقافية والفنية بالذات، تفتق ذهن عدد منهم على عمل حدث أسبوعي صباحي من أجل رياضة الجري، مجموعة من الفتيات والشباب يمارسون حقهم الطبيعي في الرياضة الجميلة التي شرعها الله نفسه..سار الأمر عدة مرات بشكل نصف طبيعي، حتى بدأ المجتمع يحكم قبضته على الأمر..

تحرش لفظي بالفتيات..سخرية وإهانة..عمد بعض الأشخاص على الإنضام خصيصاً من أجل السخرية بشكل أقرب وتثبيط همة المشتركين حتى أصبح الأمر تاريخاً وذكرى. توقفت الفتيات في البداية من المشاركة ثم انتهى الأمر كله.

الحقيقة أن الأمر يندرج تحت بند الأخلاقيات المعدومة، الأمر الذي يمكن ملاحظته في أبسط الأشياء حتى لو كانت ببساطة الاسترخاء قليلاً في وسيلة مواصلات مثل القطار.

من حقك أن تسمع ماتريد .. ومن حقي ألا أسمع ماتريد!

رواد القطار لم يسمعوا من قبل باختراع يدعى “سماعة الأذن” هذا الاختراع المذهل يعتمد على وضع سلك رفيع في مكان مخصص بالهاتف ووضع طرفيه في الأذنين، بهذه الطريقة السحرية يمكنك سماع الموسيقى التي تحبها بدون إزعاج الآخرين من حولك، مبهر أليس كذلك؟ أرفقت لك صورة نادرة لسماعة الأذن حتى لا يتبقى لك أي حجة..

 صدقني الفتيات في المقاعد المجاورة لن ينبهروا بثقافتك الموسيقية العالية حتى لو كنت تسمع بيتهوفن، ولن تسبب لأي شخص أي تأثير سوى الإنزعاج والضيق. لن يتمتم أحدهم بكم أنت مثقف لأنك تسمع بيتهوفن..ولن تساعد على تحسين ثقافة المجتمع الموسيقية..ستساعد حتماً في تحسين حصيلته من الألفاظ البذيئة التي ستنصب على رأسك ورأس بيتهوفن في سره.

أنا اتحدث عن بيتهوفن لأن الحديث عن هؤلاء الذين يسمعون أغاني المهرجانات بشكل علني شيئاً لن تتحمله أعصابي..

لأكون واضحة لا يحق لي الحكم على ما تسمعه فهذا ذوقك الشخصي..لكني يحق لي بكل تأكيد أن أطالبك بحقي أنا في عدم الاستماع خاصة في وسائل المواصلات العامة..التي ستجمعني بشخصك فترة طويلة أضطر فيها لسماع موسيقاك التي تحبها.

أما عن رنين الهاتف فلا يمكن علاجه، ثقافة ضبط الجهاز على وضع الصامت لن تحدث أبداً لا في المواصلات ولا حتى في المستشفيات أو السينمات ولا المكتبات أيضاً لذا لن أضيع وقتاً أطول فيها. لأنها ستضرني للحديث أيضاً عن الأشخاص الذين يصحبون الأطفال لدور السينما حتى لو كان الفيلم للكبار فقط لأنه يحتوي على مشاهد رعب أو جنس أو عنف..لأقضي ساعتين من سماع الصريخ والبكاء وأسئلة بريئة من طفل لأمه تجعل أذني أنا شخصيا تحمران خجلاً.

النصيحة في الوقت المناسب

أجمل ما في الأصدقاء أنهم ينصحون بعضهم البعض دائماً، لكن لماذا ينتظروا دائماً للحظة الأخيرة؟ ترتدي الفتاة أفضل ما عندها وتعيد ربط الحجاب مرة واثنتين وثلاثة مع إضافة اللمسات الأخيرة على مكياجها وبجانبها تجلس صديقتها تراقبها حتى تنتهي تماماً، تغادران المنزل فتقول لها الصديقة بلهجة ناصحة..الملابس سيئة جداً والحجاب معقود بطريقة غير مناسبة أما المكياج فيجعلك تبدين كمهرجات السيرك الشعبي..

لماذا لن تقولي رأيك من البداية عندما كان هناك الإمكانية لإصلاحه أو حتى التأكد مرة أخرى من اقتناع الفتاة به؟ لماذا ستضطر الآن هذه المسكينة للذهاب إلى مقابلة العمل أو لقاء هام وهى لا تشعر بأنها جميلة؟ اختفت ثقتها بنفسها في لحظة وبالتأكيد لن تعطي الإنطباع المطلوب حتى لو كانت الأجمل والأذكى والأكثر أناقة.

أمامك خيارين إما ان تصمتي تماما، أو تنتظري اللحظة المناسبة التي يتوفر فيها مكان ما يمكن إصلاح الأمر فيه. بالطبع إن كنتي تعتقدين حقاً إن صديقتك تبدو كالكارثة ولا تختلقين الأمر في مجمله.

الأمر شخصي.. ما بالك انت؟

إذا تحدثنا عن الحجاب فالأمر سيجلب الوبال على رأسي حتماً، أعرف فتيات يضطررن لارتداء الحجاب أمام بعض الأشخاص في حياتهم اتقاءاً للسانهم حتى لو لم يكن محجبات من الأصل. يهتم الجميع بعلاقة الآخرين مع الله بالرغم من أنهم لو وضعوا ذات المجهود في تحسين علاقتهم الشخصية معه سبحانه لضمنوا الجنة أكثر.

إجبار الفتيات على الحجاب ليس بطولة ولا رجولة ولا هو تربية حتى، الأمر شخصي جداً والله يقول موجهاً كلامه للمرأة “يدنين عليهن من جلابيبهن”، كما يقول: “يضربن بخمورهن على جيوبهن”..الكلام للنساء.. والأمر موجه للنساء.. هي الفاعلة وليس شخص آخر.. لم يقل واضرب لهن خمورهن.. أو ادن عليهن جلابيبهن.. لم يقل واجبروهن بل قال “ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين”،

فما بال الذين يؤذون السيدات باللفظ والأمر والإجبار والقهر وأحياناً الضرب؟ إذا كان الأمر جاء في الأصل حتى لا تؤذى النساء؟

حجة الجميع هي الكلمة السحرية “الأمر بالمعروف “التي يفهمها الجميع بشكل سطحي. لكنك وإن أمرت بالمعروف، فأنت في الوقت ذاته خالفت باطن الدين وأصله في حسن المعاملة واللين والرفق.

تعامل الله ليس بالتعامل الإنساني أو بالقوانين الإنسانية غير العادلة، العمياء كما يطلق عليها.تعامل الله ليس بالورقة والقلم بل هو بقواعده الإلهية جل شأنه.وهو وحده الذي يملك الحق بالحساب..صدقني موقفك سيكون سيئاً جداً يوم القيامة عندما يسألك الله لماذا لن تتصدق مثلاً فتخبره كنت مشغولا بنصح هذه الفتاة أن تتحجب..

الحديث هنا ليس بغرض فتح جدل حول فرضيه الحجاب من شأنه فأنا مؤمنة به تماماً، ولا حتى هو بالجدل الديني، الحديث هنا عن التدخل في شئون الآخرين، عن حب الحشرية كما يطلق عليها في بعض الدول، عن تعيين الأشخاص لأنفسهم حكاما كاملين لا يخطئون..وعن الذوق المعدوم..والأخلاق المنتهية.

الفيسبوك للمرة الألف

وبذكر الذوق المعدوم لا يوجد مسرح معد لمثل هؤلاء الأشخاص أكثر من مسرح الفيسبوك، يرسل لك أحدهم رسالة على “الإنبوكس” فلا ترد..سيتهمك فورا بالغرور والتجاهل وإدعاء الأهمية..خاصة لو كنت تعمل في شيء ما له علاقة بالأدب أو الفن..

هناك الكثير من الأشياء التي قد تمنع شخصاً طبيعيا لديه حياة وعمل وعائلة وأطفال أن لا يرد على رسائل الإنبوكس..حتى لو ظهرت لك كلمة Seen، الأمر ليس شخصيا ولا هو تجاهل..

عندما يذكر شخص بأنه مريض.. لا داعي لعمل لايك.. عندما يقول شخص ما أنه سعيد..لا داعي للسؤال لماذا؟ الرجل لم يذكر لماذا تريد أن تعرف إذن؟ نفس الشيء على سؤال حامل في ولد أم بنت؟ ماذا ستسميه؟ لماذا لم تنجبي حتى الآن؟ هل أنتي حامل؟

عندما يدلي شخص ما برأي يخالفك..يمكنك مناقشته بشكل واضح..أما عمل لايك للتعليقات المخالفة دون أن تظهر أنت فهذا لا يدل على شيء سوى سخافتك..أنت شخص سخيف تتسلى بالمراقبة وعمل اللايك “من بعيد لبعيد” دون أن تظهر..أستطيع تخيلك تقهقه في شماتة وأنت تقرأ الردود المخالفة له والمتفقة معك وتضغط لها لايك دون أن تظهر..لابد أن صاحب الستاتس يشد في شعره كمدا الآن..قل رأيك ليتسنى له حق الرد عليك ومناقشتك ولا داعي لحركات المراهقين الأوغاد..

الحديث يطول عن التدخل والفضول والسخافة وإصدار الأحكام..لكننا نعود لنقول أن الأخلاق معدومة في دول الأخلاق..وأن التربية اقتصرت على تعليم السور القرآنية والأرقام بالإنكليزية ونست المباديء الأساسية في أخلاقيات وإتيكيت المعاملة. وبأنني أشعر بالخجل اليوم وأنا أذكر أشياءاً بديهية كنت أعتقد بأن الجميع يعرفها..وبأنني أيضاً وللأسف..لست أفضل حالاً من الجميع..

 اقرأ ايضــاً لنورا ناجي :

تذكر .. كلنا لا ننام!

تربية هنا.. وتربية هناك!

الحياة..عندما كانت بنكهة الخيال

4

شاركنا رأيك حول "الجحيم هو نحن..!"