هل يمكن أن تصبح الصين الدولة العظمــى قريباً؟! – تقرير

هل يمكن أن تصبح الصين الدولة العظمــى قريباً؟! - تقرير 4
0

تنبأ لها نابليون بونابرت قبل عقود من الزمان -تحديدًا عام 1816م- بأنها عندما ستستيقظ سيهتز العالم، وقد صدقت نبوءته، وتتحقق حالياً على أرض الواقع، وذلك في وقت أسرع مما كان متوقعاً، فقد استيقظت فعلاً، وباتت كابوساً رهيباً للدول الغربية (وذلك في مجالات الاقتصاد والصناعة والتجارة، والثقافة والفنون والآداب أيضاً)، بعدما دخلت عالم الحداثة والتقدم من أوسع أبوابه.

أنها الصين، بلد التنين، ذات المليار ونصف نسمة، والتى تمتلك تاريخاً عريقاً موغلاً في القدم، وصارت تنمو وتنتعش منذ السنوات الأخيرة بصورة سريعة مذهلة، مُختزلة العقود التي احتاجتها دول أخرى، ليقف العالم بأسره إعجاباً أمام ما وصلت إليه من تقدم في ظرف وجيز، حتى أصبحت من أقوى الاقتصاديات العالمية.

لمحة اقتصادية

1

كانت الصين الدولة الرائدة في التجارة الدولية حتى القرن الـ18، عندما خسرت السيطرة على موانئها التجارية لمصلحة الدول الاستعمارية الأوروبية، ظلت الصين أفقر من الكاميرون أغلب فترات القرن العشرين، وفي عام 1949م، عند قيام جمهورية الصين الشعبية..

تمزقت أكبر دولة فى العالم بفعل الحرب الأهلية، وتولى زمام حكمها نظام دكتاتوري شيوعي، وفى أواخر الخمسينات من القرن العشرين، لقى الملايين من أفراد شعبها حتفهم فى مجاعة أحدثتها السياسات الفاشلة التى كانت تنتهجها الحكومة، وفي الستينات قضت الثورة الثقافية على نظام التعليم الجامعي، حينما أجبرت المواطنين المتعلمين على العمل فى الأرياف.

8 حقائق لم تعرفها عن الصين!

وبقيت بكين متقوقعة في الداخل في ظل الشيوعية، وذلك حتى وفاة رئيس الحزب الشيوعي «ماوتسي تونغ» العام 1978م، حيث شهدت الصين نمواً اقتصادياً سريعاً، وخاصة مع بدء تطبيق سياسة الإصلاح، والانفتاح على الخارج، بعدما أقرت الحكومة سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية..

وسمحت بالاستثمار الأجنبي في عدد من المناطق الاقتصادية قرب المدن الساحلية، ما ساهم في اندماج الاقتصاد الصيني في منظومة الاقتصاد العالمي بفضل نظام اقتصاد السوق الاشتراكي، والذي جمع بين النهج الاشتراكي والانفتاح على الاقتصاد الرأسمالي.

فقد بلغ معدل نموه السنوي أكثر من 9%، فقد نما اقتصاد الصين الداخلي نمواً قوياً جداً، إذ بلغت نسبته 7.7% سنوياً في الفترة ما بين عامي 1978م و1991م، ونما ثلثا المقاطعات الصينية فى الفترة ما بين عامي 1978م و1995م أسرع من أي دولة أخرى على الخريطة.

ومع بداية القرن الواحد والعشرين ظهرت الصين كقوة اقتصادية كبرى، ولاعبة رئيسة على المسـرح الدولي، وذلك بعدما تحول الاقتصاد الصيني من الاقتصاد المخطط الى اقتصاد سوق اشتراكي، حيث ظل الاقتصاد الصينى ينمو بصورة مستقرة وسليمة، ففي سنوات قليلة، منذ الثورة الثقافية التي قادها «ماو تسي تونج»، نجحت الصين في أن تنصب نفسها قوة عالمية.

ففى عام 2003م، بلغ إجمالي الناتج المحلي الصيني 1.4 تريليون دولاراً أمريكياً، محتلاً المركز السادس فى العالم (بعد) الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وبريطانيا وفرنسا، وبلغ إجمالي قيمة الاستثمارات الصينية فى الأصول الثابتة أكثر من 5.5 تريليون يوان صيني..

وحجم مبيعات المواد الاستهلاكية بالتجزئة قرابة 4.6 تريليون يوان صيني، وحجم التجارة الخارجية الصينية اكثر من 850 مليار دولار أمريكي محتلاً المرتبة الرابعة (بعد) الولايات المتحدة وألمانيا واليابان و(قبل) بريطانيا وفرنسا.

ومع نهاية عام 2003، تجاوز نصيب الفرد الصيني من إجمالي الناتج المحلي للبلاد 1000 دولار أمريكي، كما تجاوز الاحتياطي الصيني من العملات الأجنبية 400 مليار دولار أمريكي محتلاً المركز الثاني بعد اليابان فقط.

لتنتقل الصين من دولة زراعية فقيرة، غير معترف بها، إلى دولة تحتل خامس كرسي في مجلس الأمن، وقفز اقتصادها بقوة، لنجد أن الصين في عام 2006م، أصبحت رابع دولة اقتصادية في العالم على مستوى الناتج المحلي الإجمالي، وثالث دولة تجارية، مما جعل منها الدولة صاحبة أعظم نجاح اقتصادي فى التاريخ، لتصبح ثاني قوة اقتصادية عالمية، ويتطلع إلى انتزاع الصدارة من الاقتصاد الأميركي عام 2019م (حسب ما يتوقعه الخبراء).

فيبلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين (وفقاً لتقرير آفاق الاقتصاد العالمي WEO التابع لصندوق النقد الدولي) 17,6$ ترليون، وهو ما يزيد قليلاً عن الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الذي يبلغ 17,4$ ترليون، ويتوقع صندوق النقد الدولي استمرار النمو الاقتصادي الصيني على مدى السنوات القليلة المقبلة.

والسؤال الذى يطرح نفسه هُنا الآن:- «هل يمكن أن تكون الصين الدولة العظمــى قريباً؟». (مقــارنة القدرات الإقتصادية الصينية بالأمريكية)

 2

سبق للبنك الدولي أن توقع أن تصبح الصين القوة الإقتصادية الأولى في العالم بحلول أفق عام 2019م،

وتعتبر هذه المرة الأولى، منذ 142 عام، التي تزحزح فيها الولايات المتحدة الأمريكية من موقعها باعتبارها أقوى اقتصاد عالمي، الذي تبوأته، خلال 1872، بعد تحريرها من الاستعمار البريطاني، ومنذ ذلك التاريخ تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من بسط نفوذها على الاقتصاد العالمي، وتعزيز ريادتها، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك بعد أن أصبحت العملة الأمريكية الدولار العملة المرجعية في العالم.

حقائق مذهلة عن أمريكا ستعرفها لأول مرة

3

ونلاحظ، حاليًا، كيف أن الولايات المتحدة تمارس ضغوطات مباشرة أوعن طريق المؤسسات الدولية، خاصة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، من أجل فرض توصيات على السلطات الصينية لتغيير السياسات التي تتبعها، خاصة ما يتعلق بالسياسة النقدية.

ويذهب الكثير من المحللين والخبراء الإقتصاديين للتأكيد على أنتهاء عصر زعامة الولايات المتحدة لإقتصاديات العالم، والأتجاه لبدء عصر جديد ستكون الصين هى الزعيمة والمُهيمنه  على العالم، غير أن هناك رأى أخر (وهو ما سوف نتناوله بالفحص هنا) يتوقع أن تظل الولايات المتحدة القوة المهيمنة عالمياً، مرجعين ذلك لعدة أسباب، وهى:-

حجم الإقتصاد

المتفائلون بصعود الصين يتنبأون بأنها ستحل محل الولايات المتحدة كأكبر إقتصاد عالمي، وهو ما يعني أن الأخيرة ستواجه تحديات لوضعها الاقتصادي في المستقبل، ولكن حجم الإقتصاد المحض ليس مؤشرًا جيدًا على ميزان القوة النسبية في النظام الدولي.

فالصين نفسها كانت أكبر إقتصاد عالمي في بداية القرن التاسع عشر، لكنها وقعت فريسة للأمم الأوروبية الأصغر منها، وحتى لو قفزت الصين لقمة الإقتصاد العالمي مرة أخرى، فسيواجه قادتها حتمًا مشكلات في النمو، ومن ثم سيكون من الصعب عليها أن تلحق بأمريكا وأوروبا من حيث نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي.

التركيبة السكانية

تعتبر الولايات المتحدة هي ثالث أكبر دولة بالعالم بعد الصين والهند، ويتوقع خبراء الديموغرافيا في الأمم المتحدة أن ذلك الترتيب سيظل كذلك حتى عام 2050م، حيث ستبقى واشنطن الدولة الوحيدة التي ستحافظ على تصنيفها العالمي, ويعود ذلك إلى تزايد معدلات الهجرة إلى الولايات المتحدة.

وإذا رغبت الصين في التغلب على الولايات المتحدة، يجب أن يبلغ إجمالي الناتج المحلي للفرد للصين 1/4 حتى تتجاوز الولايات المتحدة؛ لآن سكان الصين أربع مرات تقريبًأ من سكان الولايات المتحدة حاليًا، في حين أن نصيب الفرد من الدخل في الصين يعادل 1/11 من الولايات المتحدة في الوقت الحاضر.

الطاقة ودور العلم

من المرجح أن تظل الولايات المتحدة مكتفية ذاتياً حتى العقد الثاني من القرن الحادى والعشرين؛ بسبب ثورة الصخر الزيتي، علاوة على كونها رائدة في مجال الأبحاث والتطوير, بما في ذلك المجال التكنولوجي الذي سيكون أكثر أهمية خلال ذلك القرن، ويُعزز ذلك دور الجامعات الأمريكية التي ستظل متقدمة بفارق كبير في المنافسة العالمية، بالإضافة إلى ازدهار ثقافة العمل الحر في الولايات المتحدة, والتي يزداد الناتج الاقتصادي فيها أسرع من أي مكان آخر في العالم.

نظام إقتصادى عالمى

أن النظام العالمي الحالي يعكس المبادئ والتفضيلات الأمريكية، وقد بني هذا النظام على القوة الأمريكية، ويعتمد في استمرارها على حمايتها، وبالتالي إذا تدهورت القوة الأمريكية، فإن النظام العالمي سيتدهور، وسيحل محله نظام يمثل إنعكاسًا لقوى أخرى ربما تؤدي به إلى الإنهيار، كما انهار النظام العالمي الأوروبي في النصف الأول من القرن العشرين. ولا يمكن – كذلك – تصور بقاء الأسس الليبرالية التي يقوم عليها هذا النظام، إذا انكمشت القوة الأمريكية.

فرغم حالة الركود الحالية، فإن المركز الإقتصادي للولايات المتحدة لم يتغير، فلا يزال نصيبها من مجمل الإنتاج العالمي كما هو في العقود الأربعة الأخيرة منذ عام 1969م، ولا تزال تنتج تقريبًا ربع الإنتاج العالمي، ولا تزال هي الإقتصاد الأغنى والأقوى في العالم.

رموز وشعـارات هامة لابد ان تعرف معناها !

القوة العسكرية

ولا يزال ميزان القوة العسكرية يميل لصالح أمريكا، فلا يوجد إلى الآن قوة تعادل قدرات الولايات المتحدة، ولا يوجد أي تدهور في القدرات العسكرية الأمريكية، ولا يزال حجم الإنفاق على الدفاع في الولايات المتحدة الذي يبلغ 600 مليار دولار في العام هو الأعلى في العالم، ولا تزال القوات الأمريكية البرية والبحرية والجوية هي الأكثر تقدمًا في تسلحها.

ولا تزال الميزانية العسكرية الأمريكية تعادل أربعة أضعاف نظيرتها الصينية، ولكن لا يمكن إغفال زيادة قدرات الصين جزئياً على المستوى الإقليمي، وسعي بكين لبناء ضعفي ترسانة صواريخها الباليستية وصورايخ كروز, والتي يمكن أن تُعرض السفن الأمريكية للخطر.

سمعة المُنتجات

وعلى الرغم من تصنيف الصين كأكبر دولة تجارية في العالم, إلا أن معظم صادراتها تتكون من منتجات رديئة الجودة، وبالتالي إذا لم تخرج بكين من نموذج النمو الذي تقوده في تصدير المنتجات منخفضة القيمة، فمن المرجح أن يجنح الإقتصاد الصيني نحو الهبوط الحاد.

وهُنا يبرز التساؤل الجديد: ما الخطوة المقبلة التى يجب على الصين إتخاذها إذا كانت تريد أن تصبح القوة الإقتصادية الأولى فى العالم؟

تشير السيناريوهات طويلة الأجل إلى أنه قد يتوجب على الصين تطور اقتصادها وتزيد من شفافيتها لتَبرزَ صورَتُها كلاعب عالمي مسؤول وموثوق به، ومواصلة النمو بأسرع من نمو الإقتصاد العالمي، وأن تصبح محرك تطور الإقتصاد العالمي، الذي سيتسم باتساع مكانة الإقتصاديـات الكبرى الصاعدة، والتراجـع النسبي لمكانة البلدان الغنية التي ستحافظ رغم ذلك على مستواها في سلم الدخول.


إن التحدي الذي يواجه الصين من الآن فصاعداً هو الأنتقال من النمو الفائق السرعة الذي عرفته خلال السنوات الأخيـرة إلى تنمية متوازنـة، ومن أجل ذلك عليهـا تقليص خطوط الإنكسار التي تجتاز الإقتصاد والمجتمع (بين فلاحين وأبناء مدن، وأثرياء وفقراء، بين الواجهة البحرية وما تبقى من الصيـن)، وإعادة مركزة النمو على الإستهلاك المحلي، وجعله أقل تبعية للأسواق العالمية، وإبطاء إستهلاك الطاقة، وصيانة بيئة متدهورة.

وأخيرًا نؤكد على أن التاريخ الإقتصادى دائمًا ما يحفل بوجود عدد من الأمبراطوريات الإقتصادية، التى تصعد وتسقط، ولكن السؤال هو: متى؟، وكيف؟..

0

شاركنا رأيك حول "هل يمكن أن تصبح الصين الدولة العظمــى قريباً؟! – تقرير"