الراحل أحمد رجب.. ضحكة كل يوم

الراحل أحمد رجب.. ضحكة كل يوم 4
0

قرابة الأربعين عاماً تعود المصريين فيها على قراءة “نصف كلمة” لأحمد رجب، صاحب الكتابة المغلفة بسخرية لاذعة مكثفة، لترسم على وجهك ابتسامة كل صباح عند مطالعتك لصحيفة “أخبار اليوم”، فهو ليس كما نعتقد رجل عبوس ينتج الضحك ولا يستهلكه، ولكن له فلسفته الخاصة في الضحك.

صورة 1 احمد رجب

داخل “أخبار اليوم” تعلم أصول مهنة الصحافة من مصطفى أمين وعلى أمين، التي ساعدته في صنع تألق ونجاح عموده اليومي “نصف كلمة”، بعد أن نصحه على أمين باحترام وقت القارئ، اكتب باختصار وتركيز..

لا وقت عند القارئ للحشو والكلام الفارغ، هناك أدوات حضارية تنافسك كالراديو مثلاً، فكن على مستوى المنافسة، عندما تكتب اكتب باختصار وكأنك تكتب برقية ستدفع عن كل كلمة فيها قرشاً، بالإضافة إلي كتابته ” هذه الجريمة لغز.. فتعالوا نحله معاً، وأخبار الأسبوع، وبختك هذا الأسبوع، وحديث لم يحدث”.

مجموعة عربية قيّمة من أجمل ما كُتب في الأدب الساخر

صورة 2 نص كلمة

فموهبة أحمد رجب يصعب حصرها في فرع واحد من فروع الصحافة أو الأدب، فقد كتب للسينما المصرية أفلام يصعب محوها من ذاكرة الضحك مثل “محاكمة على بابا، فوزية البرجوازية، نص ساعة جواز، شنبو في المصيدة”، بالإضافة إلي كتبه الساخرة سواء من أوضاع سياسية أو اجتماعية “الحب وسنينه، صور مقلوبة، وآي كلام، الفهامة .. وغيرها الكثير”.

صورة3 نص ساعة جواز

عندما كتب للمسرح

وكما استطاع أحمد رجب رسم شخصياته باقتدار وإتقان وبأسلوب ساخر، هكذا كانت مقالبه أيضاً وتعد أشهرها عندما نشر مسرحية بعنوان “الهواء الأسود” في مجلة الكواكب الصادرة في مارس 1963، وقال إنها مسرحية للكاتب السويسري الشهير “فردريك دورنيمات”، ولم تنشر من قبل..

ودعا نقاد المسرح للتعليق عليها باعتبارها أحد روائع مسرح “اللامعقول” الذي كان منتشر في هذا الوقت، وقد حصلت على إشادة وإعجاب أربعة نقاد مسرحيين هم “عبد الفتاح البارودي، ورجاء النقاش، وسعد أردش، وعبد القادر القط”، مما شجعه لنشر تحقيقا بعنوان “فضيحة الموسم .. أنا المؤلف الأوحد لمسرحية الهواء الأسود”، قائلاً فيه: “أنا الموقع أدناه أحمد بن رجب أقر واعترف أنني كتبت هذه المسرحية في مكتبي بالغرفة رقم 406 بمبنى دار الهلال بالسيدة زينب، وأن هذه المسرحية لم تكتب إطلاقاً في لوزان ولا جنيف ولا زيورخ … وكنت أكتب هذه المسرحية الخالدة وأنا مصاب بنوبة ضحك شديدة، فلست أدري لماذا كان يضحكني جداً اسم “شتاتلر” كلما كتبته، ولا أعرف لماذا كنت أفطس على نفسي من الضحك كلما كتبت عبارة حوار لا معنى لها، أو كلما خط قلمي جملة منطلقة على السجية بلا أي تفكير ولا تدبير”.

يوضح فيها عقدة الخواجة في العمل الأدبي، بعد أن قال عنها سعد أردش “إنها رواية عالمية”، بالإضافة إلي عبد القادر القط الذي رآها” معبرة عن مأساة الإنسان في القرن العشرين”، ورجاء النقاش “تشرح بوضوح أزمة الإنسان المعاصر”.

درسوا الطب ولكن.. أبدعوا في الأدب!

وقد كانت فضيحة مدوية وسقوط لنقاد مسرح اللامعقول، وصدمة عندما عرف الجميع أن مسرحية “الهواء الأسود” من بنات أفكاره ومقالبه الساخرة، ولكن ظل اهتمام الأدباء بهذا الحدث وقد علقوا عليه وتحدثوا عنه في كتابتهم، فقد قال صلاح عبد الصبور “إن هذا أعظم عمل نقدي للنقاد”.

أما طه حسين قال “إنها عقدة الخواجة”، أما توفيق الحكيم فقد رآه “مقلب ظريف ولطيف”، في حين قال إحسان عبد القدوس “كل ما نرجوه من السادة النقاد أن يصروا على رأيهم الخطأ، وأن يرفعوا أحمد رجب إلى مرتبة الكتاب العالميين”، أما العقاد “هؤلاء النقاد المحترمون يجب أن يُساقوا إلى محكمة التزييف لحماية هذه الأمة من وبال دعواهم”.

واختتم تحقيقه قائلاً:

الآن .. أشكر هؤلاء النقاد على مدحي وتقريظي، طبعاً هذا شرف عظيم أن يجمعوا على أنني مؤلف مسرحي عالمي خطير الشأن وبعد تعليقهم هذا هناك أمر من اثنين: إما أنني مؤلف مسرحي خطير فعلاً برغم أنني لم اكتب للمسرح أي إنتاج حتى الآن، وإما أنهم يرجعون فى كلامهم بعد أن عرفوا الحقيقة.

وهى أن مؤلف (الهواء الأسود) ليس خواجة وإنما هو أحمد بن رجب، ولذلك اعتبرت نفسي مؤلفاً مسرحياً عالمياً أضع اسمي بكل فخر إلى جوار الخواجات “بيكيت ويونسكو وأوزبورن .. وكوكتو”، ومن له اعتراض من النقاد فليتقدم .

فهكذا كان الساخر أحمد رجب صانع البهجة وفياً مع القارئ الذي ينتظر منه ابتسامة الصباح، كان أيضا وفياً لدار “أخبار اليوم”، ففي داخل الغرفة “53” التي كانت مكتباً لتوفيق الحكيم، يقول “كنت أحملق في أجواء الغرفة وأتساءل: كيف لم أحظ من هذه الغرفة بإشعاعات الفكر والفن التي تركها توفيق الحكيم”.

فأفكر مثله وأبدع مثله؟ وتبين لي أن السبب أنني غيرت موضع مكتبي من حيث كان يجلس توفيق الحكيم ونقلته إلى حيث كان مربط حمار الحكيم”، وفيها ولدت أفكار نصف كلمة، وشاركه مصطفى حسين رسام الكاريكاتير، الذي رحل عن عالمنا في الشهر الماضي، في رسم الشخصيات التي ابتكرها، والذي ارتبط بها القراء مثل “فلاح كفر الهنادوة، كمبورة، عبده مشتاق..وغيرها”.

وأخيراً كما قال في “نصف كلمة”، الكلام نوعان: كلام فارغ، وكلام مليء بالكلام الفارغ.

0