تاريخ القُدس .. بين صراع الحاضر وأمل المستقبل – تقرير

تاريخ القُدس .. بين صراع الحاضر وأمل المستقبل - تقرير 6
0

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

“العالم ليس معنياً بقدسنا، قدس الناس، قدس البيوت والشوارع المبلطة والأسواق الشعبية حيث التوابل والمخللات، قدس العتالين ومترجمي السياح الذين يعرفون من كل لغة ما يكفل لهم ثلاث وجبات معقولة في اليوم..

خان الزيت وباعة التحف والصدف والكعك بالسمسم، المكتبة والطبيب وفساتين العرائس الغاليات المهور، قدس الجبنة البيضاء والزيت والزيتون والزعتر وسلال التين والقلائد والجلود وشارع صلاح الدين، هي القدس التي نسير فيها غافلين عن “قداستها” لأننا فيها ، لأنها نحن، هذه القدس العادية، قدس أوقاتنا الصغيرة التي ننساها بسرعة لأننا لا نحتاج إلى تذكرها..

ولأنها عادية، كل الصراعات تفضل الرموز، القدس الآن هي قدس اللاهوت! العالم معني بـ “وضع” القدس، بفكرتها وأسطورتها، أما حياتنا وقدس حياتنا فلا تعنيه، إن قدس السماء ستحيا دائماً، أما حياتنا فيها فمهددة بالزوال” .. مريد البرغوثي.. رأيت رام الله

فى الواقع لو أن العقّاد على قيد الحياة، أكاد أجزم أنه بمقولته “أحب الكتب لأن حياة واحدة لا تكفيني”، عنى تاريخ هذا البلد العظيم، من شعب وأُمة وقضية!

استكمالاً لتاريخ القُدس، أحداثه ووقائعه حتى أعوامنا هذه، وبعد سقوط الأنظمة العربية بالكامل بما فيها سيناء المصرية والجولان السورية كما ذكرنا بالجُزء الأول..

واصل الكيان الصهيوني تهويد أرض فلسطين بشكل حثيث وسعى لاجتثاث هويتها الإسلامية ومعالمها الحضارية، فقد صادر أكثر من ٩٠٪ من أرض فلسطين، بما فيها أراضي و أملاك الفلسطينيين الذين قام بتشريدهم، ومعظم الأوقاف الإسلامية، والكثير من أراضي العرب هناك..

وقاموا ببناء مدن وقُرى استيطانية في الأرض المحتلة عام ١٩٤٨، ومنذ نكسة ٦٧ صادر الصهاينة جزء كبير من الضفة الغربية وقطاع غزة، وبذلك حرم أبناء فلسطين من العودة لأرضهم، وفتح أبواب الهجرة لليهود ليبلغ عدد اليهود من سنة ١٩٤٨ وحتى ٢٠٠٠ ما يتعدى الخمسة ملايين يهودي.

مشروع الاحتلال ركز على تهويد القُدس، فسيطروا على معظم الأرض، وفي منطقة القدس الشرقية –حيث المسجد الأقصى – أسكنوا آلاف اليهود بعد أن أحاطوها بأسوار المستوطنات اليهودية، وأعلنوا أن القدس عاصمة أبدية لهم، وصادرو الحائط الغربي من المسجد الأقصى (حائط البراق)..

ودمروا حي المغاربة المقارب له، وحفروا الأنفاق التي تهدد بسقوط المسجد الأقصى، وقاموا بعدد كبير من الاعتدائات خلال فترة ١٩٦٧ – ١٩٩٨، وخاصة بعد اتفاق أوسلوا عام ١٩٩٣، وكان أشهر الاعتدائات حرق المسجد الأقصى في أغسطس ١٩٦٩.

تمسك اللاجئون الفلسطينيون بحقهم في العودة إلى أرضهم، ورفضوا كل مشاريع توطينهم خارج البلاد، ورغم أن الأمم المتحدة أصدرت ما يزيد عن المئة قرار بأحقية اللاجئين بالعودة، إلا أن أياً منها لم يُنفذ بسبب إصرار الكيان الصهيوني على رفضها، وعدم جدية المجتمع الدولي والدول الكبرى في ذلك.

تعاملت الأمم المتحدة مع قضية فلسطين على أنها قضية لاجئين منذ ١٩٤٩، وحتى بداية السبعينات من القرن العشرين، ومنذ عام ١٩٧٤ أخذت تُصدر قرارات كثيرة بأغلبية ساحقة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بإعطاء الفلسطينيين حق تقرير المصير، وبشرعية الكفاح الفلسطيني لاسترداد الحقوق المُغتصبة، وباعتبار الصهيونية شكل من أشكال التفرقة العنصرية..

ولكن الولايات المتحدة كانت على استعداد لرفض هذه القرارات وتجاهلها، واستخدام حق النقض “الفيتو” لمنع التنفيذ العملي لأياً منها، في الوقت نفسه استخدموا هذه الشرعية الدولية لإقامة الدولة الصهيونية وترسيخ وجودها.

وطوال تاريخ القضية الفلسطينية ظلت إحدى الإشكاليات الكبرى تتمثل في انحياز القوى العظمى للمشروع الصهيوني، وخصوصاً في التسليم فيما يسمى “حقه” في إنشاء دولته على أرض فلسطين.

روايات كُتبت بدم فلسطين .. من أجل فلسطين

المقاومة الفلسطينية والثورة

1

“الاحتلال الطويل خلق منا أجيالاً عليها أن تحب الحبيب المجهول، النائي، العسير، المحاط بالحراسة، وبالأسوار، وبالرؤوس النووية، وبالرعب الأملس، الاحتلال الطويل استطاع ان يحولنا من أبناء فلسطين، إلى أبناء فكرة فلسطين.” .. مريد البرغوثي، رأيت رام الله

بدأت تظهر فصائل فلسطينية ذات طابع سياسي، وبدأت تستخدم مصطلح الكفاح المسلح للإشارة إلى أشكال المقاومة المسلحة.

يستخدم مصطلح “المقاومة الفلسطينية” على مستوى دولي، واستخدم مصطلح المقاومة في الخطاب الفلسطيني من قبل منظمة التحرير، فقد أصبح مصطلح المقاومة جزء من هوية الفصائل الفلسطينية حتى أنه أصبح جزءاً من اسمها مثل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عام ١٩٨٧.

مثلت الفترة ما بين ٢٩٦٧ – ١٩٧٠ الفترة الذهبية للعمل الفدائي والمقاومة الفلسطينية، إلا أنها عانت من محاولات الاستهداف خلال الحرب الأهلية اللبنانية عام ١٩٧٥ -١٩٩٠ وأسهم العدو الصهيوني المستمر على لبنان.

وبشكل عام، عانت الثورة الفلسطينية بشدة من أشقائها العرب، واستنزفت طاقتها ودماءها في صراعها مع الأنظمة العربية التي حاولت ترويضها، والتحدث باسمها والقفز فوقها.

وبعد حرب ١٩٧٣ والتي حققت انتصاراً ضد الكيان الصهيوني لمصر وسوريا، أخذ يتضاءل الشعور العربي اتجاه فلسطين، وبتوقيع اتفاقية كامب ديفيد في سبتمبر ١٩٧٨، خرجت أقوى قوة عربية من الصراع العربي الصهيوني.

وبدأت سلسلة انهيارات وأحداث من الحرب العراقية الإيرانية ١٩٨٠ – ١٩٨٨، وتراجع الدعم المالي الخليجي للثورة الفلسطينية بسبب انخفاض أسعار النفط، فضلاً عن الاجتياح العراقي للكويت عام ١٩٩٠، وما نتج عنه من حرب الخليج، ومن تمزُق عربي إسلامي واسع بالإضافة إلى انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية، كل ذلك أدى لإضعاف حركة المقاومة نحو التسوية السلمية، وحصر نشاطها السياسي.

أعطت الانتفاضة المباركة ١٩٨٧ – ١٩٩٣ زمام المبادرة الفلسطيني، وبرز التيار الإسلامي بقوة ليصبح عُنصراً أساسياً في المقاومة الفلسطينية، وخصوصاً من خلال حركة المقاومة الإسلامية حماس، وأحيت الانتفاضة التعاطف والاهتمام العربي والإسلامي والدولي بالقضية الفلسطينية..

لكن الظروف السائدة وطبيعة العقليات القيادية الفلسطينية والعربية لم تسمح بتأجيجها وتوسيعها باتجاه التحرير، وإنما استخدمها للاستثمار السياسي السريع باتجاه التسوية مع الكيان الصهيوني الغاضب.

2

أخذ التيار المؤيد للتسوية السلمية مع الكيان الصهيوني في الاتساع إلى أن جاء قرار المنظمة بالاعتراف بقرار الأمم المتحدة رقم ١٨١ الداعي لتقسيم فلسطين بين العرب واليهود، وقرار مجلس الأمن ٢٤٢ الصادر في نوفمبر ١٩٦٧ الذي يتعامل مع القضية الفلسطينية أنها قضية لاجئين، ويدعو لحلها بالطرق السلمية.

وفي أكتوبر ١٩٩١ دخلت المنظمة العربية في مفاوضات مباشرة مع الكيان الصهيوني في مدريد، ولم تحدث أي حالة إفراج إلا من خلال قناه مفاوضات سرية كانت قد فُتحت في ديسمبر ١٩٩٢، وأدت إلى ما يُعرف باتفاق أوسلو أو “غزة – أريحا أولاً” الذي تم في أوسلو بالنرويج، والذي وقعت عليه المنظمة مع الكيان الصهيوني في واشنطن في ١٣ ديسمبر ١٩٩٣.

ووجه اتفاق أوسلو (غزة – أريحا ) بمعارضة قوية فلسطينياً وعربياً وإسلامياً، وكانت أبرز نقاط الاعتراض:

#لقد أفتى علماء المسلمين الموثوقون بعد جواز التسوية السلمية مع الكيان الصهيوني حسبما يريد الداعون إليها، وبضرورة الجهاد المقدس لتحرير الأرض المغتصبة.

#انفردت القيادات بإقرار اتفاق أوسلو دون الرجوع للشعب الفلسطيني، حيث توجد معارضة قوية لهذا الاتفاق في أوساط الإسلاميين والوطنيين واليساريين على السواء.

#أجّل هذا الاتفاق البتّ في أهم القضايا الرئيسية وأكثرها حساسية، وأصبح حسمها مرتبطاً بإذن من الكيان الصهيوني، الذي استغل قوته لفرض شروطة على الطرف الفلسطيني وأبرز هذه القضايا:

  • مستقبل مدينة القدس.
  • مستقبل اللاجئين الفلسطينيين.
  • مستقبل المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
  • طبيعة الكيان الفلسطيني المستقبلي وصلاحياته وحدوده.

وبعد أكثر من ثماني سنوات لم يتم حل أي من القضايا الكبرى، بينما يسابق الكيان الصهيوني الزمن في تهويد الأرض المحتلة.

#وافق هذا المشروع رغبة صهيونية هدفت إلى التخلص من عبء مناطق الكثافة السكانية الفلسطينية وما تحمله من مشاكل أمنية واقتصادية، بينما كانت إسرائيل تحلم بالتخلص من قطاع غزة الذي يعتبر من أكثف المناطق السكانية للفلسطينيين.

#أصبحت إدارة الحكم الذاتي مضطرة لقمع وسحق أي جهاد وعمليات مسلحة ضد الكيان الصهيوني، والقبض على مجاهدي المنظمات الفلسطينية لإثبات حسن نواياها وحرصها على السلام، بل وتشكلت لها تسع أجهزة أمنية تُحصى على الناس أنفاسهم، بينما كان أداؤها أكثر ضعفاً في الميادين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، واستشرى الفساد في أجهزتها، ولم تخفف السلطة من قبضتها على الناس إلا إثر اندلاع انتفاضة الأقصى.

#ظلت الحدود تحت السيطرة الإسرائيلية، وظل دخول مناطق السلطة الفلسطينية أو الخروج منها مرتبطاً بإعطاء الإذن بذلك أو منعه.

#لا تشير الاتفاقية إلي حق الفلسطينيين في تقرير المصير، وإنشاء دولتهم المستقلة، ولا تتحدث عن الضفة الغربية وقطاع غزة باعتبارها أرض محتلة.

#فتح هذا الاتفاق الباب على مصراعيه للدول العربية والإسلامية لعقد اتفاقيات وبناء علاقات مع الكيان الصهيوني في المنطقة وتحقيق الهيمنة الاقتصادية، وضرب القوى الإسلامية والوطنية في المنطقة.

3

أكدت انتفاضة الأقصى في سبتمبر عام ٢٠٠٠ والمستمرة حتى الآن، تمسك الشعب الفلسطيني بحقه في أرضه، وأكدت تفاعل الشعوب العربية والإسلامية الواسع مع الانتفاضة، كما أكدت البعد الإسلامي للقضية، وكشفت شراسة الصهاينة والوجه القبيح لأدعياء السلام الصهيوني..

كما وجهت لطمة كبيرة لمشروع التسوية الذي يجري على حساب حقوق الأمة وثوابتها.

التفرقة والتشرذم بين البلدان العربية.. واقعٌ أليم يحتاج التغيير

تفاصيل حول الانتفاضة

وعلى الرغم من المعاناة التي عاشها أبناء فلسطين، إلا أن روعة صمودهم واستمرار الانتفاضة أدى إلى إسقاط الخيار الأمني الصهيوني، وإلى تدهور الاقتصاد الصهيوني، وتدمير قطاع السياحة، وإلى هجرة يهودية معاكسة متزايدة إلى خارج فلسطين، وبذلك هزت الانتفاضة الدعامتين اللتين يقوم عليهما المشروع الصهيوني، وهما الأمن والاقتصاد.

4

تعرض أقباط فلسطين إلى الظلم والقهر والتشريد نفسه الذى تعرض له مسلمو فلسطين، وشاركوا في الحركة الوطنية الفلسطينية منذ بدء الاحتلال البريطاني لفلسطين، وقدموا نموذجاً للتماسك والوحدة الوطنية في وجه المشروع الصهيوني، وشاركو في الدفاع عن عروبة فلسطين بالكلمة والقلم والبندقية.

رسالة إلى العالم ومفاهيم يجب إعادة صياغتها

5

إن حُب الوطن والدفاع عن أرضه وشعبه ومقدساته هو واجب شرعي وحق إنساني، وإن المشاعر الوطنية وحُب القوم والعشيرة هو سلوك طبيعي مادام لا ينتقص من حقوق الآخرين، وإن دوائر العمل لفلسطين سواء كانت وطنية أم عربية أم إسلامية أم إنسانية هي دوائر تركيز متكاملة متناغمة، ويجب ألا تكون متعارضة.

ومن جهة أخرى فإن السعي لعلاج أمراض المجتمع وتحقيق التطور الحضاري، والسعي لتحقيق الوحدة العربية والإسلامية وتحرير فلسطين هي جهود متكاملة يخدم بعضها بعضاً، ويمكن أن تسير جنباً إلى جنب دونما تعارض أو تضاد.

الإسلام دين السلام، دين قائم على التسامح والتعايش والحوار بالتي هي أحسن، وبالتالي هو ضد الإرهاب وضد قتل الأبرياء، ولا يمكن لأي سلام أن يقوم في فلسطين بناء على ظلم أهلها واغتصاب حقوقهم وإخراجهم من أرضهم ومقدساتهم، وإن فرض أي شروط على شعب مستضعف قد يصل إلي تسوية مؤقتة، ولكنه لن يؤدي إلى السلام، ولهذا سيظل الجهاد لتحرير فلسطين واجباً وشرفاً على صدر كل شريف.

إن المسلمين لا يقتلون اليهود لمجرد كونهم يهود، فالأصل في علاقة المسلمين بأهل الكتاب أو أهل الذمة هو العدل والإحسان وإعطاء كافة الحريات والحقوق الدينية وحقوق المواطنة الكاملة لهم، وإن المشكلة اليهودية والعداء للسامية نشأت في أوروبا وليس في العالم الإسلامي الذي كان اليهود يلجؤون إليه آمنين من الاضطهاد والتعصب الديني والقومي في أوروبا..

والحقيقة أن المسلمين يقاتلون اليهود الصهاينة المعتدين الذين اغتصبوا أرض فلسطين وشردوا شعبها وانتهكوا مقدساتها أي أن المسلمين يقاتلون أي فئة أو جماعة تحاول احتلال أرضهم مهما كان دينها وقوميتها.

إن القضية الإسلامية قضية ذات أبعاد إنسانية كبرى، إذ تمثل صرخة المظلوم في وجه أدعياء حقوق الإنسان، وعلى العالم أن يُدرك أن وجود الكيان الصهيوني في فلسطين وحشده لأسلحة الدمار الشامل والجيوش سوف يظل يهدد السلام العالمي، وربما يجرفنا لحرب عالمية ثالثة ورابعة، لأن العرب لن يقبل كياناً في قلبهم وسيسعون لإزالته كما أزالوا غيره من قبل ..

بعض الأوطان هكذا، الدخول إليه صعب، الخروج منه صعب، البقاء فيه صعب وليس لك وطن سواه..

0