سحرٌ يُدمي القلوب.. عندما تكتب “إيزابيل الليندي” عن العبودية!

سحرٌ يُدمي القلوب.. عندما تكتب "إيزابيل الليندي" عن العبودية! 2
0

لا استطيع أن أنكر حقيقة كوني من كبار معجبي وعشاق الكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي، وكيف لا أكون؟ فكل رواية من روايات إيزابيل تدخل القارئ إلى غابات وأحراش من المشاعر والأحاسيس والأفكار، إلى تاريخ آخر، وزمن مختلف، إلى آلة زمن بالفعل! ابدأ الرواية، وبعدها بدقائق أجد نفسي ضمن أبطالها ارتدي ملابس تشبههم وأتحدث لغتها الشعرية.

مرة مع “أنيس” في رحلة اكتشاف التشيلي، وأخرى مع “إلزا” في مغامراتها في أرض الذهب الجديدة، واليوم مع “زاريتيه” أو “تيتي” في أرض أخرى، وأخرى مع “تاهيتي” أو “سان دومانغ” بلغة زمن الرواية أرض السكر، الذي اختلطت حلاوته بدماء العبيد الذي تم قتلهم من أجل الحصول عليه.

A8588754-CDE5-49C1-8634-C680E0A49312IMG_0266

حقائق تاريخية

إن القائل أن الروايات لا فائدة منها رجل لم يقرأ رواية عظيمة مثل “ألف شمس ساطعة” لخالد الحسيني التي عرفتني على تاريخ أفغانستان كما لم أعرفه من قبل، أو رواية اليوم “الجزيرة تحت البحر” التي أخذتني لجزء من تاريخ الكرة الأرضية لم يخطر ببالي تتبعه.

فالرواية تدور أحداثها في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، حين كانت سان دومانغ مستعمرة إسبانية ثم فرنسية بموافقة إسبانيا، كما لو أن الأرض بسكانها هدايا يمكنهم تبادلها، والأزمة الأساسية التي تدور حولها أحداث الرواية هي العبودية.

فمساحات الأراضي الشاسعة والتي يتم زراعتها بقصب السكر تحتاج إلى أيدي عاملة قوية، لذلك تم جلب الرجال والنساء من إفريقيا ليعملوا في ظروف وحشية ويصبحوا عبيدًا في مزارع السادة الفرنسيين، حتى وصل عدد العبيد إلى ما يفوق ثمانية أضعاف عدد البيض.

ونجد أمامنا مجتمع غريب له قواعد مختلفة، مؤلف من طبقات تم صنعها على مر السنوات يأتي أعلاها البيض المستعمرون وأدناها العبيد، مع العديد من الطبقات في المنتصف يتم تحديدها حسب درجة اسمرار بشرة صاحبها، فمن الطبيعي أن يستخدم السادة نساء العبيد كذلك كمحظيات، إمعانًا في النظرة غير البشرية لهن، فنشأت أجيال جديدة من الخلاسيين الأحرار والعبيد والذين لهم نظامهم الاجتماعي الخاص أيضًا.

وتحت كل هذه الطبقات الاجتماعية والبشرية، بركان من الغضب والقهر المكبوت، والثورة التي يتم تكوينها، فمن يعتبروا في هذه الأرض عبيدًا كانوا في يوم من الأيام سادة في أوطانهم، لم ينسوا بعد طعم الحرية، وغذوا مخيلة أولادهم بها، ليدق الصراع الأبواب، وتقوم بعد سنوات من الشقاء ثورة هي الوحيدة في العالم التي أنبتت دولة.

ما بين سكارليت وكونتاكنتى: روايات متناقضة تناولت العبودية !

تيتي العبدة الحرة

بطلة إيزابيل في هذه الرواية هي زارتيه أو تيتي، العبدة الخلاسية التي وُلدت من أم ملكة في قبيلتها وأب أبيض لا تعرفه بالطبع، وحاولت أمها أن تقتلها وهي طفلة، فذلك أفضل لها من حياة العبودية، لكن تم إنقاذها من بين يديها لتموت الأم وينتهي هذا الفصل من حياة تيتي، ولكن يبدو أن الأم في الدقائق التي سبقت وفاتها أرضعت ابنتها حب الحرية، لذلك ما أن عرفت المشي حتى حاولت الهرب المرة تلو الأخرى.

تتنقل تيتي من سيدتها الأولى حتى سيدها الجديد العريس فالموران لتخدم عروسه، وتصبح بعد ذلك محظيته وتنجب له أبناء لا يعترف بهم، لكن ظلت بداخلها الرغبة في الحرية، لذلك ما أن سنحت لها فرصة المساومة في أثناء ثورة العبيد حتى طالبت بوثيقة حرية لها ولابنتها التي وافق سيدها على الاحتفاظ بها، مقابل إنقاذ حياته وابنه.

تيتي شخصية نسوية قوية أخرى، عبرت بها إيزابيل الليندي عن ثورة العبيد بأفضل صورة، فهذه المرأة استطاعت أن تخرج من بين كل المآسي التي حلت بها منتصرة، وعلى الرغم مما فقدته على مدار السنوات، إلا إنها استطاعت أن تقف على قدميها المرة تلو الأخرى، ربما لتذكرنا بشخصية الكاتبة ذاتها.

قانون البيض الذي يفسد الجميع

في بداية الرواية يصل الفرنسي المثقف الأنيق فالموران إلى سان دومانغ ليرى أبيه المريض ويساعده في رعاية أملاكه لبعض الوقت حتى يشفى، كانت نيته الأولى أن يبقى بضعة أسابيع على الأكثر في هذه الأرض الحارة التي تفتقد أساليب المعيشة الراقية ، ولكن بعد وصوله بدقائق يكتشف أن والده توفي، وترك له الأرض بعبيدها، بوالدته واخته لينفق عليهما منها.

شخصية فالموران على الرغم أهميتها في الرواية ليست هي التي تعنيني هنا، بل التطور التي حدث بها، ففي البداية كان متأففا من كل قواعد وقوانين هذا المكان الجديد، ابتعد عن البيض الموجودين ورفض أن يخالطهم، ثم وجد أن ذلك يؤذي أعماله، لذلك بدأ في الاقتراب منهم قليلاً، ولكن رغماً عنه بدأت قوانينهم الغير مكتوبة تفرض نفسها عليه.

فعلى سبيل المثال هو يكره تعذيب العبيد وإهانتهم، ولكن حتى يحصل على مراده يتصرف بطرق ملتفة ملتوية، فيحضر شخص ليصبح مسؤول عن أعمالهم، فتظل يداه نظيفتان من دمائهم، يرى ان إلغاء العبودية في فرنسا شيء طبيعي ومنطقي، ولكن ذلك مرفوض بالنسبة له تماماً في سان دومانغ، فكيف تُزرع الأرض ويحصل على أرباحه من دون العبيد، بالإضافة بالطبع إلى النظرة الفوقية التي ترى العبيد مختلفين عن البيض، كما لو أنهم من جنس آخر أكثر قوة وأقل ذكاء.

فالموران بدأ إنسان مثقف طبيعي الفطرة، يكره فكرة استعباد البشر، ولكن وجوده في أوساط البيض ومصالحة الخاصة، جعلته يعمي نفسه عن رؤية الحقائق في البداية، ليبدأ في التغيير بالتدريج ويتحول ليصبح واحداً منهم بعد ذلك.

الرواية تحمل الكثير من الشخصيات والأحداث المتشعبة، لتعرفنا على قوانين مجتمع البيض ومجتمع العبيد في كل من سان دومانغ، ثم الولايات المتحدة الأمريكية، ونقرأ قطعة جديدة من تاريخ البشر الذي لا يشرف في الكثير من الأحيان، مع تفاصيل تأخذ اللب، وتجعل القارئ لا يستطيع تركها، وفي نفس الوقت يتمنى ألّا تنتهي.

0

شاركنا رأيك حول "سحرٌ يُدمي القلوب.. عندما تكتب “إيزابيل الليندي” عن العبودية!"