كيف تُعيد المكتبات إحياء الحاجة إلى القراءة؟

كيف تُعيد المكتبات إحياء الحاجة إلى القراءة؟ 1
5

مقال بواسطة: بهاء العوام – مانشستر

لعل القيمة المعنوية أصبحت المبرر الوحيد لبقاء المكتبات في العديد من الدول العربية، إذا لم يكن جميعها، في ظل تراجع دورها الفعلي أو (الاستخدامي) إن جاز التعبير، مع انحسار القراءة إلى حدود مخزية تفضحها إحصاءات كثيرة، كان آخرها تقرير للمجلس الأعلى للثقافة في مصر يقول إن متوسط معدل القراءة في العالم العربي لا يتعدى ربع صفحة للفرد سنويًا.

صحيح أن أسباب تراجع الحاجة إلى القراءة في الدول العربية متعددة، تبدأ بالأوضاع السياسية وتنتهي بالظروف الاقتصادية مرورًا بتدهور التعليم وتسطح معظم النشاط الثقافي في جميع مجالاته.

لكن هل يمكن أن تكون المكتبات في تلك الدول قد ساهمت بحد ذاتها في هذه المشكلة؟ وبطريقة أخرى هل المكتبات ببنيتها الحالية مراكز جاذبة للقراءة وتعزيز الثقافة في تلك الدول؟

british-library-london3

شاءت الأقدار أن أتنقل خلال رحلتي للحصول على حق الإقامة الشرعية في المملكة المتحدة بين ثلاث مدن رئيسية فيها هي لندن ومانشستر وليفربول، وخلال هذه الرحلة التي امتدت على مدار أكثر من عام، زرت العديد من المكتبات في مراكز وضواحي هذه المدن.

ما يميز المكتبات في هذه المدن، وأعتقد يمكن تعميمه على بقية مدن المملكة، أنها تختلف عن الصورة النمطية للمكتبات في الدول العربية، تلك الأماكن المغلقة، الصامتة، الكئيبة التي يجب أن تسير فيها على رؤوس أصابعك وتتنفس بهدوء خشوعًا واحترامًا للكتب التي تعلو رفوفها، وزوارها المثقفين الذين يعرفون كل شيء ويمتلكون إجابات لجميع الأسئلة التي تدور في خلدك.

1297373160147_ORIGINAL

تتميز المكتبات في بريطانيا بجماهيرية أو شعبية تعد من أبرز عوامل جاذبيتها فهي مراكز ثقافية وترفيهية توفر لكافة شرائح المجتمع الكثير من الخدمات بأبسط الإجراءات وأبخس التكاليف، حتى أنها في بعض المناطق تعد منافسًا حقيقيًا لأقوى الفعاليات الترفيهية والثقافية ومصدرًا أساسيًا للمعلومات حول كافة أنشطة المدينة بما فيها فرص العمل المتوفرة في مؤسسات القطاع الخاص والعام.

ربما يمكن تلخيص مواطن قوة المكتبات في بريطانيا بثلاثة محاور رئيسية هي خدماتها ومقراتها وفعالياتها، طبعا بالإضافة إلى السبب الرئيسي، ألا وهو وجود القارئ الذي يتأثر ويؤثر بالمكتبة في علاقة تفاعلية تمنح الاستمرار للطرفين.

تقدم المكتبات في بريطانية خدمات متعددة تجعلها مقصدًا لكافة شرائح المجتمع، حيث يمكنك أن ترى أمهات يصطحبن أطفالهن ليقرأن لهم في الأقسام المخصصة للأطفال ذات الألوان الزاهية والمقاعد متعددة الأشكال.

Reading Room, British Architectural Library, RIBA, 66 Portland Place, London

كما تلحظ مسنين من رجال ونساء يتحلقون كل صباح حول طاولات خشبية مستديرة لقراءة الصحف والدوريات اليومية، شباب ومراهقون يبحثون في أفلام السينما وأسطوانات الموسيقى وألعاب الفيديو، طلبة وقراء ومثقفون ينتشرون بين أقسام المكتبة يبحثون عن ضالتهم من الكتب والمراجع، أشخاص يستخدمون أجهزة الحاسوب لأغراض متعددة، مهاجرون حديثون إلى المدينة يحاولون التعرف على الأماكن جغرافيًا وخدميًا عبر قسم الخرائط والأدلة. الخ.

15 علامة تدل على انك مدمن للقراءة !

ما يميز خدمات المكتبات هنا ليس فقط شموليتها وإنما سهولة الحصول عليها، فالمكتبات ليست أماكن مستعصية على الدخول أو الوصول إلى خدماتها بسبب إجراءات روتينية معقدة. بضعة دقائق هو كل ما تحتاجه لاستصدار بطاقة اشتراك إلكترونية تفتح لك أبواب كل الخدمات، وحتى من دونها لا يصعب تلبية احتياجاتك مع فريق كبير من الموظفين المبتسمين والمنتشرين في كافة الأقسام لمساعدتك.

بالنسبة لمقرات المكتبات في بريطانيا فيمكن القول أنها منتقاة بشكل دقيق على كافة المستويات، فهي تقع في مراكز المدن والمناطق وتمتد داخل أبنية تاريخية ضخمة تشترك فيها أو تجاور المتاحف الوطنية أو المسارح أو معارض الفنون أو فعاليات ترفيهية تثقيفية على غرار معرض للحيوانات البحرية (الأكواريوم) مثلاً.

hdr-national-art-library-415

إن اختيار مقرات المكتبات وفق تلك المعطيات يمنحها ما يصح تسميته (ترويجاً مجانياً) يمتد على مدار العام، فزوار الفعاليات التي تحيط بالمكتبة أو تشاركها البناء يتوقفون عند المكتبة ولو من باب الفضول، وكذلك زوار المكتبة يبدون الاهتمام ذاته بتلك الفعاليات.

10 أسباب توضح لك لمـاذا عليك أن تكون قارئاً نهماً !

من جهة أخرى تمنح هذه المقرات المكتبات فرصة استغلال خدمات تلك الفعاليات التي تجاورها لتنظيم أنشطة تعزز من حضورها كمركز ترفيهي وتثقيفي وتعليمي، حيث تحفل المكتبات هنا بالعديد من المعارض الفنية والدورات التعليمية والاحتفالات الموسيقية والمسابقات الفكرية والثقافية.

وتعد الفعاليات التي تحتضنها المكتبات هنا أحد أبرز مواطن قوتها ليس فقط على مستوى الترويج لنفسها، وإنما على مستوى المساهمة الفعالة في خلق الفرد المثقف والقارئ الذي يعد السبب الرئيسي لوجودها، وهنا تتكشف المعادلة الحقيقية بين المكتبات والأفراد في أي مجتمع كان، فبقدر ما تستطيع المكتبات مواكبة تطورات حاجة الأفراد للمعرفة بقدر ما تضمن لنفسها البقاء والاستمرار.

ربما يكون تحقيق هذه المعادلة في بعض الدول العربية اليوم أمرًا صعبًا، حيث تئن المكتبات هناك بين فكي أنظمة مستبدة معادية للثقافة وزحف بربري داعشي يرى في المكتبات كفرًا وزندقة، ولكن ماذا عن تلك الدول التي تنعم باستقرار نسبي بعيدًا عن رياح الربيع العربي، هل يمكن أن تأخذ المبادرة وتؤسس لمرحلة جديدة تلعب فيها المكتبات دورًا في إحياء حاجة القراءة داخل عقول مغيبة لسنوات طويلة؟

5