هادم اللذات في الأدب.. من أول قصة في التاريخ إلى جائزة البوكر

هادم اللذات في الأدب.. من أول قصة في التاريخ إلى جائزة البوكر 6
1

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

منذ عرفنا التدوين والأدب، يظل الموت بقوة بين سطور الملاحم والروايات والأشعار والمسرحيات، مبرزًا صدمة الكائن العاقل الذي وعى زواله وفناءه، الصدمة التي لم ولن تزول ما طال عُمر الإنسان على ظهر البسيطة ومهما زادت قوته.

ثم شهد الأدب أعمالًا روائية كاملة فائقة الروعة والنضج تتخذ من الموت تيمتها الرئيسة، دعونا إذن نلقي نظرة وافية ناقدة على أهم هذه الروايات التي بدأت بالخط المسماري على ألواح الطين وانتهت في القائمة الطويلة لجائزة البوكر في العام الماضي.

ملحمة جلجاميش.. شين إيقى أونيني – بين 2750 و 2350 ق.م

1

صار صديقي الذي أحببته تراباً، ثقل على صدري عبء الفاجعة فرحت أسأل نفسي هل يُمكن أن أصبح مثله طيناً من طين الأرض؟ أو لن أصحو أبداً من رقدتي الأبدية؟

يراها الكثيرون أول قصة مدونة في تاريخ الأدب، اكتشفت في سومر جنوب بلاد الرافدين بالعراق حيث مهد أقدم الحضارات في التاريخ، على اثني عشر لوحاً طينياً خط المؤلف المجهول شين إيقى أونينى الملحمة الأكمل والأروع بين مثيلاتها من الملاحم الأخرى، إذ تحدثت عن الموت والخلود والجبروت البشري ونقيضه بشكل فني ناضج و بديع.

يشهد جلجاميش ملك أوروك – العراق وقتها – موت صديقه المقرب ( إنكيدو ) أمام عينيه المذهولتين، كيف للموت أن يهزم القوة والصحة والشباب، فعلها مع صديقه الذي يماثله بأساً فماذا عنه؟ إن دوره قادم لا محالة، ويرفض الملك المكلوم دفن الميت حتى خرج من جثمانه الدود، هنا يقرر جلجاميش البحث عن الخلود بلا انتظار، يرفض كل محاولات إثنائه عن قراره بالاستمتاع بالحياة واغتنامها ، ويكمل رحلته نحو الخالد الوحيد في الكون ( أوتنابشتيم ).

كان هذا الخالد في الملحمة هو نفسه النبي نوح عليه السلام، نال الخلود بعد الطوفان مع زوجته، وكما هو متوقع تفشل محاولات جلجاميش كلها في مسعاه نحو الخلود، غير أنه يدرك الوسيلة الوحيدة لبقاء سيرته وخلودها في الدنيا من بعده، بأسلوب بالغ الرقي والشاعرية نعيش فاجعة كل إنسان قوي عرف أن الموت أقوى.

درسوا الطب ولكن.. أبدعوا في الأدب!

موت إيفان إيليتش.. ليو تولستوي – 1886

2

اكتشف إيفان إيليلتش أن حياته النمطية البسيطة ليست سوى حياة سيئة … مريعة

بلغ الوجيه إيفان إيليتش في سلم القضاء مبلغه، يتعامل مع من حوله بتلقائية أقرب إلى القسوة والبرود، هو الإنسان النمطي الطموح الذي يسعى للأفضل، لديه زوجته وأولاده وكل شيء على ما يرام، حتى داهمه الموت البطيء بلا إنذار، فيكتشف القاضي المرموق خدعة عمره وأعمار كل البشر، الكل يحتضر. الكل إلى زوال وانتهاء.

رواية مفعمة بتأملات صريحة للعملاق الروسي صاحب أنا كارنينا، نرى فيها تكالب البطل الأحمق خلف ما يفنى فيها، ففي لحظة واحدة أدرك أنه يفقد كل شيء، وأثناء احتضاره الطويل نرى كيف أهمله من حوله كأنه مات بالفعل، الزوجة والأولاد، كان يعاملهم كمجرد أسماء وأشياء في حياته، لم يعطهم شيئًا سوى وجوده الفارغ، فلم يمثل لهم موته شيئًا وتخففوا جميعًا من سيرته وحمله.

يموت إيفان تاركًا المتصارعين على منصبه، لم يواسيه سوى خادمه الريفي، وظل يعاني مرارة الرحيل بعدما عرف الحقيقة متأخرًا، قصة صادمة عن الحياة والموت والطموح، والعبث الذي يبدو مسيطرًا في آونة كثيرة على مجريات حياتنا النمطية السخيفة، بلا اعتبار لحقيقة الحياة ذاتها وماهيتها.

السقا مات.. يوسف السباعي – 1952

3

ليست هذه العظام أنقاضاً كأنقاض الدمن، إنها قد تكون كذلك، لو لم يكن في صدورنا فؤاد يخفق وقلب يدق وينبض .. أما وهذه تكمن في حنايانا .. فما أعز البقايا وما أكرم الأنقاض .. إنها آثار عزيز غاب، ودلائل حبيب فقد..

ماذا نفعل نحن البشر حين نفقد عزيزاً بلا عودة؟! كيف نصبر أنفسنا والصبر عزيز هو الآخر في نيله؟! أنلوم الموت نفسه، أم نلوم القدر … نلوم الدنيا؟! أيعيب علينا أحد نفورنا من الموت أو استثقال سيرته وما يمت إليه بصلة؟!

العمل الأقوى والأنضج والأرقى ليوسف السباعي رحمه الله، فيما يعرفه الجمهور بأنه فارس الرومانسية وحسب، نجد له درراً فلسفية بديعة تستحق العالمية بجدارة، منها أرض النفاق الشهيرة، ثم السقا مات التي أعتبرها شخصياً أكمل عمل أدبي عن الموت في تاريخ الأدب، وأرى أنها لم تنل حقها من الجوائز  والشهرة، ربما لقتامة موضوعها ونغزه الأليم لكل إنسان.

المعلم شوشة السقا بطل القصة يفقد زوجته الشابة بعد ولادة متعسرة، فيمضي حياته ثاكلاً نائحاً لا يبغي شيئاً إلا الصبر، أو التصبير الذي يستجلبه بتزيين مدخل داره بآيات البلاء وفقد الأنفس وجزاء الراضين بالقضاء، الموت بالنسبة له صار لصاً، سرق منه عمره ولم يدع له سوى ولده الذي نجا بعدما فدته أمه.

 يقابل المعلم صديقاً جديداً يكتشف أن عمله أصلاً يقوم على الأموات والجنازات، فينفر منه بداية وينأى بحزنه المكظوم، ففيه ما يكفيه، ورغم محاولات الصديق للتهوين والتسرية عنه، يظل المعلم على حاله حتى يموت الصديق نفسه بغتة! ويجد البطل نفسه يلعب دور صديقه الراحل في الجنازات وبين الأموات.

لن أحرق لكم حبكة الرواية البديعة خاصة مشهد النهاية المؤثر المفاجئ، الرواية دراسة شائقة لنظرتنا للموت، دور الروح والجسد في حياتنا، تعاملنا مع صروف الزمن وتقلباته، للأسف كانت وجهة النظر للكاتب مادية إلى حد كبير، لكنك لن تنتهي من الرواية إلا وقد تشبعت بحكمة جليلة وعاطفة جياشة تجاه تيمة الموت الصعبة في حياتك.

رحلة في عالم يوسف السباعي

حديث الصباح و المساء.. نجيب محفوظ – 1987

4

الصبح طفل بريء .. ومساه يبان تجاعيد – وفوق طريق الأيام .. تمضي الحياة مشاوير – ونشوف ملامح الزمن .. متعادة في المواليد – وأحنا البشر كلنا ..أعمار ورق بيطير

 بهذه الكلمات العامية ينتهي العمل الأشهر عن الموت على الشاشة الصغيرة، بعدما قدمه السيناريست الراحل محسن زايد في مسلسل أسطوري يحمل الاسم ذاته، وشدت القديرة أنغام بكلمات الشاعر فؤاد حجاج البديعة في مقدمة المسلسل ونهايته، يعيشون…يتزوجون…يلدون…يموتون! يحلمون بالأنس والجن، بهذه الكلمات نختصر واحداً من أفضل مئة مسلسل عربي.

رغم أن الرواية ذاتها لم تتحدث عن الموت صراحة، لكنه يطل بين صفحاتها قاطبة بوضوح أو بإيهام، نحن هنا أمام ملحمة أدبية أخرى كالتي استخدمها محفوظ رحمه الله في رائعته الأشهر ( الحرافيش )، شجرة عائلة تبدأ مع الثورة الفرنسية وتمتد حتى نصر أكتوبر 73، كتبها صاحب نوبل بإيجاز ممتاز لا يخل بتسلسل تاريخ مصر أو تاريخ العائلة.

الكتاب محض سير أشخاص عاديين مثلي ومثلك، لكن مفارقات الحياة والقدر، الموت الحاضر بقوة، الصراع الطبقي الذي يؤول للمصير ذاته في النهاية، كل هذا يجعل الكتاب وجبة ممتعة لن تتخلى عنها بسهولة، فترى حديثاً واحداً ثابتاً، مهما اختلفت الحياة نفسها بين الصباح والمساء، وبأسلوب محفوظ العتيد يغدو السرد النمطي التاريخي آية في الروعة والقوة.

الأدب النسائي حين يكتبه الرجال

منافي الرب.. أشرف الخمايسي – 2013

5

القبر منبع الذِّكرى، والدَّفن حياة، يبقى الإنسان حياً في ذاكرة الأحياء بكامل هيئته وصورته طالما هو مدفون في قبر

هنا قد لا نتحدث عن الموت صراحة أيضاً، لكننا – بشكل أوضح – نعني كواليسه وتبعاته، الدفن بالخصوص، كيف يعمر الإنسان الأرض و يترك فيها ما ترك من ذاته وآثاره ثم يكون مصيره الغياب عنها؟! يتساءل البطل مستنكراً: كيف تواتيهم الجرأة لدفني أسفل الأرض بعدما عشت فوقها و وطئتها مراراً؟! مع أحداث جانبية عن فقد الأحبة وترويع القدر للإنسان.

هكذا يعرض الخمايسي أفكاره في منافي الرب، روايته الأبرز بوصولها للقائمة الطويلة للعام 2014، يرفض بطلها ( حجيزي ) الذي ناهز المئة عام أن يقبروه كالآخرين، رحل عنه جميع الصحب لكنه يصر ألا يترك الأرض مثلهم، فيفعل ما يفعل حتى تفوح منه رائحة طيبة لا تأنف منها أنوف ذويه، فلا يضطروا لدفنه، ويتولى أمر تآكل الجسد بأن يجعل لحمه مٌراً كالصبار، فلا يسيغه الدود ويتركه سليماً كالأنبياء، فليبقى جثة بلا حياة على ظهر البسيطة، لكن لا دفن و لا قبر.

تتعرض الرواية للدين كثيراً، الإسلامي والمسيحي بحسب رؤية أتباع الدين للدين، كيف سيفيق حجيزي من وهمه؟! وهل سيفهم ماهية الدفن والقبر، هذا ما سأتركه لكم في رواية حوت من اللغة المتماسكة والأسلوب الأدبي الشيء الكثير، لكنها في الوقت ذاته كانت أكثر قصص هذه القائمة مغالاة في التفاصيل الجنسية الحميمة بما لا داعي له كأغلب أعمال اليوم.

هكذا تعددت القصص والروايات .. والموت واحد ! وماذا عنكم ؟! أي هذه الأعمال راق لكم أكثر من غيره، وهل قرأتم أعمالاً أخرى بديعة و مؤثرة عن الموت تدلونا عليها؟

1

شاركنا رأيك حول "هادم اللذات في الأدب.. من أول قصة في التاريخ إلى جائزة البوكر"

أضف تعليقًا