قضايا فِكرية ومُجتمعية خارج السياق.. تشغل واقعنا العربي – تقرير

قضايا فِكرية ومُجتمعية خارج السياق.. تشغل واقعنا العربي - تقرير 4
3

لا يقاس غنى المجتمع بكمّ ما يملك من أشياء، بل بقدر مافيه من أفكار

قد تستطيع التحدُث عن شخصية تاريخية فذة، أو التحدُث عن ظاهرة علمية جديدة، تستطيع لفت الأنظار بالأخبار المتعددة المصادر، يمكنك أن تصبح بطلاً أو موهوباً حين يسود الجهل في كُل ما حولك، لكن يبقى الاختيار الأصعب والأكثر خطورة وجدلاً هو تفسير، ووضع حلول لقضايا المُجتمع هذه، تلك التي لا تنتهي..

والواقع، أن ما أقوم بكتابتة هي قضايا غير مرتبة، ولكنها لن تحتاج عناء الفهم لمن يقرؤها، ويرجع هذا لأنها مراحل نعيشها جميعاً في واقعنا، ورغم اختلاف الموضوعات التي قد أتناولها، لكني أعدُك أن تخرج بأفكار جديدة، قد تكون أساساً للتغيير الجاد لأشياء فكرت أو لم تُفكر بها من قبل.

حالة اليأس الممزوجة بالامبالاة لشبابنا العربي، وثقل الموضوعات، والقضايا الاجتماعية وظروف المعيشة، وأوضاع بلادنا العربية، والبعد الزمني بين الشرق والغرب، والاغتراب من كل ما حولنا، والفجوة بين الحقيقة التي نعيشها والخيال الذي صنعناه لأنفُسنا ساقتنا لحالة هروب مستمر من الواقع ..

الأمر بدأ حين قطعت مدة زمنية أقضي فترات تأمُل مستمرة لأقراني من أبناء العشرين في صمت، لم أكن أتابع أشخاصاً بعينهم أو آراء ولا حتى أفكار، كنت أتابع من أعرف ومن لا أعرف في لحظات تأمُل جادة تسعى للتغيير الفعلي في كل مكان، بدءاً من وسائل التواصل الاجتماعي وحتى المواصلات العامة واليومية..

القضية الأولى : هالة الانعزال

1

كانت حالة الانعزال المريبة التي أصابتنا أول ما لاحظت خلال فترة التأمُل حول قضايا المُجتمع، بدأت في البحث حول تلك الهالة التي صنعناها لأنفُسنا، بالفعل بدأت من العلوم النفسية، وقعت عيني على جزء في كتاب ( المدخل إلى التحليل النفسي ) لعالم النفس سيغموند فرويد في تفسير لهذه الحالة بما يُعرف بالـ (Escapism \ الهروب )، أدركت من خلاله أن الهروب حالة طبيعية يمر بها الفرد كوسيلة من آليات الدفاع عن النفس، والتي تجعل الفرد يخلق عالماً موازياً للعالم الواقعي، عالم بلا قواعد أو تحكمات، عالم يكون المرء فية هو الملك، حيث يستطيع تحقيق ما فشل في تحقيقة في الواقع.

في الواقع، لستُ بصدد تحليل نفسي، أو عرض نموذج مشوق نعيشة جميعاً، وإنما بصدد عرض تطور هذه الحالة في مجتمعنا حتى أصبح نسبة كبيرة تعيش في سينما نفسية طوال الوقت، وهالة انعزال تعرف طبقاً لهذه النظرية بالـ ( fantasy prone personality )، حالة من الخيال المُفرط، والهروب الدائم من الحقيقة التي عجزنا أن نعيش فيها ما أردناه حقاً..

والواقع، الأمر أبعد ما يكون عن كونه مجرد حالة فردية، أو ظاهرة مجتمعية عابرة قد تستهلك طاقتها الزمنية لتنفذ، الأمر وصل حد عقدة نقص تُغطي الوعي طوال الوقت بالتصورات، حالة الهروب التي أقصدها لم تقتصر على بُعد نفسي فقط، وإنما كذلك على بُعد عقلي وعصف ذهني من خلال العيش في عالم السنيما والأغاني، ووسائل التواصل الاجتماعي في أغلب أوقاتنا بلا أي عائد أو إفادة حقيقية تُجنى..

صديقي القارئ، نحنُ لا نملك أوقاتنا، علينا أن نتخلص من حالة الاستنزاف الفكري تلك، والحل يكمُن في المعرفة النفسية، أو الدراية الفردية، أو النباهة الموجودة عند الفرد، بالنسبة لنفسه، هي فوق معرفة الفلسفة والعلم والصنعة، هذه المعرفة كفيلة أن تُخرج أجيالاً ذات طاقات نفسية حقيقية لا مُجرد نُسخ بشرية أو آلات، أجيال على دراية تامة بتلك الحالة تستطيع أن تكون سويّة ومُتزنة بالقدر الكافي.

القضية الثانية : فقدان الهويّة والتقليد الأعمى

2

الأمر لم يتوقف فقط حد اللامبالاة والانعزال، بل تعدى في نسبة ليست بالقليلة إلى الانعزال مع التقليد الأعمى للنموذج الغربي، هذه الظاهرة كانت مخيفة جداً إذا ما قورنت بسابقتها..

الحضارة لا يمكن استيرادها من بلد إلى آخر رغم استيراد كل منتجاتها ومصنوعاتها، لأن الحضارة إبداع، وليست تقليداً أو استسلاماً وتبعية كما يظن الذين يكتفون باستيراد الأشياء التي أنتجتها حضارات أخرى .. بعض القيم لا تباع ولا تشترى، ولا تكون في حوزة من يتمتع بها كثمرة جهد متواصل أو هبة تهبها السماء

كقاعدة عامة : ليس كل ما عند الغرب مرفوضاً لمجرد أنه آتٍ من الغرب، وليس كل ما عند الغرب مقبولاً لمجرد أنه آتٍ من الغرب.

هي معادلة يتعمّد العربي وضع نفسه بين قوسيها، لم يكتسب من الغرب جلده على العمل، ومثابرته وعبقريته التنظيمية، ونظرته العلمية في حل مشاكله ونظرته المستقبلية البعيد، انهارت عملاته، تخاذلت مواقفه السياسية، وملأت الرشوة مكاتب موظفيه.. وضاعت فلسطين وبلاد أخرى من بلاد المسلمين عرضة للضياع..

والحقيقة، ما لفت انتباهي لحالة التقليد الأعمى أمر ليس له علاقة بهذه الظاهرة بالأساس، الأمر كان حول اللكنات واللغات وطريقة النُطق، بينما كنت بصدد قراءتي لشيء كثيراً ما كان يراودني التساؤل عنه..لكن جدير أن يُذكر ..

لماذا تظهر اللكنات على ألسنة أصحابها، ولماذا لا نستطيع أن نتعلم ونلفظ أحرف أي لغة غريبة عنا كما يلفظها أهلها؟

كُنت قد قرأت في مجلة WIRED العلمية موضوعاً يتناول اللكنات التي تلتقطها أذنك سريعاً حينما تسمع أحدهم يتحدث لغةً غير لغته الأم، كاللكنة المصرية حين التحدث بالإنجليزية أو غيرها.

والواقع أنّ الأمر جد يستحق التفسير، إن قدرتنا على لفظ الأحرف كما نسمعها تماماً تتضاءل تدريجياً كلما كبرنا عمراً، حيث أن دماغ الإنسان يكون متيقظاً تماماً في الأشهر الأولى ليكوّن بنكاً من الأحرف الصوتية أو ما يسمى بالـ  phonemes، ثم يبدأ الدماغ بالانشغال بأمور أخرى ويتوقف تدريجياً عن إدخال أحرف صوتية جديدة.

إذ أن ما يحصل في الحقيقة حين تحاول أن تتعلم حرفاً صوتياً جديداً هو أنك حين تقوم بتلفظ الحرف الصوتي كما هو، يحاول دماغك أن يقرب الحرف الصوتي الذي تحاول تعلمه إلى أقرب مزيج من الأحرف الصوتية التي تعرفها من لغتك الأم.. وهنا تماماً تظهر آثار لكنتك واضحة للعيان.

هذا المزج الذي يقوم به دماغك بين “ما يعرف” لينتج صورة تقريبية لـ”ما لا يعرف” ليس محصوراً على تعلم اللغات فقط وإنما يمتد أيضاً لكل ما تراه جديداً – غالباً.

 عودة للنقاش الأساسي حول فقدان الهويّة ..

في الواقع، هذا المقال ..بشكل غير مقصود كان سبباً لما لاحظت من حالة التقليد الأعمى لكُل ما هو جديد خاصة من العالم الغربي..

وهنا نحنُ بصدد شرح مشهدين متناقضين جداً من حيث المظهر، متشابهان جداً من حيث الجوهر!

المشهد الأول: مع بدايات القرن الماضي انتشرت في العالم العربي حملة التغريب، رأى البعض أن خلاص الوطن العربي يكمن في التشبه بأوروبا/الغرب، ونسخ الحضارة الغربية ولصقها في مجتمعاتنا.

 حسب تقييمهم، كان الغرب قد وصل إلى قمة الحضارة ونحن ما زلنا في أسفل الهرم، فكان منطقياً – من وجهة نظرهم- أن نقتبس ما وصلوا إليه.

مشكلة هذه المقاربة أنها ركزت على منتجات الحضارة الغربية لا على الحضارة نفسها، فقد افتتنت بالمال والحريات والطفرة المادية أكثر من احتفائها بـ”التجربة” الغربية وتطورها.

اكتفى هؤلاء بتقليد المنتج، بدل الاهتمام بالمنهج، وغاب عنهم الاختلافات الكبيرة بين الواقع الغربي والواقع العربي بشكل يجعل التقليد جريمة بحق محاولات النهضة في المنطقة.

المشهد الثاني: في مواجهة ذلك، وعلى النقيض منه، كان هناك اتجاه، وما يزال، يتجة لتقليد السلف والنقل الحرفي من كُتب التاريخ، والقاعدة المنطقية – في نظره أصحابها- تقول أنه لن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أولها.

مشكلة هذه المقاربة، مرة أخرى، أنها سعت لتقليد المنتج (القول والفعل والفتاوى) دون الاحتفاء بالمنهج، حتى وصل الأمر إلى أن قدّس البعض مقولات العلماء الذين اشتهروا اكثر ما اشتهروا بـ”الاجتهاد” المختلف عن سابقيهم.

بينما كان بإمكان معاصرينا تقليد “منهج” التفكير وفهم المشاكل واستنباط الحلول، لكنهم فضلوا، استسهالاً أو إساءة فهم، نسخ الأقوال والكتب والفتاوى.

القضية هنا كانت أننا نهب الشخصيات التاريخية مسحة من الألوهية (خاصية الفوقية عن الزمان والمكان) متناسين أن كل عظماء التاريخ بما فيهم الصحابة والتابعين وغيرهم من الشخصيات غير الإسلامية، كانوا جميعهم ينتمون لثقافة زمانهم ومكانهم، كجميع البشر بطبيعة الحال.

هذه الطريقة الخوارقية في التعاطي مع شخوص التاريخ وأحداثه تجعل أبصارنا متمركزة نحو الماضي محاولين أن نستخرج ونستخلص حلولاً لمشاكل الحاضر، وكأن الماضي نبع لا ينضب من الحلول لكل مشاكلنا، متغافلين بوعي أو بدون وعي عن الكم الهائل للمتغيرات التي طرأت كانت ثقافية أو اجتماعية أو سياسية. بعبارة أخرى، هذه طرق لن تكون مجدية لعدم واقعيتها وستجعل أي عملية مقاربة أو فهم عسيرة على العقل.

في الواقع، مشكلة الطرفين مشكلة واحدة في الحقيقة وهي محاولة تقليد تجربة ناجحة، لكن تقليدها في زاوية خاطئة.

إن اختزال أي تجربة بمنتجاتها المادية أو المعنوية، دون النظر في تاريخها وصيرورتها، ودون البحث في طريقتها في التفكير والتصرف، هو اختزال أكثر من مخل.

وحتى نكون موضوعيين، أعتقد أن البداية تكون من رفض فكرة التقليد الأعمى والاعتراف بأنها فشلت، لا الغرب تحكم في شعوبه ولا نسخ حضاراتنا حين كُنا بالمقدمة.

بل جعلنا ندفع نحن شعوب العالم الثالث التي استعمرها -ولا يزال- فاتورة صناعته وتقدمه العلمي من دفن النفايات النووية في أراضينا للتجارة في الأعضاء التي تحكمها مافيا عالمية؛ للاتجار في البشر وعودة العبودية، للحروب التي تقع على أراضينا للهيمنة على الموارد والسيطرة على مفصلات العالم الاقتصادية… كل ما تحكّم فيه الغرب هو روحنا ومؤسساتنا التعليمية وخيالنا الفردي الذي يحلم بالحلم الأميركي، وتذهب كوادره العلمية والعسكرية لعواصم الامبراطورية..

إن تحرير الخيال من نهج التقدم الغربي (مع التعلم قطعاً من مسيرة الأمم والسير والنظر والتدبر ) ومراجعة فكرة أن التجربة الغربية ماضيها هو مستقبلنا ..وأمسها هو غدنا إذا أردنا نهضة حقيقية.

ذاك الخيال السائد منذ عصر التنظيمات في ظل الدولة العثمانية وحلم محمد علي وخلفاؤه بصدد نهضة مصر، هذه هي المقدمة والأرضيه المطلوبة كي نفُكر في هدوء ونخرج من نزاعات علمانية أم دولة دينية، رأسمالية أم اشتراكية أم مزيج، المجتمع العضوي المتضامن أم مجتمع الأفراد، لأنها كلها خيارات مستحيلة وعليلة وسقيمة وتحتاج لرؤى جديدة وبديله.

نظرية التطور .. بين العلم والدين والمجتمع !

القضية الثالثة : هوّس التصنيف وإطلاق الأحكام، واحتكار الصواب

3

ليس كُل مُخالف مفارق للمنهج، ولو سكت من لا يعلم لسقط الخلاف

أكثر القضايا التي تستحق النشر على نطاق واسع في بلادنا ومجتمعاتنا بشكل عام.

هذا عميل، وهذا دخيل، وهذا منافق، وهذا صاحب أجنده، وهذا مأجور، بينما أنا الفصيل الوطني المُخلص!

إطلاق الشتائم على المخالف في الرأي أو الموقف أو تصنيفة في خانه أيدولوجية، تُتيح استباحة عرضة بالطعن في دينه، وكرامته باتت سيناريو مُكرر تختبئ خلفة الحقائق..

ببساطة ..إن نزع الشرف عن أحدهم لا يُزيد مساحتك كرامة، فما أسهل نقد الخصوم والفوز بالتصفيق، وما أصعب إصلاح الصفوف..

هل جربت أن تجلس مع مخالفك؟ هل جربت أن تسعى له سعياً لتستمع منه وتتعرف عليه شخصياً؟ تُنصت وتناقش وتفكر وتعود أكثر حلماً وأعمق فهماً وأشمل رحمة؟

للخصومة شرف، والكريم من لزم الأدب وأعرض عن عرض خصمه، وحافظ على معركتُه الحقيقية.. وترّفع!

والتعميم آفة الفكر، وسبب ضحالة الرؤية، إن أحد أهم مشكلاتنا هي تعميم الأحكام لمجرد خطأ البعض بدلاً من الاستناد إلى معايير تقييم موضوعية عاقلة.

فما بين الحزم والطغيان، والدفع والعدوان، والعزة والكِبر، والقوه والبطش، والقصاص والثأر.. مسافة دقيقة!

والواقع أن أغلب التصادمات الفكرية نابعة من التعميم وقلة معرفة الآخر جيداً، فمثلاً ليس كُل إسلامي متشدد، وليس كُل ليبرالي علماني مُلحد، فلا يجب أن نطعن في إيمان إنسان دون بينة واضحة أو اعتراف منه بذلك، ويجب أن نُفرق بين الخلافات الفكرية وممارستها، مع الإيمان بلعبة الديموقراطية، فالشعوب لا تنتظر أن نحل خلافاتنا كمثقفين، ولكن تريد حلولاً علمية لمشكلاتها.

بالإضافة أن الكارثة تكمُن في مفهوم كل شخص للكمال، مفهوم أنه على صواب دائماً، حتى المثقف قد يرى نفسه مشبعاً بالعلم، وينال دراسات عالية، ويكتسب معلومات واسعة ورفيعة، ويرى أساتذة كباراً وكتباً مهمة، ويجد الآراء والنظريات البديعة ويتعلمها، يجد في نفسه رضى وغروراً، ويظن أنه بلغ من الناحية الفكرية إلى أقصى ما يمكن أن يبلغه الإنسان من الوعي.

وهذا انخداع يبتلى به العالم أكثر من غيره، إذ لا يظن الأستاذ، أو الفيزيائي، أو الفيلسوف، أو الصوفي الكبير، أو الأديب، أو المؤرخ أنه يمكن أن يكون لا شيء من الناحية الفكرية، وأنه في مستوى العوام أقل شعوراً. وحتى الأمي الذي لم يأنس الخط أرقى منه منزلة في الدراية الشخصية، وفي معرفة المجتمع، ومعرفة الزمان لكنه كذلك.

إن كون العالم جاهل وبقاء المثقف عاطل عن الشعور، أو إعطاءه العناوين والألقاب البارزة، كالدكتور والمهندس والبروفيسور وأمثالهم لحالة مؤلمة جداً، فيما إذا كان فاقداً للفهم والنباهة والشعور بالمسؤولية تجاه الزمان، وحركة التاريخ التي تأخذه معها هو والمجتمع.

علينا أن نُدرك أن الأوطان لا تحتاج لاتفاق كامل، تحتاج حكم الاتفاق على الحد الأدنى، البعض يصل له بعهود ودساتير، والبعض يصل له بنفس الطريقة ولكن بعد تناثر الأشلاء..

3

شاركنا رأيك حول "قضايا فِكرية ومُجتمعية خارج السياق.. تشغل واقعنا العربي – تقرير"