0

إن أي مؤلف لا يكتب “للناس جميعاً” وإنما لمجموعة محددة من البشر، وكل كاتب -في تصوري- يحتاج إلى جماعة من القراء تتوافر فيهم عدة شروط: أن يكونوا مهتمين بالقضية التي يتناولها، وأن يكونوا على مستوى فكري يمكنهم من الحكم على أعماله فلا يكيلوا المدح دون حساب أو مقياس، وألا يكونوا من الحاسدين الحاقدين، مثل هؤلاء يمكنهم توجيه النقد للمؤلف داخل إطار من الصداقة والتقبل المبدئي، ويعطيه قدراً من الشرعية، فهذا يشد من أزره، والحوار الدافئ الذكي يولد في نفسه الثقة فيزداد الإبداع.

والواقع أن ما أكتب عنه هو موضوع إنساني من واقع الحياة وتجاربها، إن لذة الخير وقضاء حوائج الناس شيء يستحق أن نقف ساكنين أمامه، أن تسعى لنشر ما هو صواب في نظرك، أن تدفع حياتك ثمناً لما تؤمن به بلا أي إشفاق او التفات لإغراءات العالم من حولك، أن تكون شمعة تحترق لتخلق النور في حياه الآخرين، قضية تستحق أن تُدرّس على مر العصور، وثقافة يجب أن نُرسخها في منهج التعامل بين البشر..

إن أصدق لحظات المرء هي التي تحمل في طياتها إحساسه بالضعف والافتقار للتصرف حيال أمر يشغله أو محنة يمر بها، هذا على النطاق الشخصي، فماذا يكون تصورك عن شخص حمل هم أُمة من حوله، شخص قطع على نفسة عهداً أن يمُر ..فيقولوا “مر، وهذا الأثر “..

عبد الرحمن السميط في سطور

عبد الرحمن السميط

داعية كويتي ومؤسس جمعية العون المباشر، أسلم على يديه أكثر من 11 مليون شخص في إفريقيا بعد أن قضى أكثر من 29 سنة ينشر الإسلام في القارة السمراء قبل أن يصبح ناشطاً في العمل الخيري.

كان طبيبا متخصصاً في الأمراض الباطنية والجهاز الهضمي، حيث تخرج من جامعة بغداد بعد أن حصل على بكالوريوس الطب والجراحة، ثم حصل على دبلوم أمراض مناطق حارة من جامعة ليفربول، واستكمل دراساته العليا في جامعة ماكجل الكندية متخصصاً في الأمراض الباطنية والجهاز الهضمي.

نال السميط عدداً من الأوسمة والجوائز والدروع والشهادات التقديرية مكافأة له على جهوده في الأعمال الخيرية.

تعرض في إفريقيا لمحاولات قتل مرات عديدة من قبل المليشيات المسلحة بسبب حضوره الطاغي في أوساط الفقراء والمحتاجين، بالإضافة إلى مشقة ما لاقاه في إفريقيا، تعرض في حياته لمحن السجون وكان أقساها أسره على يد البعثيين.

قضى ربع قرن في إفريقيا، وكان يأتي للكويت فقط للزيارة أو العلاج، كما مارس الدعوة في كل من الأسكيمو والعراق، كانت سلسلة رحلاته في أدغال إفريقيا وأهوال التنقل في غاباتها محفوفة بالمخاطر، وذلك بتعريض نفسه للخطر لأجل أن يحمل السلام والغوث لإفريقيا بيد فيها رغيف ويد فيها مصباح نور وكتاب، وسلاحه المادي جسده المثخن بالضغط والسكر والجلطات، وأما سلاحه هو الدفاع عن المستضعفين وقضاء حوائجهم.

استمر السميط يعمل في الدعوة بعد أن طعن في السن وثقلت حركته وأقدامه رغم إصابته بالسكر وبآلام في قدمه وظهره، وفي أواخر سنواته استحالت حالته الصحية غير مستقرة وأخذ يعاني من توقف في وظائف الكلى واستمر على تلك الحال حتى توفي يوم الخميس 15 أغسطس 2013.

شارك السميط في تأسيس ورئاسة جمعية الأطباء المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، وهو مؤسس في المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، ساهم في تأسيس فروع لجمعية الطلبة المسلمين في مونتريال وشيربروك وكويبك بكندا بين العامين ولجنة مسلمي إفريقيا وهي أول مؤسسة إسلامية متخصصة.

وكذلك لجنة الإغاثة الكويتية التي ساهمت بانقاذ أكثر من 320 ألف مسلم من الجوع والموت في السودان وموزمبيق وكينيا والصومال وجيبوتي خلال مجاعة عام 1984. وتولى أيضاً منصب أمين عام لجنة مسلمي إفريقيا منذ تأسيسها التي أصبحت أكبر منظمة عربية إسلامية عاملة في إفريقيا.

جولة سريعة في كتابه “رحلة خير في إفريقيا”

عبد الرحمن السميط

كان من أسباب اهتمام السميط بإفريقيا، دراسة ميدانية للجنة أكدت أن ملايين المسلمين في القارة السوداء لا يعرفون عن الإسلام إلا خرافات وأساطير لا أساس لها من الصحة، وبالتالي فغالبيتهم – خاصة أطفالهم في المدارس – عرضة للضياع الفكري والديني..

وقد نتج عن ذلك أن عشرات الآلاف في تنزانيا وملاوي ومدغشقر وجنوب السودان وكينيا والنيجر وغيرها من الدول الإفريقية اعتنقوا معتقدات وديانات مختلفة، بينما بقي آباؤهم وأمهاتهم على الإسلام.

ترك السميط حياة الرفاهية بعد حصوله على شهادة الطب وما تحققه هذه المهنة من دخل كبير وآثر حياة المخاطر من أجل نشر الإسلام القائم على التوحيد في قارة إفريقيا أفقر قارات العالم وأكثرها عدم استقرار بعد أن تحركت مشاعر الرحمة في قلبه.

فبسببه أسلم ملايين البشر في قرى نائية في إفريقيا، وبسببه سلطت الأضواء على ما تعانيه إفريقيا من فقر فهبت الشعوب المسلمة في مساعدتها، فأصبح اسمه مربوطاً بهذه القارة بعد أن نقل عمله من عمل فردي إلى عمل مؤسسي قائم..

تمثل أولاً في جمعية مسلمي إفريقيا التابعة للجنة النجاة الخيرية، ثم استقل بجمعية متخصصة لها صفتها الرسمية الخيرية أطلق عليها اسم جمعية العون المباشر. لم يتعذر السميط بالإمكانيات المتواضعة في بداية عمله الخيري بل غامر موقناً بأن العمل سيجلب له الإمكانيات التي ستعينه، ضارباً مثلاً في حب الدعوة ونشرها من خلال العمل الخيري حتى ولو كانت الشعوب المستهدفة شعوباً لا يفهم لغتها ولا يفهم عاداتها وتقاليدها.

كانت للسميط رؤية تتلخص في أن مواجهة المجاعات والكوارث في إفريقيا ليست مهمة الدول والصناديق الدولية فقط، بل هي أيضاً مهمة الأفراد الذين يساهمون بالقليل جداً من المال. بهذه القناعة اتجه السميط نحو الجماهير وفتح لهم باب المشاركة فيما كانوا يظنون أنه أكبر من طاقتهم.

أقنع السميط تلك الجماهير المانحة بأنهم ليسوا مجرد متفرجين، فالدينار الواحد والريال الواحد والدرهم الواحد والليرة الواحدة والجنيه الواحد والروبية الواحدة.. هذه المبالغ الصغيرة قادرة على تغيير قارة إفريقيا ونقلها من الضعف إلى القوة ومن الفقر إلى الغنى..

كثيرون كانوا يبتسمون عند سماعه ويعتبرونه مجرد شخص متحمس، وبعد مرور ثلاثين عاماً شُهد له بصحة تلك الرؤية، فهذه المبالغ الصغيرة أقامت الجامعات والمدارس وأغاثت مجاعات لا حصر لها، وآوت في مراكز الأيتام مئات الألوف من الأطفال الذين يكونون اليوم جيلاً كاملاً في 28 دولة إفريقية.

كما كان يرى أن العمل التربوي من أهم الوسائل التي تحقق الهدف في بناء الإنسان، وأن تغيير الأوطان يبدأ بتنمية الإنسان وكانت هذه رسالة السميط التي عاش من أجلها ومات عليها.

مجموعة كتب قيّمة لا تهدر شبابك قبل قراءتها

كيف كان التطبيق لمنهجه

بدأ السميط عمله الخيري والدعوي والتنموي بدايات بسيطة في دولة الكويت حيث غلفه بطموحات كبرى، وكان ذلك في أواخر السبعينيات الميلادية من القرن الماضي، وكما هي العادة الدنيوية والنواميس الكونية للبدايات ففيها تكون التحديات والصعوبات والأبواب المغلقة..

ثلاثة أشهر من العمل الشاق والجاد والتواصل الكبير مع الناس في بلد غني مثل الكويت، ومع ذلك لم يستطع السميط إلا أن يجمع ألف دولار فقط، خاب أمله بالطبع ومع ذلك لم يرفع العلم الأبيض، ولكن غير الاستراتيجية فتحول من مخاطبة الأغنياء والأثرياء إلى مخاطبة الطبقة الوسطى هناك، وتحديداً الشريحة النسوية..

فكانت كنز السميط المفقود، ففتحت عليه أبواب الخير بعد ثلاثة أشهر عجاف، وانطلق بكل قوة نحو حلمه في تنمية وتغيير وتطوير القارة السمراء، ذلك المكان الموحش للبعض، ولكنه للأنفس التواقة التي تعشق التحدي والمغامرة وتطلبها، وكان ذلك النجاح الرهيب والمدوي بكل المقاييس.

فكانت كل أمواله يجمعها من تبرعات الناس العادية ولم يحصل على شيء من الدولة.

ترك السميط حياة الراحة والدعة والحياة الرغيدة وأقام في إفريقيا مع زوجته في بيت متواضع في قرية مناكارا بجوار قبائل الأنتيمور يمارسان الدعوة للإسلام بنفسيهما، دعوة طابعها العمل الإنساني الخالص الذي يكرس مبدأ الرحمة فيجتذب ألوف الناس لدين الإسلام ويعيشان بين الناس في القرى والغابات ويقدمان لهم الخدمات الطبية والاجتماعية والتعليمية..

بل زرع السميط حب العطاء وفن القيادة في من حوله، وكان من أبرز من التقط هذا المنهج حرمه أم صهيب التي تبرعت بجميع إرثها لصالح العمل الخيري، وهي أيضاً قائدة بارزة في مجالها، فقد أسست الكثير من الأعمال التعليمية والتنموية وتديرها بكل نجاح وتميز، وهي بدعمها ومؤازرتها أحد أسرار نجاحه أيضاً، وهذه أحد تفاعلات النجاح وخلطاته السحرية، حيث النجاح الجماعي حيث يكون التكامل.

كان السميط يركب السيارة لمده عشرين ساعة وأكثر حتى يصل إلى الأماكن النائية، وأحياناً يكون سيراً على الأقدام في الوحل والمستنقعات، تعرض للأذى هو وزوجته وأبناؤه كثيراً.

قطع السميط على نفسه العهد أن يمضي بقية عمره في الدعوة إلى الإسلام هناك ومساعدة الفقراء والمساكين، كان كثيراً ما يتنقل براً وقد سافر بالقطار في أكثر من أربعين ساعة بفتات الخبز، ويقوم بالزيارات التي يقطع فيها الساعات بين طرق وعرة وغابات مظلمة مخيفة وأنهار موحشة في قوارب صغيرة وصعوبات لا تُحتمل.

كلمات يسيرة يدخل بها أعداد منهم إلى الإسلام، كانت طرق الدعوة كثيرة ومتنوعة منها أنه كان يحمل معه ملابس ليقدمها هدية لملوك القرى تأليفاً لقلوبهم، والحلوى لأطفال القرى من أجل إدخال السرور على نفوسهم. إضافة إلى أن السميط كان شخصاً ملماً بحياة القرى والقبائل الإفريقية وعاداتهم وتقاليدهم..

فالداعية الحق هو الذي يعرف طبيعة من يدعوهم، فليس كل داعية يصلح للدعوة في كل مكان، بل لابد من مواصفات معينة يسبقها العلم التام بطبيعة المدعوين وأحوالهم، وتميز أيضاً بمحاسبة من يعمل معه بكل دقة ويقف بنفسه حتى على طعام الأيتام، وكان يقول:

أموال الناس التي دفعوها لعمل الخير لا يمكن أن أفرط في دينار واحد منها

وفي كل مساء عندما يرخي الليل سدوله يقف السميط على الحلقات المستديرة التي تجمع فيها أبناء الأيتام يقرؤون القرآن، وهو ينتقل من حلقة إلى أخرى ليطمئن على حفظهم للقرآن ويبتسم في وجوههم، فضلاً عن خروجه بعد العشاء ليطمئن عليهم هل ناموا. كان يقول لمن يسأله عن صنعه:

يا أخي نحن لا ننتظر شهادات من أحد نحن عملنا في الميدان وننتظر من الله فقط أن يتقبل منا

نتيجة مجهوداته

عبد الرحمن السميط

 

نادراً ما كان السميط يقدم المال للفقراء، ولكن يقدم مشروعات تنموية صغيرة مثل فتح بقالات أو تقديم مكائن خياطة أو إقامة مزارع سمكية، فهذه تدر دخلاً للناس وتنتشلهم من الفقر، وغالباً تترك أبلغ الأثر في نفوسهم.

إن جهود عبد الرحمن السميط أثمرت عن إسلام ما لا يقل عن 10 ملايين إنسان وعشرات الألوف من القبائل بأكملها وزعماء قبائل ودعـاة لأديان أخرى أسلموا فتحولوا إلى دعـاة للإسلام أنقذهـم الدكتور وساهم في مد يد العون لهم من خلال توفير المسكن والعمل والمستشفيات والمدارس وغيرها من الاحتياجات.

أسلم على يديه وعبر جهوده وجهود فريق العمل الطموح الذي يرافقه أكثر من سبعة ملايين شخص في قارة إفريقيا فقط، وأصبحت جمعية العون المباشر التي أسسها هناك أكبر منظمة عالمية في إفريقيا كلها، يدرس في منشآتها التعليمية أكثر من نصف مليون طالب وتمتلك أكثر من أربع جامعات وعدداً كبيراً من الإذاعات والمطبوعات..

وقامت بحفر وتأسيس أكثر من (8600) بئر وإعداد وتدريب أكثر من (4000) داعية ومعلم ومفكر خلال هذه الفترة، وقلب الآلاف من طالبي الصدقة والزكاة إلى منفقين لها بكل جدارة، فقد طبق المنهج الإسلامي الواسع في التنمية المستدامة للأمم والشعوب. أسلمت هذه الأعداد لما رأوا من أخلاقه وحبه للفقراء في الوقت الذي كانت فيه بعض الجمعيات التبشيريه البروتستنتيه لاتعطي الطعام أو تعالج الفقراء إلا أن تشترط عليهم الدخول في المسيحية..

بل كان يعرف أن السميط سكن في هذه المنطقة الإفريقية أو زار تلك من خلال التغييرات التي حصلت فيها. فقد تميز السميط بإسهاماته الفاعلة في نشر الدعوة وإغاثة المجتمعات الإفريقية الفقيرة، لاسيما في فترات الجفاف، وحرصه على الوصول إلى المحتاجين في أبعد المواقع، متحملاً قسوة الظروف المناخية والجغرافية.

فقد كان السميط داعية بعلمه وعمله وبخلقه وزهده، لم يبغ من الدعوة إلا مرضاة خالقه من باب خدمة خلقه، فلم يسمح لكسب شخصي أو هدف سياسي أو انتماء حزبي أن يشوب نقاء دعوته أو يشوّه صفاء عباءته. كانت زياراته في إفريقيا لا تتوقف في العواصم ولا تعرف الراحة في فنادق المدن الكبيرة، بل ينتقل من المطار إلى القرية المقصودة ولساعات طويلة من المسير المرهق، كان دائماً في سباق مع دقات الساعة.

لماذا إفريقيا؟

سئل السميط لماذا إفريقا وهي قارة متخلفة والعمل فيها مضن والأثر لا يتناسب مع الجهد وهناك أماكن كأمريكا قابلة للدعوة؟ أجاب أولاً أن الله سخره واختاره لذلك ولعل القليل من الناس القادر على تحمل تلك المشاق وقد يسخر الله غيره لدول أخرى..

بدا على السميط عشق إفريقيا ومحبة شعوبها، كما كان يتمنى أن يموت فيها. لقد أعطى الدعوة والعمل الإنساني كل وقته وكل فكره وكل صحته طمعاً أن يعمل أجيراً عند الله يدل التائهين..

في النهاية، للإنسانية صورُ شتى، وللعلم لذة لا يذوقها الا من أدركها، كذلك للعطاء سعادة لا ينالها الا من وهب حياته لمن حوله واستطاع أن يجمع أهدافه وتحمل مشقة السعيّ حتى أدرك النجاح..

0

شاركنا رأيك حول "في ذكرى وفاة رجُل بحجم قارة.. قصة عبد الرحمن السميط والقارة السمراء – تقرير"