البابلية والفينيقية.. حضارات عريقة خلفت تاريخاً عظيماً

البابلية والفينيقية.. حضارات عريقة خلفت تاريخاً عظيماً 5
2

تاريخ الشعوب تحدده الحضارات التي نشأت عليها، والثقافات والمعارف التي تناقلتها الشعوب على اختلاف الحقب التاريخية المتعاقبة، لأن الإرث الحضاري الذي تشكل في فترات مختلفة من حياة تلك الشعوب هو الثروة التاريخية لأي أمة.

وهنا أستعرض معك عزيزي القارئ اثنتين من أهم الحضارات في منطقتنا..

الحضارة البابلية

تقع هذه المدينة التاريخية على بعد 90 كلم إلى الجنوب من بغداد، كانت عاصمة البابليين أيام حكم حمورابي، وهي مدينة عراقية تاريخية حرف اسمها من “باب أيلي” الذي يعني باب الآلهة. ولقد حكم البابليون أقاليم ما بين النهريين بين 1750 و1792 قبل الميلاد تحت حكم حمورابي الذي بلغت في عهده الحضارة العراقية “البابلية” أوجها وازدهرت وارتقت العلوم والمعارف وتوسعت التجارة.

ملامح الحضارة البابلية

حدائق بابل المعلقة

1

إحدى عجائب الدنيا السبع، والتي بناها نبوخذ نصر للملكة آمييهيا، فقد بنيت تقريباً 600 قبل الميلاد في بابل، وهي تعرف أيضاً بحدائق سمير أميس، حيث زرعت فيها كافة أنواع الأشجار والزهور، كما وزعت فيها التماثيل بأحجام مختلفة.

شريعة ونواميس حمورابي

لقد أصدر الملك البابلي حمورابي عدد هائل من الشرائع والنواميس التي بلغت 252 مادة نقشت على حجر الدويريت الأسود.

ومن أهم شرائعه هي عقوبة الردع الشهيرة القائمة على مبدأ المعاملة بالمثل في العقاب، العين بالعين والسن بالسن، ورغم قساوة شريعة حمورابي إلا أنها بقيت على مدة 15 قرناً محتفظة بجوهرها.

لقد عرف عصره بالعصر الذهبي والذي لم يشهد التاريخ في بابل مثيلاً له، حيث امتدت مملكته حتى خابور إلى حوض البليخ وشملت نهر ديالى ووادي دجلة الأعلى، وشهدت المملكة سيادة سياسية بلا منازع، وقدمت نموذجاً من التنوع الثقافي والحضاري الهام، قبل أن تسقط في يد الآشوريين الذين احتلوا المدينة بعد موت حمورابي وضعف حكامها.

تنبأ هتلر في عام 1942 بأن برلين لن تكون مدينة عالمية، إن لم تشبه مصر الفرعونية أو بابل العراقية

النظام الاقتصادي

الزراعة: كانت الزراعة في بلاد بابل تتطلب مع توفير المياه من نهري دجلة والفرات عملاً وتنظيماً دقيقاً لكي تثمر غلالاً وفيرة، تسد الحاجات المعيشية للبابليين، فقد استطاعوا شق القنوات لإيصال المياه اللازمة لعملية ري محاصيلهم الاستراتيجية، مثل القمح والكتان والسمسم والشعير، كما أولوا تربية المواشي والطيور العناية والاهتمام.

التجارة: إن النصوص التجارية التي وصلت إلينا من بلاد بابل كانت معظمها توثق عمل البابليين على نظام المقايضة في المنتجات للحصول على احتياجاتهم اليومية، كما استطاعوا فتح الطرق وحمايتها لتسيير القوافل التجارية.

النظام الثقافي والأدبي

كانت اللغة البابلية التي تنتمي إلى مجموعة اللغات السامية هي السائدة في البلاد، وكانت هي لغة الوثائق السياسية والاقتصادية، واستطاعت اللغة البابلية في عهد حمورابي النضوج والوصول إلى الكمال، كما كان واضحاً في قانون حمورابي الشهير.

لقد كان الأدب في العصر البابلي استمراراً لثقافة ما بين النهرين، والتي تسيطر عليها الأساطير والملاحم، ذات المواضيع الجدلية حول خلق الإنسان وصراع الآلهة والخلود، ولم تكن ملحمة جلجامش استثناء بل كانت تتمحور حول فكرة الخلود.

لقد عرف الأدب عند البابليين الحكمة التي تضع في أولوياتها أهدافاً أخلاقية وتربوية، إضافة إلى الموعظة والقصص الدينية.

2

حضارات اختفت في ظروف غامضة !

الحضارة الفينيقية

الفينيقيون مجموعة سامية اللغة وجزء من الكنعانيين، الذين سكنوا سواحل بلاد الشام قبل الميلاد. كان الفينيقيون من أشهر شعوب العالم القديم، فقد كانوا بحارة مهرة وتجاراً، هم في الأساس من القبائل الكنعانية التي استقرت منذ الألف الثالث قبل الميلاد على السواحل الشرقية للمتوسط من شمالي العاصي وحتى سيناء، ومن العقبة والبحر الميت إلى الجزيرة الفراتية، كما تقول بعض الدراسات التاريخية بقدوم الفينيقيين من شبه الجزيرة العربية.

لقد بنى الفينيقيون مدن عدة، بلغت 25 مدينة كانت معظمها مستقلة عن بعضها ابتداءً من صور مروراً بأوغاريت السورية في اللاذقية، لذلك لم يشكل الفينيقيون عبر تاريخهم الطويل مجتمعاً واحداً، بل تمتعت كل مدينة من المدن باستقلالية نظامها الخاص.

3

ملامح الحضارة الفينيقية

نظام الحكم

كان نظام الحكم فيها قبل نشوء المدن قبلياً، حيث كان شيخ القبيلة هو الحاكم، ومع الاستقرار ونمو الزراعة والتجارة وإنشاء المدن التي أفرزت نظاماً سياسياً تحول إلى نظام ملكي. لقد عرفت هذه الحضارة النظام الجمهوري في الحكم، في مدينة قرطاجة والذي استمرت عليه.

النظام الاقتصادي

عمل الفينيقيون على بناء اقتصاد مزدهر فاعتنوا بالزراعة واستغلوا الثروة الحراجية، وربوا المواشي وابتكروا صناعات تتلاءم مع المواد الخام المتوفرة لديهم، كما أنهم مارسوا التجارة وبرعوا فيها.

الزراعة: اعتبر الفينيقيون الزراعة كمورد أساسي للعيش فنوعوا زراعاتهم، معتمدين على الأمطار في ريها، ومنها القمح والبقول إضافة إلى الزيتون والنخيل وغيرها.

الصناعة: انصرف عدد من السكان إلى الاهتمام بالصناعة، لتوفير مورد آخر للعيش فاشتهرت في عهد الفينيقيين صناعة النسيج والسفن والزجاج والمعادن.

التجارة: حققت التجارة مستوى معيشياً جيداً للفينيقيين، وخلقت العديد من فرص العمل أمام الفقراء، الذين عملوا لدى التجار الأغنياء، وقد أكسبت التجارة البرية والبحرية الفينيقيين خبرة ذاع صيتها، واستطاعت الحضارة الإنسانية أن تستفيد من تجارة الفينيقيين الذين مكنتهم براعتهم في التعامل مع الشعوب، من نشر الحِرف والمعرفة.

النظام الثقافي والأدبي

لقد تأثر الفينيقيون بالكتابات التي سبقت أبجديتهم، وهي الهيروغليفية لدى المصريين القدامى والمسمارية لدى شعوب ما بين النهرين، وكلتاهما كانتا معقدتان بالنسبة لهم، لذلك سعى الفينيقيون إلى تبسيطهما، ففي جبيل بسط الفينيقيين الهيروغليفية بأبجدية مبتكرة وسهلة، وفي أوغاريت بسطوا المسمارية، وبذلك أستنبط الفينيقيون واخترعوا أبجدية نقلوها لليونانيين، الذين نشروها في العالم، لهذا السبب أطلق عليها “أم الأبجديات في العالم”.

فقد بدأ التراث الأدبي لديهم في الألف الثالث قبل الميلاد، وفيه نُظم دينية وقوانين عائلية وسياسية إضافة للملاحم والأساطير والمراسلات، كما اهتموا بالفلك والطب والكيمياء والحساب وفن العمارة والنحت.

4

يبقى لكل حضارة من الحضارات في العالم خصوصيتها وتميزها الخاص وميراثها الدال على القيمة التاريخية، ولكل حضارة خصوصيتها في وجدان الشعوب التي تخصهم تلك الحضارة الإنسانية، لما  تشكله من حالة من الثقافة والمعارف ومجموع القيم والأخلاقيات، وهي الجذور الحقيقية التي تحمل في طياتها مكونات ثقافية واجتماعية لأي شعب. 

2