معبر الحياة يصطدم بأقدام مصوّرة هنغارية

معبر الحياة يصطدم بأقدام مصوّرة هنغارية 1
0

في خضمّ الأحداث الأخيرة التي شهدتها البلاد العربيّة بشكل عام، وسورية بشكل خاص، لطالما برزت فئة أو على الأقل جزء من هذه الفئة حيث وجد السوريون لهم أذناً صاغية، وقلباً مفتوحاً استعدّ للتسجيل والنقل، والمخاطرة من أجل تشكيل صورة عما يحدث في سورية وحتى على حدودها. إنهم صحفيون التزموا بميثاقهم الشرفيّ الذي ينصّ على النقل الموضوعي للأحداث والإنسانية التي لن تقف في وجه شرف الصحفي أمام كشف الحقيقة دوماً ونقل معاناة الشعوب المختلفة.

لطالما ظهر الصحفيون بمظهر الأبطال لما يقدمونه من نقل موضوعي وشفاف للأخبار وتضامن دائم مع الشعوب، فكم من صحفيّ فقد حياته في محاولة لتغطية الأحداث في سورية سواء من الأجانب أو من السوريين بأنفسهم، وكم من صحفي خرج عن نطاق صمته وذاق الأمرّين فقط رفضاً للتلفيق والكذب الجاري في بعض المنصات الإعلامية التي فقدت الشرف بأنفسها.

اقرأ أيضاً: 10 مسلسلات كورية تصحبك إلى عالم الفانتازيا الرومانسية – مسلسلات كورية رومانسية

الإعلام شيء آخر في حياتنا الحاليّة، وقوّته تضاهي آلاف الجيوش المجهزة بأفضل الأسلحة، لكن في حديثنا عن الصحفيين هناك بعضهم من انحرف قليلاً عن الميثاق الذي تحدثنا عنه سابقاً، مُقدّماً بالفعل ملف اضطهاد جديد، وكأن ما يعانيه اللاجئون في أرجاء العالم ليس كافياً.

أنا أتذكر تماماً مشاهدتي لفيلم في العام الفائت يُدعى Nightcrawler، شرع فيه مصوّر صحفي بفرض الجرائم للحصول على المادة الإعلامية الغنيّة، كان الفيلم رحلة عميقة في نفسيّة مريضة وومضة خالية تماماً من الإنسانية، وانتقال الموضوع إلى حقيقة جريمة خاصة بقسم لطالما عهدنا له الثقة وحتى منه الحماية.

بالطبع ما فعلته الصحفية الهنغارية المتوحشة أو المصورة “بيترا لاسزلو” ليس شبيهاً بما حدث في الفيلم، بل في الواقع لمحة صغيرة عن عقل تخلّت كل خلاياه عن الإنسانية التي كانت وستظل عنصراً أساسياً في ميثاق شرف الصحفيين حول العالم، حيث قامت بعرقلة وركل لاجئين أثناء محاولتهم تجاوز الشرطة الهنغارية، في مشهد لا يزيد على المجروح إلا نزيف دمه.

“بيترا لاسزلو” مصورة صحفيّة تعمل مع قناة N1TV الهنغارية التي تنتمي إلى الحزب اليميني المتطرّف والمعادي للمهاجرين Jobbik في هنغاريا. كانت تقوم بتصوير مئات اللاجئين يهربون من قوات الشرطة على الحدود الصربية الهنغارية بينهم كان هناك سوريون، عراقيون، وأفغان.


أظهرت لقطات مفاجئة أو بصراحة صادمة هذه المصوّرة أثناء قيامها برفس فتاة لا نعرف جنسيتها، وعرقلة رجل يحمل ولده الباكي مسرعاً، بيد أنه سوريٌ بعد العبارة “الشتيمة” التي وجّهها، وكأن قوّات الشرطة المأمورة لم تكفِ للوقوف في وجه هؤلاء المهاجرين، بل قامت هذه الصحفية عن سابق تعمّد وإصرار بالإساءة ليس فقط إلى المهاجرين بل إلى كل من حمل جهاز تصوير وأطلق على نفسه لقب صحفي في العالم!

المشهد بأكمله كان مروّعاً، ليضيف هذا الفيروس لمساته الخاصة عليه، ومبدئياً قامت القناة الإخبارية بطردها من عملها، وبدأت الأحزاب المعارضة برفع قضايا عنف اتجاه هذه الصحفية، وقد تصل عقوبتها إذا ثبتت التهم إلى 5 سنوات في السجن في هنغاريا، وأطلقت القناة بياناً يشير إلى فصلها بشكل فوري من العمل نظراً لتصرفها “غير المقبول”.

حتى تظهر اللقطات أن هناك العديد من قوات الشرطة التي لم تحاول حتى إيقاف تدفّق اللاجئين، علماً مسبقاً وواضحاً منهم أن هنغاريا هي مجرد وسيلة للوصول إلى بلد أوروبي يُرحّب باللاجئين خلافاً لهنغاريا التي أبرزت مخاوفها من هذا الموضوع ورفضها لاستقبالهم بشكل عام.

نوايا هنغاريا واضحة، ولكن تعاملها مع اللاجئين الذين لا يريدون من هذه البلد سوى ممرّ آمن إلى بلد أخرى، كان عديم الإنسانية إلى درجة تخالف التعاليم العالميّة التي تشتهر بها القارّة الأوربيّة، وحتى هنغاريا تُعرب عن عدم تحمسها للأجانب عن بلدها، وردّة فعلها الأخيرة أكبر دليل على ذلك، لكن ما المانع في تأمين ممرّ آمن لن يُحمّل هذا البلد أي مسؤولية كتلك التي ستتحملها البلدان المضيفة؟

اقرأ أيضاً: فيلم Call Me By Your Name عمل حالم بنكهة الحب الأول – مراجعة فيلم فيلم Call Me By Your Name

14404853998942z0xrc5OWXYOO_L

هنغاريا قصة مختلفة عن تلك الصحفيّة، وهي التي شرعت ببناء الأسوار لمنع تدفق اللاجئين، فهل أرادت بيترا فعلاً من أفعالها زيادة الدراما والحصول على لقطة جيّدة، أم فقط لم تتمكّن من السيطرة على وحشيتها الداخلية وتطرّفها الواضح التي لولا عدسات الكاميرا لكانت تمادت به إلى درجات تفوق التصوّر الإنساني “في هذا المكان تحديداً”.

الإنسان يعاني، والعالم يُشاهد منذ سنوات عديدة، إذا تحدّثنا عن إنسانية بدأت بالضياع فنحن مخطئين تماماً، لأن الإنسانية فُقدت منذ وقت طويل، ولكن هذه درجة جديدة وقبيحة في التعدّي على البشر، وكانت حتى من طرف ليس له أي علاقة سياسية بالذي يحصل.

شكّلت المشاهد السابقة صدمة عالميّة جديدة، انضمت لمجموعة من حركات التواصل الاجتماعي في انتظار أيضاً حراكاً دبلوماسياً لا يُقدّم ولا يُأخّر، يُدين ولكن لا يفعل، يُحلل لكن دون حلّ، وهذه نقطة سوداء جديدة تُضاف إلى كتاب الإنسانية العالميّة الحديث.

ألا يستحق هؤلاء المهاجرين الحياة بقدر ما تستحقه تلك الشقراء المتعجرفة!؟

اقرأ أيضاً: أهم أفلام الأنمي المنتظرة في 2018 – قائمة بأهم وأفضل أفلام الأنمي في 2018

0

شاركنا رأيك حول "معبر الحياة يصطدم بأقدام مصوّرة هنغارية"