إلى لاجئي العالم.. التشبث بالحياة ليس جبناً!

إلى لاجئي العالم.. التشبث بالحياة ليس جبناً! 6
0

تثقلني كما تثقل عشرات الآلاف حول العالم، صور اللاجئين وقصصهم التي تعدت حاجز الألم إلى حواجز أخرى لا يمكن تعريفها أو التعبير عنها بالكلمات، لا أتحدث عن اللاجئين السوريين فقط، بل عن هؤلاء الهاربين الذين ضاقت عليهم الدنيا بما رحبت، الذين لا يملكون ذنباً حقيقياً سوى وجودهم.. وجودهم المطلق الذي لا يثير إعجاب الآخرين، فيعملون على إنهائه بتدميرهم دون مقدمات، سواء كان ذلك اليوم، أو منذ عشرات السنين..

الوطن.. هذه الكلمة المعنوية الضخمة، التي يخلط البعض فهم معناها، فيعتقد أنها مجرد حفنة من التراب، كيف يستطيع شخص ما ترك وطنه.. ترك كيانه.. أفكاره.. ذكرياته.. عائلته.. شخصيته؟ الوطن في الحقيقة لا يسكن فينا ولا نسكن فيه كما تقول الجمل الأكليشيهية السخيفة. الأكثر واقعية وحقيقة هو أننا جزء من كيان واحد يربطنا بشكل أو بآخر.

الوطن كلمة مطاطة، هي في الحقيقة تعريف آخر عن البشر أنفسهم، كل شخص فينا هو وطن ما، يتلاقى بعض الملايين من الأوطان الصغيرة لتشكل هذه الكلمة المتشعبة العميقة والقوية، لذا نحن مرتبطون بثقل دائم يجذبنا جذباً إلى أوطاننا، لا نغادرها، بل تغادر معنا إلى مكان آخر، على أمل العودة بها من جديد..

لاجئين

أسئلة كثيرة قد تجول في عقل هؤلاء الذين لا يزالون يعيشون تحت سقف آمن، يملكون تلفازاً وحاسباً متصلاً بالإنترنت، يشاهدون عليه هذه الصور الغريبة لأشخاص يفرون، لأطفال ميتين، لكائنة لا تعريف لها تعرقل طريق رجل يحمل ابنه وهو يصارع نحو حياته..

أسئلة لنا الحق طبعاً في التفكير فيها وتأملها، الأسئلة ليست عيباً، أما العيب فهو تجاهل إيجاد إيجابات منطقية لها، والاكتفاء بطرحها ونحن نتناول قطعة من الشيكولاته في نسائم المكيف أو تحت البطاطين الثقيلة، معتقدين أننا عباقرة حقاً، استطعنا النظر إلى الأمر بموضوعية دون التورط في العواطف السخيفة!

3

أنا لا أمنع أحداً من التساؤل، التساؤل رائع، والتفكير عظيم، والنظر بموضوعية ليس عيباً، هذا بالتأكيد ما فعله براندون ستانتون، صاحب الصفحة الأشهر والأفضل على الفيسبوك، Humans of Newyork، والتي لم تعد مقتصرة في الواقع على نيويورك وقصصها فقط..

بل امتدت مع امتداد أفكار وأهداف براندون لتشمل العالم، وكعادته لم يضيع وقتاً طويلاً في الاكتفاء بالتساؤل، بل اتجه فوراً إلى الإجابة، والإجابة في نظره كانت التعرف على هؤلاء الأشخاص عن قرب، ومنحهم لأول مرة حق الحكي والشرح والتفسير، بعيداً عن تحليلات الخبراء، وقصص المراسلين، والصور المرعبة التي تحمل آلاف القصص المحتملة.

في سلسلته الجديدة المستمرة حالياً على الصفحة، يعرفنا براندون على أشخاص حقيقيين تعرضوا لهذه المواقف غير المحتملة ونجوا منها، يعرفنا على قصتهم الحقيقية التي دفعتهم لإلقاء أنفسهم، أطفالهم، وحياتهم إلى التهلكة، فراراً من تهلكة أخرى مختلفة، أكثر قسوة وأشد إرعاباً.

اللاجئون السوريون لأوروبا.. كيف تعامل العرب والعالم مع قضيتهم ؟! – تقرير

السؤال الأول: لماذا يفر الجميع تاركين وطنهم خلفهم؟

4

في القصة الأولى، عرفنا براندون على محمد، الشاب السوري الكردي الذي يهرب إلى أربيل العراق بعد تهديده بالقتل من داعش. داعش بالطبع ترى أي شخص مختلف عنها عدواً دائماً حتى لو كان شاباً مسالماً مثل محمد..

الشاب لذي لم يجني ذنباً سوى كونه ولد كردياً، يعمل في الفندق الذي أقيم فيه براندون منذ شهور في إطار جولته مع الأمم المتحدة، يجيد الإنجليزية بشكل يسمح له بمرافقة براندون، وربما ترجمة حواراته مع الأشخاص الذين قابلهم، هذه الحوارات التي نشرت أيضاً على الصفحة وقتها.

اليوم يحكي محمد للمصور الأمريكي قصته هو، رحلته في الهرب، جهده لتوفير المبلغ اللازم للوصول إلى أوروبا، الشاب المسكين المثقف، يضطر لترك عائلته في سوريا دون حل آخر، هل التشبث بالحياة جبن؟ بالتأكيد لا، التشبث بالحياة في الواقع عمل شجاع يتطلب قوة أكبر بكثير من إلقاء أنفسنا في قلب النيران والانتهاء من الأمر كله..

 الحياة، هذه الحياة العظيمة التي منحنا الله إياها، كيف يمكننا هدرها دون مقاومة؟ التشبث بالحياة أمر فطري وطبيعي في البشر، لا ينفي أبداً حب الوطن والأهل.

البقاء والدفاع عن الوطن قد يكون موقفاً نبيلاً عظيماً، لكن من منا يقدر فعلاً على ذلك؟ أنت تملك هذه الرغبة في الحياة، في الاستمرار، في العيش بأمان، وليس أسفل حاجز دائم من الخوف والتهديد. المشكلة في هذه البلاد التي تقع تحت ظلم فاحش، أنها لا تعدك بموتة سريعة غير مؤلمة، أو حتى بشرف الموت أثناء قتال متكافئ وحقيقي، بل تمنحك حياة كالموت، لا تستطيع فيها التفكير أو التنفس أو العيش، بسبب الخوف الدائم.

الخوف الذي دفع محمد للهرب، ظل ملازماً له حتى بعد تجميع المبلغ اللازم للسفر والعودة إلى سوريا لوداع الأهل، خطته المحكمة، وآماله العريضة انتهت بعدما سقط والده من شدة القهر والإعياء، وتوجب عليه دفع نصف ما معه لإجراء عملية جراحية عاجلة له.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أرسلت داعش رأس أخيه في صندوق مع رسالة رقيقة تهدد فيها باقي الأسرة بمصير مشابه، رسالة لم يملك معها الشاب المسكين سوى دفع ما تبقى معه لتهريب أختيه إلى أربيل. الآن لم يبق أمامه سوى حل واحد، التعامل مع مُهرب وغد للعبور من تركيا التي وصل إليها، إلى اليونان.

السؤال الثاني: لماذا يغادر اللاجئون تركيا إلى البلاد الأخرى؟

5

سؤال آخر بالتأكيد جال في خاطرنا، ما الذي يدفع اللاجئون لترك تركيا الآمنة وإلقاء أنفسهم إلى التهلكة في القوارب المطاطية للعبور إلى اليونان؟

هناك ما يقارب المليوني لاجئ سوري في تركيا وحدها. وعلى عكس باقي الدول، تركيا لا تمنح اللاجئين وثائق رسمية تؤهلهم للعيش والعمل والزواج. ما هي الفائدة من الهرب من مكان سأموت فيه من الحرب إلى مكان سأموت فيه من الجوع؟ أوعلى الأقل سأعيش كالزومبي بلا آمال أو أحلام أو مستقبل؟

بعيداً عن بضع عائلات تتمكن من العيش هناك ربما بسبب ثرائها أصلاً أو أي سبب آخر، الآلاف من السوريين مشردون في شوارع تركيا يعانون شظف العيش. الأطفال الذين امتلكوا يوماً غرفاً خاصة بهم، فراشاً كاملاً ينامون عليه، هم الآن ينامون على الرصيف يتسولون من أجل عائلاتهم.

أستاذ القانون في جامعة اسطنبول، البرفسور إبراهيم كايا، تحدث عن الحاجة إلى استصدار قوانين وتشريعات جديدة خاصة بالسوريين في مجلس الشعب، ويقول كايا: “لا يحق للسوريين الإقامة الدائمة في تركيا، وعليهم الذهاب إلى دولة ثالثة أو العودة إلى بلدهم حين يرغبون طواعية”، لافتاً إلى أن “تركيا لا تمنح السوريين صفة لاجئ، لأنها لا تعترف بغير الأوروبيين كلاجئين على أراضيها، بحسب معاهدة 1951 الخاصة باللاجئين”

مصدر

الوضع غير المستقر، وعدم القدرة على توثيق الزواج أو شهادات ميلاد الأطفال أو حتى تركيب عداد كهرباء لشقق المستأجرين السوريين، هي السبب الأول الذي يدفع رب عائلة للهرب إلى دولة أخرى تمنحه حق اللجوء والعيش كمواطن عادي هو وأسرته، وهو ما دفع محمد لقبول عرض مهرب أقنعه بالعبور إلى اليونان.

السؤال الثالث: ما الذي يدفعهم لركوب هذه القوارب المتهالكة؟

6

يكمل محمد قصته مع المهرب الذي دفع به مع اثني عشر شخصاً في ظهر شاحنة مغلقة مختنقة برائحة الجازولين، عندما أصيب الجميع بالدوار والغثيان، وصرخوا من أجل المساعدة، لوح الرجل بالمسدس في وجههم ليخرسهم، بعدها قادهم إلى قارب مطاطي متهالك، وعندما رفض البعض الركوب، خيرهم بين الصعود على متنه والانتهاء من الأمر، أو العودة دون نقودهم، نقودهم التي لا يملكون سواها في هذا العالم. هل هذا سبب كافٍ في نظرك؟

يحكي محمد رحلته غير المعقولة وسط البحر الثائر، المظلم حتى أنه لا يرى كف يده! أرجو أن تتخيل نفسك مكانه، ومكان العشرات غيره، حياتك كلها تمر أمام عينيك وسط الأمواج العارمة، لا تملك حتى ترف الرؤية واستيضاح مكانك بالضبط. البرد، الخوف والذل يحاصرك، هربت من موت لموت، وعلى الشاطئ هناك أمل ما، أمل ربما لا تتجاوز نسبته 5% بحياة أفضل، ماهو شعورك إذن وقتها؟

بالنسبة لمحمد، فكان يشعر أنه سيموت حالاً، لكنه بشكل أو بآخر استطاع الوصول إلى الشاطئ برفقة البعض، لكن العالم لا يزال يحمل الكثير من القسوة إليه، بعد القبض عليه وعلى الآخرين تم إلقاؤهم في زنزانة ضيقة بلا طعام ولا شراب لمدة 3 أيام، مع تعرضهم لكافة أنواع الضرب والإهانة.

أخيراً، تم إطلاق سراحهم ونقلهم إلى مخيم ما بعيد، بعدها، قضى محمد شهراً كاملاً في رحلته إلى النمسا، يقول أنه كان يأكل أوراق الشجر كالحيوانات، يشرب من مجاري المياه القذرة، لكنه استطاع الوصول في النهاية، ولم يكتف بهذا، بل قضى وقته بمساعدة عجوز وضعه الله في طريقه لمعاونته في دراسة الألمانية وإتقانها، الأمر الذي أهله للحصول أخيراً على الجنسية.

8

السؤال الرابع: لماذا ينجبون الأطفال في الحرب؟

قصة أخرى نشرت على الصفحة، أو ربما سرد لموقف واحد حزين، أب يتحدث عن ابنته المبتسمة في الصورة وهي تداعب قطاً صغيراً أمام منزل متواضع في اليونان حيث يعيشون الآن، يقول: “أتمنى أن أستطيع فعل ماهو أكثر من أجلها، لقد عانت كثيراً..

لم تسنح لها الفرصة لعيش طفولتها الحقيقية، عندما كنا نستعد للصعود على متن أحد هذه المراكب، شاهدت طفلتي أمها وهي تسحق تحت أقدام المتدافعين، لتصرخ بجملة كسرت قلبي، أرجوكم لاتقتلوا أمي، اقتلوني أنا بدلاً منها”.

9

حسناً، ما الذي يدفع هؤلاء القوم إلى الزواج والإنجاب في هذه الظروف غير الإنسانية؟ ووسط حرب مرعبة لا تبقي ولا تذر؟

الحياة تستمر يا أخي، الحياة تستمر رغماً عن أي شيء وأي شخص، إن كنت تطرح هذا السؤال حقاً، ربما يمكننا طرحه على الجميع حول العالم، العالم الذي بات متوحشاً وخطراً في معظمه، ما الذي يدفع أي شخص للزواج والإنجاب إذن؟

أوافقك الرأي أن قرار الإتيان بطفل إلى هذا العالم هو بشكل عام قرار أحمق، لكننا نفعله رغم ذلك، البشر يستمرون في العيش، وفي الحب، وفي الرغبة في الأنس والبقاء عبر أولادهم، ربما هو أمل خفي في تحسن الأوضاع، أمل لو انتهى، لانتهت معه الحياة بأكملها.

بين لاجئين، صامدين، وقتلى.. صور مؤلمة توقف لها العالم منحني الرأس !

السؤال الخامس: اللاجئون قنبلة موقوتة في أي بلد يدخلونه؟

Syrian refugee children react to being photographed at a refugee centre in the town of Harmanli, some 250 km (155 miles) southeast of Sofia January 21, 2014. The Bulgarian army has started to build 30-km long fencing at the border with Turkey to prevent an influx of illegal immigrants, mainly asylum seekers from Syria, according to local media. REUTERS/Stoyan Nenov (BULGARIA - Tags: SOCIETY IMMIGRATION POLITICS CONFLICT) - RTX17O0U

حسناً ربما كنت على حق، لكن ماهو السبب وراء ذلك؟

في كل بلد، تعمل الأقليات سواء كانوا لاجئين أو مهاجرين أو أي شيء آخر، على عزل نفسها وبناء مجتمع منفصل داخل المجتمع الأكبر، هذا الانعزال هو الذي يبرز الاختلاف، والاختلاف هو السبب الرئيسي في التطرف والعنصرية.

هذا الأمر يمكن السيطرة عليه عن طريق الاندماج. على الدول التي تستضيف اللاجئين من حول العالم، (وليس العرب أو السوريين فقط)، التوقف فوراً عن معاملتهم كأغراب أو ضحايا مساكين فور حصولهم على حقوق المواطنة، ربما العمل مع منظمات ما على مساعدتهم في الاندماج والعيش، وعلى الوافدين تحمل المسؤولية كاملة تجاه الوطن الذي استضافهم، احترامه واحترام اختلاف هويته، وليس العمل على تغييرها بما يناسبهم، الحفاظ على هوية البلد الذي تعيش فيه لا يعني بأي شكل من الأشكال نسيان هويتك، على العكس، التمسك بها هو ما سيمنحك الأمل..

الوصول لمرفأ آمن ومكان جديد مناسب للعيش مع عائلتك ليس هو نهاية المطاف، بل هو البداية فقط، أما الأمل في العودة، فيجب أن يظل باقياً، مستمراً، ودائماً.

0