بعيداً عن عوالم ما وراء الطبيعة: إليك 3 طرق كي تخرج من جسدك!

بعيداً عن عوالم ما وراء الطبيعة: إليك 3 طرق كي تخرج من جسدك! 1
2

تخيل معي المشهد التالي، ثمة شخص يجلس على مقعد، آخر مرة شاهد فيها جسده من منظوره الشخصي كان بإمكانه أن يرى ذراعيه وجذعه وأرجله، وبحكم موقع عينيه في منتصف رأسه لا يمكنه أن يتبين ملامح وجهه أو أن يرى ظهره، وإن كان بمساعدة المرآة صار هذا الأمر ممكناً.

لكن ما يراه الآن مدهشاً بكل المقاييس، إنه ينظر إلى ظهره كما لو كان جالساً في مقعد خلفي.. بينما يحتل جسده المقعد الأمامي. يشعر كما لو أنه قد سُحب من جسده.. وقد صار يطفو على بعد عدة أقدام في الخلف! تُدعى تلك الظاهرة باسم “تجربة الخروج من الجسد Out-of-body Experience”، وفيها من يمر بالتجربة، يرى جسده والعالم من حوله من موقع خارج جسمه المادي.

لسنا هنا بصدد الخوض في ظواهر ميتافيزيقية.. لسنا هنا لنتحدث عن مريض يسمع صوت صافرة إنذار جهاز مراقبة دقات القلب معلنة عن وفاته (لوقت وجيز) فيندفع بعدها في نفق مظلم ثم يكتشف أنه خارج جسده في ذات المكان الذي كان يستلقي فيه منذ قليل، وقد صار الآن بإمكانه أن يرى جسده من أعلى. ولسنا نتحدث أيضا عن شخص يمارس فن التأمل، فجلس في حالة استرخاء تامة، منظماً لأنفاسه ليغادر جسده ويطفو متحرراً من قيوده!

ولكننا هنا بصدد الحديث عن سهولة خداع الدماغ البشري للوقوع في فخ “وهم انتقال الجسد  Body transfer illusion”. بالعودة إلى الشخص من المشهد السابق، يمكننا القول أنه لم يجد نفسه فجأة في ذلك الوضع، بل أن المشهد قد بدأ قبل ذلك بقليل، حيث خضع لتجربة روتينية في مختبر “هينريك إهرسون” المختص بعلوم الأعصاب بمعهد كارولينيسكا باستكهولم. جلس الشخص على مقعده وارتدى نظارة يُعرض على عدساتها من الداخل، ما تسجله الكاميرا الموجهه نحو ظهره من الخلف (شاهد الصورة).

تجربة الخروج من الجسد

يستخدم “إهرسون” عصا بلاستيكية في يده اليمنى ليطرق برفق على صدر الشخص الخاضع للتجربة بينما يمسك بعصا مماثلة بيده اليسرى ليتظاهر بطرق الموضع ذاته أمام الكاميرا لتبدو من منظور الشخص الجالس كما لو كانت هي نفسها العصا التي يشعر بطرقاتها على صدره الآن. وفي غضون ثوان، يقع الشخص تحت تأثير وهم انتقال الجسد، ولا نعيب عليه سذاجته.. إنه وهم مقنع للغاية!

يخلق الدماغ للإنسان إدراكه لموقعه في الفراغ باستقبال الإشارات الواردة من المستشعرات الحسية المنتشرة في أنحاء الجسم. نجد أن مستشعرات التمدد والانكماش في العضلات ترصد التغير في طول العضلة وسرعتها، أما المستشعرات الموجودة في المفاصل فترسل بمعلومات عن مواقع الأطراف، كما تشارك مستشعرات تمدد الجلد بمعلومات قيمة عن الحركات الطفيفة بالأطراف. بدمج تلك المعلومات معاً، يتمكن الدماغ من تحديد موقع الجسم.

لكن تجارب إهرسون وآخرون تشير إلى أن حاستي البصر واللمس تلعبان دوراً حيوياً في هذا المزيج، وأن الدماغ يبني إدراكه للموقع من خلال تجميع الإشارات الواردة من تلك الحواس أيضاً. وقد تبين أن الدماغ لديه مطواعية عالية لإعادة ضبط موقع الجسد إذا أتته الإشارات البصرية واللمسية بشكل متزامن ودقيق.. حتى وإن كان هذا الموقع خارجه!

فلسفة الحدس: لماذا لا يجب عليك الثقة بحدسك واستخدامه مع من حولك؟!

إليك ثلاث طرق مختلفة كي تخرج من جسدك، من خلالها يمكن أن تنمو لك يد ثالثة أو أن تنتقل إلى جسد “باربي” أو أن تتحول إلى شخصية خيالية في عالم افتراضي!

1- أن تمتلك يداً.. ليست لك

بالطبع لن يكون من الحكمة أن تدخل على جمع من أصدقائك متأبطاً يدا ثالثة.. بخاصة إذا كانت اليد غير موصلة بجسد! مهلاً.. إنها يد بلاستيكية، ومع ذلك ما زال الأمر مريباً، ولكن الخدعة التي على وشك أن تقدمها تعوض غرابة الأمر.

اطلب من أحد المتطوعين أن يجلس أمامك وأن يمد كلتا يديه أمامه على طاولة، بحيث تتوارى إحداهما خلف حاجز موازٍ، كلوح من الكرتون مثلاً بعيدا عن أعين المتطوع، وأمام الحاجز توضع اليد البلاستيكية تحت أنظاره مباشرة (كما في الصورة). ينبغي أن يتم تغطيه الجزء الحر من اليد البلاستيكية بجزء من ملابس المتطوع أو حتى بقطعة من القماش يغطى طرفها الأول كتفه وطرفها الثاني اليد، لتعطى إيحاءً بأنها جزء من جسمه.

امتلاك يد ليس لك

هنا على مقدم الخدعة أن يأخذ فرشاتين متماثلتين، ليداعب يد المتطوع في موضع محدد، على أن يداعب الموضع نفسه باليد البلاستيكية بشكل متزامن بدقة. فمثلاً إذا داعب خنصر اليد البلاستيكية، فعليه أن يداعب خنصر اليد الحقيقية. وهنا يصبح المتطوع واقعاً تحت تأثير وهم انتقال الجسد، ويبدأ في اعتبار اليد البلاستيكية جزءاً من جسده!

عدل مختبر “إهرسون” على تلك الخدعة، لإقناع الشخص الخاضع للتجربة بأنه يمتلك يداً ثلاثة! كما في التجربة السابقة يمد المتطوع كلتا يديه لكن تلك المرة توضع اليد البلاستيكية إلى جانب يده اليمنى الحقيقية تماما بحيث تكون كلتاهما تحت أنظاره، مع مداعبة كلتا اليدين بشكل متزامن كما في السابق.

يقع الشخص الخاضع للتجربة مرة أخرى تحت تأثير وهم انتقال الجسد. بحسب أقوال المتطوعين في استطلاع الرأي، قد تولد لديهم شعوراً كما لو أنهم يمتلكون يدين يمينين! ولمزيد من التأكيد تم تهديد اليد البلاستيكية بسكين حاد، مع مراقبة رد فعل المتطوع، وكان النتيجة هي زيادة في معدل إفراز العرق وهي إشارة إلى شعوره بالخوف!

تجربة الجسد ٢

لمن هم أصحاء ويمتلكون يدين، قد يكون امتلاك يداً ثلاثة؛ لإغلاق باب السيارة إذا كانت اليدان مشغولتان بحمل المشتريات من السوبر ماركت مثلاً، هو رفاهية غير ملحة! لكن امتلاك طرفاً تعويضية بالنسبة لشخص تعرض للبتر، يمثل أهمية حقيقية.

بالرغم من التقدم في تطوير الأطراف الصناعية، يبقى الطرف الصناعي شيئاً دخيلاً لا يمت بصلة للجسم. تخيل أنت شعورك نحو ملعقة، أو مطرقة أنت ممسك بها، هل تشعر بأنها جزء من جسدك؟ بالطبع لا. ولكن لتحسين تجربة الشخص الذي تعرض للبتر مع طرفه الصناعي.. لم لا نجرب وهم انتقال الجسد ولكن باستخدام الطرف الصناعي هذه المرة بدلاً من يد بلاستيكية؟

خروج اليد

نجحت التجربة في خداع أصحاب الأطراف الصناعية للإحساس بالطرف كجزء من أجسامهم، ولكن ما إن تتوقف مداعبة الطرف المبتور بالفرشاة، ينتهي تأثير الوهم، ويعود الشخص إلى اعتبار الطرف الصناعي كشيء منفصل عنه. وهو ما يعني أنه من أجل استدامة الشعور بالطرف الصناعي كجزء من الجسد، لابد من خلق إحساس لمسي في موضع البتر كلما تعرض الطرف الاصطناعي للمس، ليبدو كما لو أن الإحساس نابع من قطعة المعدن تلك.. ويستمر الوهم!

2- أن تمتلك جسداً.. ليس لك

يقف قصير القامة على أطراف أصابعه.. ليس استعداداً لأداء رقصة بحيرة البجع.. إنما لالتقاط الأشياء الموضوعة على الأرفف المرتفعة بالكاد. بينما يصطدم طويل القامة بالأشياء المعلقة وينحني لتفادي الأسقف المنخفضة.. ربما تمنى هؤلاء لو أنهم يوماً امتلكوا أجساداً أطول أو أقصر قامة. ربما تكون هناك وسيلة لتحقيق أمنياتهم.. للأمانة هي لن تتحقق فعلياً.. لكن في وسعنا إقناعهم بأنها تحققت بالفعل!

في تجارب وهم انتقال الجسد بمختبر “إهرسون”، يمكن أن يمتلك الإنسان جسد “باربي”؛ بما يحمله ذلك الخبر من سعادة لبعض الفتيات، أو على النقيض.. يصبح له جسد دمية عملاقة الأبعاد! تلك المرة يرقد المتطوع على ظهره ويوجه أنظاره للأسفل في اتجاه أقدامه الممددة أمامه. لكنه لا يراها كما نتوقع، إنه يرتدي نظارة تعزله عن العالم المحيط، يرى من خلالها فقط ما تعرضه كاميرا موجهه إلى أرجل دمية ممددة في مكان آخر بالغرفة.

جسدا ليس لك

تتم مداعبة قدم المتطوع وقدم الدمية بالتزامن كما في التجارب السابقة، يضع ذلك المتطوع تحت شعور غامر بأن أقدام الدمية ملك له! إذا كانت الأقدام تعود لدمية في حجم “باربي”، فإنه يشعر كما لو كان قد انكمش إلى حجم دمية صغيرة، أما إذا كانت الأقدام تعود لدمية كبيرة، فيغمره شعور بأنه تحول إلى عملاق ضخم. حتى عندما يهدد أحدهم قدم الدمية بسكين، يتصبب المتطوع عرقاً!

لا يقتصر الأمر على مجرد هاجس داخلي، يتلاعب وهم انتقال الجسد بالدماغ حقاً، فإذا تم لمس قدم باربي بقلم أو بالإصبع، يكتنف المتطوع إحساساً بأنه في عالم العمالقة! أليس من المدهش أن نحكم على أحجام الأشياء من حولنا بناءً على إدراكنا لحجم أجسامنا؟ أكدت التجربة صحة ذلك.. بأن وُضعت مجموعة من المكعبات على مسافات ثابتة من أي دمية، فإذا كان المتطوع في جسد باربي، فإنه يُقدّر حجم المكعبات باعتبارها أكبر من الحقيقة، أما إذا كان في جسد الدمية العملاقة فإنه يقدر حجمها باعتبارها أصغر من حجمها الطبيعي.

ربما وجد شخصاً نفسه في ذلك الموقف، إذا كان يتحكم في روبوت عن بعد، لكن لحسن الحظ فإنه دماغه لا يتركه إلى معاناة الإحساس بأنه دخيل على جسد غريب، فيهئ له أنه جسده بالفعل! في تجارب عديدة سيطر وهم انتقال الجسد على أشخاص يرون العالم من وجهة نظر روبوت ويتحكمون فيه عن بعد، إلى درجة أن بعضهم شعر بالانزعاج عندما نكز أحدهم وجه الروبوت، أو بالسعادة عندما تم احتضانه!

تعزيز العلماء

يعتقد العلماء أن تعزيز تأثير ذلك الوهم لدى المتحكم في روبوت وكلما كان شعوره به غامراً، يمكن أن يحسن ذلك من التحكم به والسيطرة عليه إلى درجة كبيرة. يمكنك أن تتخيل تبعات ذلك الوهم على جراح يرى العالم من منظور روبوت دقيق يُجري من خلاله عملية جراحية داخل جسد مريض، أو مهندس يمتلك جسد روبوت عملاق يُصلح ماكينات استخراج البترول في أعماق المحيط.

3- أن تصبح شخصية افتراضية.. ليست أنت

شخصية افتراضية

أصبحت ألعاب العالم الافتراضي من الجودة بأن صارت أقرب إلى الواقع. لكن هل لك أن تتخيل اندماجك في لعبتك المفضلة إلى درجة إحساسك أن تمتلك جسد شخصيتك الافتراضية بها؟ ربما بدا الأمر ضرباً من الخيال.. لكنه لم يكن خيالاً بالنسبة إلى رجل في الثامنة والعشرين من عمره، تحول إلى فتاة في العاشرة من عمرها.. وترتدي تنورة!

في مختبر “مال سلاتر” في جامعة بارشلونة في أسبانيا، أصبح ذلك ممكناً باستخدام نظارات الواقع الافتراضي Virtual Reality، والتي تضع أمام عيني مرتديها عالماً افتراضياً يكون هو أحد أبطاله. كما اعتدنا في تجارب وهم انتقال الجسد، يرى المتطوع العشريني العالم من منظور فتاة في العاشرة.. ولكنه ليس وحيداً في ذلك العالم، بل تقف أمامه سيدة، تربت على كتف الفتاة.. وبالتزامن في عالم الواقع.. يربت أحد العاملين بالتجربة على كتف المتطوع.

وهنا يتلاعب وهم انتقال الجسد برأسه، بالشكل الكافي لإقناعه بأنه يمتلك جسد فتاة في العاشرة! لكن ما أتى فيما بعد لم يكن في الحسبان، قامت السيدة الافتراضية بتوجيه صفعة مفاجأة للفتاة.. وللدهشة حدث تغير في معدل ضربات قلب الرجل الخاضع للتجربة. على غرابته.. يبين ذلك مدى الارتباط القوي بينه وشخصيته الافتراضية.

الظواهر الغامضة للدماغ البشري

إن انتقال الجسد إلى عالم افتراضي قد يكون وسيلة فعالة لتخفيف آلام من تعرضوا لبتر في أحد أطرافهم. إنهم فضلاً عن معاناتهم من فقدان طرف حيوي من أجسامهم، يواجه هؤلاء آلاماً في طرفهم المفقود! نعم.. ما قرأته صحيح، يبدو الألم بالنسبة إليهم كما لو كان نابعاً من الطرف الذي كان موجوداً هنا يوماً ما، ولذا يطلق عليه ألم الطرف الشبحي Phantom Limb Pain.

يعتقد العلماء أن الألم ينبع من الدماغ، فبعد بتر الطرف، لا يتلقى جزء من الدماغ أي إشارات، ونتيجة لذلك يتأقلم الدماغ بطرق غير مألوفة.. وتكون رسالة الدماغ للجسم هي الألم. يتعامل الأطباء مع الألم الشبحي بطرق عديدة، بإحدى الطرق، يجلس المريض في مواجهة مرآة، بحيث تكون المرآة موازية للطرف السليم، ويبدأ في تحريك هذا الطرف.

تهدف تلك الطريقة بالأساس لخداع الدماغ لتصديق أن الطرف المبتور ما زال موجوداً كما يبدو من انعكاس الطرف السليم على المرآة. وتنجح تلك الخدعة البصرية في تخفيف الألم. بالمثل يمكن تحقيق النتيجة نفسها في العالم الافتراضي، بالاستفادة من وهم انتقال الجسد.

انتقال الجسد

يرتدي صاحب الطرف المبتور نظارة الواقع المعزز التي تكون نافذته على العالم الافتراضي، كما يرتدي قفازاً يستشعر الحركات من يده السليمة، فلنقل أنها يده اليسرى مثلاً. في هذا العالم الافتراضي، تظهر له يد سليمة في موضع يده اليمنى المبتورة، ومن أجل تحريكها تنتقل حركات اليد اليسرى السليمة عبر القفاز إلى يده اليمنى الافتراضية.

على المريض أن يؤدي مهمات عديدة باستخدام يده الافتراضية، مثل أن يلمس أهداف معينة أمامه، أو يضرب كرة تحوم أمام وجهه. ينجح وهم انتقال الجسد في إقناع المريض أن يده المبتورة عادت من جديد، وتساعد تلك التقنية في تخفيف الألم لمدة يومين على الأقل.

قد تكون تقرأ تلك الكلمات الآن جالساً على كرسيك في منزلك أو على هاتفك النقال في طريقك إلى العمل، لابد وأنك واثق تماماً من موقعك، انزع عنك يقينك هذا، بخُدعة بسيطة يمكن أن يُلقي بك دماغك خارج جسدك!

المصادر
1، 2، 3، 4، 5

2