روايـة الأسياد.. وقـرية “دجا” التي تسكن داخل كل عـربي!

روايـة الأسياد.. وقـرية "دجا" التي تسكن داخل كل عـربي!
3

قليلة هي الروايات التي ما أن تبدأها حتى تجذبك لعالمها فلا تستطيع الفكاك، وتنوي قراءة فصل واحد قبل النوم فتجد أنك أنهيت خمسين صفحة، وتراودك نفسك بالسهر حتى تنهيها، ورواية “الأسياد” إحدى هذه الروايات، والتي أمتعتني لمدة ثلاثة أيام من القراءة.

الأسياد هي الرواية الثانية للكاتب المصري حسن كمال، وعمله الأدبي الخامس، حيث قدم من قبل ثلاث مجموعات قصصية هي “كشري مصر”، “وكان فرعون طيبًا” و”لدغات عقارب الساعة”ورواية”المرحوم”.

دجا:

تبدأ أحداث الرواية ببشير الشاب المصري الذي يعود مجبرًا لقريته “دجا”، لنتعرف على قصته التي لا يصدقها عقل، وجمع فيها الكاتب بين الخيال والواقع والخرافة، ليدخلنا عالم دجا المختلف.

يقول بشير عن قريته، أن العالم يسير إلى الأمام، ولكن دجا كلما عاد إليها يجد أنها عادت إلى الخلف عشرات السنين، فالعالم يعيش القرن الواحد والعشرين، بينما دجا وحيدة في القرن العاشر، حيث لا هواتف محمولة، ولا تلفاز أو أي خدمات أخرى، ولا سيادة للقانون بها، الأسياد الوحيدون هم الشيوخ سلالة داعو.

وبشير آخر هذه السلالة يخبرنا بقصة جده داعو الذي كان من الجن ثم رغب في أن يكون بشريًا، فنزل إلى الأرض وأصبحت له سلالة، وقرية وشعب، ووضع وثيقة بها القوانين التي تحكم مملكته الصغيرة والتي يجب أن يلتزم بها الكبير والصغير.

قوانين دجا التي وضعها داعو في حكم الإلهية لأهلها، حيث تختلط في أذهان الجميع الخرافة والدين، ويقع الحد الفاصل بينها، ليتم إصباغ لمسة من القدسية على كل ما يصدر من داعو وأحفاده وأبنائه.

واختيار شيخ القرية يتبع أيضاً قواعد محكمة، ومن يتخلى عن المشيخة يكون مصيره القتل وقاتله يصبح الشيخ الجديد.

دجا في اللغة العربية تعني الظلمة وسواد الليل، وربما كانت تلك إشارة من الكاتب على الجهل التي يعيش فيه أبناء تلك القرية، الذين ارتضوا بالخرافة وأسلموا لها عقولهم.

ولكن هل دجا خيالية بالكامل، أم دجا بداخل الكثير منا؟ هل الخرافات التي يؤمن بها أهل دجا لا توجد بطريقة أو بأخرى بداخل بعضنا؟ ألا يحدث في الكثير من الأحيان خلط بين الدين وبين الخرافات والعادات القديمة والأعراف؟ هل اشتغال أهل دجا بالأعمال وصرف الجن وإيمانهم بهذه الأشياء كاننت إحدى شطحات فكر الكاتب؟

بشير:

بطل الرواية الشاب من دجا، الذي ترك عائلته ذات الأصول شبه الملكية، ورحل إلى القاهرة ليدرس الفلسفة.

بابتعاد بشير عن دجا وتأثير عائلته بدأ الشك بداخله ينمو، ليراجع كل المفاهيم التي نشأ عليها، والأفكار التي زرعتها عائلته بداخله، عن أصوله وجده الجني، لذلك يقرر أن يتخلى عن المشيخة والانتقال نهائيًا إلى القاهرة، وبالفعل يحصل على موافقة والدته الشيخة الحالية، ولكن تنقلب الأمور رأسًا على عقب عندما يأتيه استدعاء هام للعودة مرة أخرى.

يعود بشير مرة أخرى لكن أكثر تمردًا على واقع قريته وأهلها وقوانينهم، ليبدأ عملية بحث في حقيقة عائلته، ويعرف العديد من الأسرار التي أعطتهم هذه الهالة الأسطورية، ويكتشف الزيف والخداع، ويقرر هذه المرة الرحيل لكن بلا عودة.

بشير شخصية معقدة، أو كما يقول عن نفسه شخصين في شخص واحد، فمن ناحية هو الشاب المتمرد على تاريخه وقريته وأساطيرها، ولكن في ذات الوقت لم يستطع أن يتنصل تمامًا من أفكارها، بل بقيت بداخله تبعده عن الفتاة التي أحبها ولا تتوافق مع المعايير التي تربى عليها.

الأسياد:

إحدى قوانين مشيخة دجا المهمة، أن الشيخ الذي يريد التنازل عنها يجب أن يبقى لمدة 100 يوم قبل أن يفعل، والسر وراء هذا القانون أن الشخص الذي ذاق طعم السيادة وشعر بالطاعة الكاملة من سكان القرية لن يستطيع التخلي عنها بسهولة.

ولكن من هم الأسياد الحقيقين، هل هم أحفاد داعو المزعومين، الذين يرثون المشيخة من جيل لآخر، أم صانعيهم الذي وضعوا هذه الأسطورة القديمة.

في الحقيقة الكاتب لم يوضح من هم الأسياد الحقيقين، ليترك للقارئ حرية الاختيار، ولكن من وجهة نظري الأسياد هم الخرافات التي استعبدت عقول الناس، وجعلت من السهل انسياقهم وراء أي شخص يدعي قصة دون أصول، وضعف ذاكرة الشعوب التي تجعلهم ينسون ما حدث في الماضي، ليقعوا في خدع ساذجة، ويرضون بتاريخ مؤلف دون أن يراجعوا تفاصيله.

3

شاركنا رأيك حول "روايـة الأسياد.. وقـرية “دجا” التي تسكن داخل كل عـربي!"