بروكسل وباريس … السُعار الإعلامي العربي

0

طغت حالة من السُعار الإعلامي العربي على برامج القنوات الفضائية العربية وبعض المؤسسات الإخبارية المتخصصة الأخرى في الآونة الأخيرة، والتي تفرد ساعات وساعات من البث المباشر والمسجّل للأحداث في أوروبا، تحديداً في بلجيكا وفرنسا، فمدينتي بروكسل وباريس أصبحتا محوراً للأخبار التي تبثّ على مدار الساعة، وكأنها القضية العربية الأولى في الوقت الحالي.

متابع هذه القنوات يَعتقد للوهلة الأولى أن الجمهور المستهدف ليس العربي بل الغربي (الأوروبي تحديداً)، خاصة مع إرسال عشرات المراسلين لتغطية الأحداث الأوروبية، وتخصيص ساعات الذروة للحديث عن الأوضاع الأمنية هناك.

غابت بوصلة الجمهور المستهدف عن هذه القنوات، وغابت أو انحسرت معه أخبار العالم العربي، وكأن ما يحدث في سوريا أو العراق، فلسطين أو لبنان، لم يعد موجوداً، وأخبار تونس والجزائر ومصر والمغرب والخليج العربي واليمن، أضحت غير مهمة للجمهور العربي، فالخبر السوري أصبح في نهاية النشرة رغم عشرات القتلى الذي يسقطون كل لحظة، واليمني خرج من النشرة بشكل كامل في بعض الأحيان رغم المعارك العنيفة الدائرة هناك، وأحداث مصر ولبنان باتت ثانوية.

0,,18850040_303,00

مما لا شكّ فيه أنّ محاربة الإرهاب أصبحت قضية عالمية تستحوذ على اهتمام العالم، ولكن القنوات العربية (الإخبارية) غاب عنها مناقشة تأثير هذه الهجمات على الشأن العربي (إلا في بعض الحالات النادرة) في ظل السُعار الإعلامي العربي غير المفهوم.

بطبيعة الحال فإن تغطية أحداث باريس، ومن بعدها بروكسل، قد يكون مهماً للعالم العربي، ولكن التغطيات التي قدمت لم تعر هذا الجانب أي اهتمام، واستمرت ببث ساعات وساعات من التغطية الخبرية المجردة من أي محتوى، بدلاً من نقاش تأثيراته، وربطه بالأحداث الجارية على الأراضي العربية، وأبعاده على العلاقات العربية الإسلامية من جهة مع الأوروبية من جهة أخرى.

جواز السفر السوري الذي قيل أنّه وجد قرب جثّة أحد الذين قاموا بتفجيرات باريس، كان له الحصة الأكبر من البث في الأسبوع الأول واستمرت التحليلات عشرات الساعات، في الأسبوع الثاني كانت عملية البحث عن منفذ الهجمات في باريس وبروكسل هي المتصدرة للأخبار، وبطريقة عشوائية وصلت لحد السُعار، تنقلت القنوات العربية بين المدن والعواصم الأوربية لنقل أحداث لا تعني ولا ترتبط بأي صلة بالمواطن العربي (خاصة من حيث طريقة المعالجة)، وكأن هذه القنوات أوروبية المنشأ والتطور، حتى أنها سبقت قنوات أوروبية أخرى في التغطية، فمثلاً بي بي سي، فرانس 24، وغيرها من القنوات لم تغطي الأحداث الأوروبية كما فعلت العربية، فالأخيرة شكّلت غرفة أخبار خاصة بالحدث، ووزعت المراسلين، وحجزت الأقمار الصناعية للبث المباشر، ونقلت المؤتمرات الصحفية، والتصريحات باللحظة.

belg-GettyImages-4_3507754b

المشاهد العربي أصبح في أي وقت يقوم بتشغيل التلفزيون، يرى في بثّ مباشر شوارع باريس وحواري بروكسل، ويتابع قوات الشرطة الأوروبية منتشرة في كل زوايا الشاشة، ويسمع مراسلي القنوات الإخبارية العربية يتحدثون عن مداهمات وملاحقات على مواقع إرهابيين في باريس أو بلجيكا أو غيرها من الدول الأوربية.

وبمقارنة بسيطة فإن القنوات الغربية لم تلتفت لأحداث سوريا أو لبنان أو اليمن أو أفريقيا أو آسيا في أي وقت من الأوقات، كما فعلت القنوات العربية في أحداث أوروبا، فالأولى ربما مرّت على الأحداث العربية أو الإفريقية مروراً، فالجمهور الغربي لا يعنيه ما يجري في تلك البلدان بقدر ما يعنيه ما يجري في بلاده، في حين أنّ الثانية غطّت أحداث أوروبا وكأنها بلدها الأم، لا بل ذهبت إلى التطرف (الإعلامي) في هذه التغطية.

والسؤال هنا للقائمين على قنوات الإعلام العربي، هل أضاعت هذه القنوات بوصلتها في الجمهور المستهدف؟ أم أنّ الأمر مقصود ويهدف لحرف الأنظار عن قضية معينة، وتوجيهها نحو أخرى؟ وهل عملية الغرس الإعلامي الذي يمارسه الغرب أصبح جزءاً من سياسية الإعلام العربي؟

0

شاركنا رأيك حول "بروكسل وباريس … السُعار الإعلامي العربي"