خطوات أخيرة على الميل الأخضر.. عندما يبدع ستيفن كينج في رسم الشخصيات

خطوات أخيرة على الميل الأخضر.. عندما يبدع ستيفن كينج في رسم الشخصيات 1
3

رواية اليوم هي اللحظة الأخيرة المعروفة باسم الميل الأخضر، وهي للروائي العالمي ستيفن كينج، وتم اقتباس فيلم سينمائي شهير عنها من بطولة النجم توم هانكس. الفيلم والرواية قطعة من الفن الراقي!

تدور الأحداث في ثلاثينات القرن الماضي، في فترة الكساد العظيم، وهذه الحقبة الزمنية ملائمة جداً للرواية، فنجد فيها أن الكساد كان سبباً في وجود شخصية في الرواية مؤثرة للغاية، هو بيرسى ويتمور الشاب الذي يتم فرضه على زملائه بسبب قرابته لزوجة العمدة وخوفهم من إغضابه لأن ذلك قد يفقدهم عملهم الذي يحسدهم عليه الكثير من العاطلين عن العمل، وكذلك الإعدام بالكرسي الكهربائي كان السائد في ذلك الوقت وهذا الكرسي أو سباركى العجوز كما يسمونه يعتبر أحد أهم أبطال الرواية.

وتدور الأحداث في السجن وبالتحديد في العنبر الذي يتحفظون فيه بالمساجين الذين حُكم عليهم بالإعدام. لكن لا تتوقع أن تدخل العنبر لتكره كل المسجونين، فهناك من يستحق كراهيتك واحتقارك، وهناك من قد يدفعك للشفقة عليه، وبالتأكيد في وقت الإعدام سوف يداخلك بعض الحزن سواء كان الإعدام لمجرم حقيقي أو مظلوم.

وهذا هو سر عظمة ستيفن كينج في هذه الرواية، هو يرى كل الأشخاص من مسجونين وسجانين بشر متساوين أمام حقيقة الموت، ولذلك لا تستطيع سوى التعاطف مع هؤلاء المجرمين في خوفهم قبيل لحظة النهاية، مرحلة الانتقال بين عالم يعرفونه ارتكبوا فيه المعاصي وعالم آخر لا يدرون مصيرهم فيه وذاهبين إليه وهم محملين بأطنان من أعظم الخطايا، لا تخبرني بعد ذلك أن دقات قلبك لن تتسارع في لحظات الإعدام تلك، وتتمنى أن يتراجعوا عن الإعدام ليعطوهم فرصة أخرى للتكفير عن ذنوبهم.

شخصيات الرواية متعددة ومتباينة، لكننا سوف نتناول منها على وجه التحديد ثلاثة هم الأهم والأبرز.

new-green-mile-tom-hanks-the_green_mile-12

جون كوفى

جون كوفي وآه من جون كوفي، بالفعل ما من بطل روائي أصابني الحزن على مصيره كما حدث معه هو. لأن هبة جون التي منحها له ستيفن كينج لتصبح النقطة الأساسية التي تدور حولها أحداث الرواية هبة مخيفة، قد يظن البعض أن في وجودها نعمة كبيرة ولكنها في باطنها نقمة لا يستطيع بشري تحملها، فقد خلقنا الله بحكمته ذوي إمكانيات محدودة وأي إرهاف زائد في هذه القدرات قد يكون عذاب ما بعده عذاب.

تخيل أن تكون ذا قدرة فوق الطبيعية على الشم أو السمع، هل ستكون سعيدًا بكل هذه الروائح المتضاربة من حولك؟ هل ستكون سعيداُ بأن تسمع كل همسة وكل دقة قلب في صدر من يجلس بجوارك؟ كيف ستنام وأنت دومًا تشعر أنك جالس في وسط ميدان صاخب؟

ولكن قدرة جون كوفي تفوق هذا، فهو قادر على سماع أفكارك، على الإحساس بألمك، على الشعور بخوفك، هل تتخيل عزيزي القارئ أن تكون طوال الوقت مركزًا لكل الأحاسيس المختلفة التي يشعر بها من حولك؟ أعتقد أنك تفهمت الآن لماذا لم يحزن كوفي حين عرف بخبر إعدامه، فحياة مثل هذه لا يتمناها أحد لنفسه.

يتم القبض على جون كوفى العملاق الأسود طفولي القلب والعقل، واتهامه باغتصاب وقتل طفلتين، في الحقيقة هو لم يرتكب هذه الجريمة، لكنه في النهاية ساعد على معاقبة مرتكبها قبل أن يتم إعدامه ظلمًا.

green-mile_tom-hanks

بول إيدكومب

بول هو رئيس الفريق الذي يسيطر على العنبر هـ للمحكوم عليهم بالإعدام. منذ البداية يتضح أنه شخص يعلم واجباته، حريص على مهنته، ولكن خلف هذه الشخصية العملية هو إنسان ذو ضمير حي وقدرة على احتواء الخوف والقلق الطبيعيين في مجموعة تعلم أن مصيرها هو الموت.

يبحث بول عن الحقيقة وراء جريمة جون كوفى ويكتشف أنه بالفعل برئ منها، لكن للأسف دون دليل مادي واضح يستطيع به أن يوقف عملية الإعدام، والتي يقوم بها رغمًا عنه، ولم يساعده عليها سوى قبول كوفى لمصيره ورغبته في الخلاص من حياته التي يشوبها الألم. يظل مشهد الإعدام هو الأقسى في الرواية، والذي يقرر بول أن يكون إعدامه الأخير ليعتزل هذه المهنة ويتجه للعمل في الملاجئ حيث يحاول أن يحمي الأطفال من تحولهم إلى مجرمين.

نلتقي في الرواية بول الرجل في منتصف العمر حيث تجرى أحداث الرواية الفعلية، ونلتقي بول الرجل العجوز في دار العجزة الذي يكتب ذكرياته عما حدث في الميل الأخضر.

Percy-Wetmore-the-green-mile-20526440-720-400

بيرسى ويتمور

الشاب المدلل الذي يعتمد على صلاته وأقاربه ليفعل ما يريد.شخصية تشبه الفئران، جبان وضعيف لذلك يستقوي دومًا على السجناء طالما هم داخل زنازينهم، لكنهم عندما يكونوا في الخارج أقوياء يتحول إلى طفل خائف، هذه الشخصية المركبة التي أبدع كينج في رسمها سادية للغاية، لذلك كان منتهى أمله أن يقوم بعملية إعدام بنفسه، وهي العملية التي تنهى بكارثة حيث تم تعذيب المحكوم عليه حتى الموت بالكهرباء لعدم اتباعه قواعد الإعدام المعروفة عن قصد.

لكن ينال جزاءه حين يستخدمه جون كوفى في قتل وايلد بيل قاتل الفتاتين ويفقد بعد ذلك عقله.

عوامل الجذب للرواية

نرجع إلى الرواية، ماهي عوامل الجذب التي تجعلني أتجه إلى قراءة رواية عملاقة بهذا الحجم، فالرواية تبلغ 480 صفحة من القطع الكبير؟ الرواية فيها الكثير مما يشجع على قراءتها، فما أن تبدأ بها حتى تجذبك آلة الزمن لهذا العالم ولا تستطيع الخروج منه إلا في لحظة النهاية لتتمنى أنها لم تكن انتهت أبدًا.

عوامل الجذب متعددة، مثل القصة التي تحمل كما قلنا لمسة ماورائية لكنها راقية للغاية، وتجعل من الممكن تصديقها والتعاطف معها، والشخصيات المتعددة المتكاملة، فقلّما تجد من الشخصيات التي دون أبعاد نفسية تجعلك تشعر إنه مسّك بشكل أو بأخر، وكذلك قل استعمال الشخصيات الأحادية سواء الطيبة أو الشريرة ماعدا شخصية واحدة فقط وهي شخصية وايلد بيل ولكن باقي الشخصيات حتى الشرير منها ستجد فيه كما في الحياة جانب تتعاطف معه أو جانب طيب يشعرك إنه حتى لو كان قاتلًا فهو ما زال بشري بشكل أو بآخر.

في النهاية الرواية تجربة رائعة أنصحك ان تخوض غمارها، فسوف تدخلك في عالم واسع من المشاعر والأحساسيس الراقية وتشعرك لبضع أيام إنك على الحافة بين عالمين العالم الواقعي وثلاثينات القرن العشرين حيث تأخذ بضع خطوات أخيرة على الميل الأخضر.

3

شاركنا رأيك حول "خطوات أخيرة على الميل الأخضر.. عندما يبدع ستيفن كينج في رسم الشخصيات"

  1. Mnes Blue

    علياء، لا عجبَ أنْ كان لهذهِ الرواية وقعًا مؤثرًا فيكِ، إذ أنها تُشبه كثيرًا تلك العبارة في وصفكِ “العالم بائِس للغاية”. مرّت أعوام على مُشاهدتي الأولى للفيلم “الميل الأخضر” المأخوذ عن الرواية (لم أقرأها بعد) وقد كررت مشاهدته، ولم أزل أذكر مشاهدهُ وشخوصهُ المُتباينة، ومثل هذهِ الأفلام الّتي تصدمنا في حقيقة الإنسان والحياة يكون لها تأثير ساحر على الحواسّ ربما شعرَ أحدنا بعد إنتهاء الفيلم بالإرهاق والتعب وكأنما قد فرغ للتو من صراع، أو تحيّر خلال المشاهدة لدرجةِ أنه أراد أن يتوقف عن التفكير دون جدوى!
    “ستيفن كينج” روائي بارع يُجيد كتابة هذهِ الدراما النفسية المُثيرة ومُحاكاة دواخل الإنسان.
    وراء الحكاية سؤال وَ وراء السؤال العديد من الإجابات المختلفة..
    وتبقى الحياة أسرار والإنسان سِرُّها المُحيِّر!
    شكرًا لكِ علياء 🙂

      • عليـاء طلعـت

        اشكرك جداً على ردك، وفعلا ستيفن كينج برع في وصفت شخوص الرواية، وتصوير كل منها بشكل طبيعي، حتى يجعلنا نتعاطف مع المجرمين – البشر- في نهاية المطاف، أرشح لك بشدة قراءة الرواية، فعلى الرغم من جمال الفيلم تظل الرواية الأروع بلا جدال.

أضف تعليقًا