اللصوص.. رحلة في عالم الشر للكاتب فريدريش شيلر

اللصوص.. رحلة في عالم الشر للكاتب فريدريش شيلر 6
0

“اللصوص” تنقلنا إلى مكان ما من هذه الأرض حيث تفسد القلوب، ويكون فيه الشر أمر لا مفر منه. هي رحلة ممتعة في عالم يتنوع فيه الشر من صنع المكائد والخداع وإشعال الحرائق إلى القتل بدم بارد.هي مسرحية كتبها الكاتب الألماني فريدريش شيلر الذي يمكننا تسميته بشكسبير ألمانية، ويمكننا أن نقول إن مسرحية اللصوص هي أول تحفة فنية لشيلر جعلته يصعد إلى القمة في عالم التأليف المسرحي.

friedrich_schiller_edited1

ولد فريدريش شيلر في 10 نوفمبر عام 1759 في قرية مرباخ في مقاطعة فورتمبرج، تعلم وهو في عمر السادسة على يد قسيس يدعى موزر مبادئ اللغة اللاتينية من ثم مبادئ اللغة اليونانية، وكان شيلر يقدر هذه القسيس تقديرًا كبيرًا، والجميل في الأمر أنه وضع اسمه في إحدى شخصيات مسرحية اللصوص.

درس في البداية القانون ومن ثم غير دراسته إلى الطب لكن لم يكن مهتمًا بهذه الدراسة، وكان اهتمامه بالأدب والشعر أكثر بكثير من ذلك. عندما نشر غوته مسرحية “جيتس فون برلشنجن”ورواية”ألام فرتز” قرأهما شيلر من ثم أراد أن يحاكيهما وكتب مسرحية تحت عنوان “كوزمو مدتشي” وقصة انتحار بعنوان “تلميذ ناساد” وبعد الانتهاء لم يعجبه ما كتب ورأى أنها تفاهة فأحرقهما.

بدأ في كتابة مسرحية اللصوص في عام 1777 وكانت الفكرة مستوحاة من أقصوصة كتبها أنطون لايزفتس قبل ذلك بعامين تحمل اسم “Julius of Tarent”، لكنه لم يواصل العمل عليها في نفس العام وانصرف إلى دراسته في الطب وقدم رسالتين؛ الأولى تتحدث عن “الارتباط الوثيق بين طبيعة الإنسان الحيوانية وبين طبيعته الفيزيائية” والثانية عن “الفارق بين الحميات الالتهابية والحميات العفونية”.

بعد الانتهاء من دراسته أكمل كتابة عمله لينتهي منه في عام 1781، من ثم أرسلها لأصدقائه لكي ينقدوها وحاول أن يعثر على ناشر لكنه لم ينجح، وقرر أن يقوم بطباعتها على نفقته الخاصة، وأثناء الطبع أجرى بعض التعديلات وطبعت في النهاية لكن دون ذكر اسم المؤلف وكتب على الغلاف عبارة من عبارات بقراط:

“ما لا تشفيه الأدوية، يشفيه الكي، وما لا يشفيه الكي، تشفيه النار”

die_raeuber104

في 13 يناير عام 1782 تم تمثيلها لأول مرة على مسرح مانهيم القومي، وجاء شيلر سرًا من اشتوتجرت ليشاهد التمثيل دون الحصول على إذن من دوق مقاطعة فورتمبرج كارل يوجين خوفًا من رفض السماح له بالسفر إلى مانهيم. وفي 2 مايو من نفس العام كتب إلى مؤسس المسرح القومي دالبرج يطلب منه تمثيل المسرحية مرة أخرى، وسافر لمشاهدتها دون إذن أيضًا، وعند عودته علم الدوق ما حدث واستدعى شيلر وقال له لقد ذهبت إلى مانهيم وأنا أعرف كل شيء وأصدر عقابًا له وأمر بكف شيلر عن تأليف الأدب وامتناعه عن الاتصال بالخارج، وحكم عليه بالحجز 15 يوم.

شعر شيلر أن هذا القرار ظالم جدًا وسوف يقضي على مستقبله، وبسبب ذلك قرر أن يهرب وحدد مع صديقه موعد الهروب في 17 سبتمبر عام 1782، من ثم تسلل وخرج من أبواب مدينة اشتوتجرت واجتازوا مقاطعة فورتمبرج متجهين إلى مدينة مانهيم من ثم إلى فرانكفورت.

عندما بلغ الثلاثين من عمره عمل أستاذ تاريخ في جامعة يينا، كما ألقى في عام 1970 محاضرات في علم الجمال وبالتحديد فن المأساة، وساهم بكتابة كتاب عن فلسفة الجمال يحمل عنوان “رسائل في التربية الجمالية للإنسان” الذي نشر في عام 1795.

41K9aGaO1+L

هذه المسرحية الدرامية تتحدث عن التنافس بين الأخوين كارل وفرانتس ونستطيع أن نقول إن كلاهما خارجان عن الأخلاق التقليدية وتملّك قلوبهما الشر، لكن كل شخصية تملك نوعاً خاصاً من الشر، فلدينا فرانتس وهو الابن الأصغر شخصية بغيضة لا تطاق يصنع المكائد والحيل بسبب الجشع الذي يمتلكه، وكارل الشاب الذي ضل طريقه وانجر بسبب بعض المواقف إلى الرذائل فأصبح رئيساً لعصابة من اللصوص وقطاعي الطرق الذي يقتلون ويحرقون بكل دم بارد، لكن شخصية كارل في هذه المسرحية رغم ما يرتكبه من فظائع وقتل وسرقة إلا أن الكاتب جعلنا بطريقة مدهشة نحبها ونكرهها في نفس الوقت لعدة أسباب تحدث أثناء المسرحية، فهو يمتلك روحاً نبيلةً تم إفسادها واستدراجها خطوة خطوة إلى الهاوية ليقع في مستنقع الشر وفي كل موقف تستيقظ هذه الروح قليلاً لترى قبح الأفعال الذي يقوم بها هو وأصدقاؤه.

فرانتس صانع المؤامرات والمكائد يحاول في البداية بعمل خطة ليرمي أخاه بعيداً عن الميراث ويحول والده ضده وبسبب تلك المؤامرة يفقد كارل عقله لتبدأ الأمور الدموية، فيجمع عصابة من الخارجين عن القانون ويعيش في غابات بوهيميا وتبدأ رحلة السرقة والقتل والأحداث التي تجعل من فكك السفلي يقع، وعقلك يطير في الهواء بسبب شخصية كارل المعقدة.

10000389_Vortragen der Räuber im Bopserwald

يصف لنا شيلر شخصية الأخوين بالمسرحية:

فرانتس: شرير تمكنت منه الرزيلة، إنه نموذج الإنسان الذي نما عقله على حساب قلبه ونمط المستهتر بالقيم الذي لا يقدس أي قيمة لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة.

كارل: شاب ملتهب الحماسة سيطرت عليه عظمة الشر وما يتطلبه من قوة وما ينطوي عليه من أخطار، وكان مقدر له أن يكون بروتس أو كاتلينا المتآمر الروماني المعروف وسلسلة من الظروف البائسة جعلت منه كاتلينا ولم يصبح بروتس إلا في نهاية ضلال فظيع.

تقييمي لقراءة المسرحية كان 4/5 وبكل صراحة لم أستطع إبعاد الكتاب من يدي حتى النهاية لما فيه من تشويق وأحداث غير متوقعة، وأمور في غاية التأثير. وأعجبتني أيضاً ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي والهوامش في نهاية الكتاب التي سوف تساعد كثيراً لمعرفة الشخصيات التاريخية التي وضعها شيلر في مسرحيته، وفي النهاية هنا أوبرا لهذه المسرحية من إبداع Giuseppe Verdi تحمل اسم I masnadieri.

0

شاركنا رأيك حول "اللصوص.. رحلة في عالم الشر للكاتب فريدريش شيلر"

أضف تعليقًا