د. مصطفى محمود ورحلة كتاباته المثيرة من الشك لليقين

دكتور مصطفى محمود
1

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

مقال بواسطة/ أمين المهدي الصفحي – المغرب

من منا لم يسمع بالدكتور الفيلسوف الطبيب والكاتب المصري مصطفى محمود، أحد أهرامات مصر الشامخة في العلم والأدب، خير ما أنجبت مصر في القرن العشرين، والذي ولد في 27 ديسمبر 1921، درس الطب وتخصَّص في الأمراض الصدرية، لكنه تفرغ بعد ذلك للكتابة والبحث.

الذي زيَّن وأثرى المكتبة العربية والعالمية بـ 89 كتاباً، منها الكتب العلمية والدينية والاجتماعية والسياسية إضافة إلى الحكايات والمسرحيات وقصص الرحلات، بأسلوب راق وبسيط يخطف الأنفاس.

ومن منا لم يشاهد ولو حلقة واحدة من برنامجه التلفزيوني “العلم والإيمان” الذي بلغ أكثر من 400 حلقة، والتي تعتبر موسوعة شاملة كاملة استطاع الدكتور من خلالها أن يمزج بين عجائب وغرائب وقدرات هذا الكون العجيب الذي نعيش فيه وبين الإيمان بوجود الله سبحانه وتعالى وقدرته، وقد تناول العديد من المواضيع في مختلف المجالات من الكائنات الدقيقة إلى سديم الفضاء.

يمكن تصنيف كتابات الدكتور وتقسيمها إلى ثلاث مراحل أساسية:

المرحلة الأولى: الأدبية الوجودية

يمكن اعتبارها مراهقته الأدبية في الكتابة، ذلك الشاب المغمور الذي لا يعجبه العجب، حيث أنه كمعظم شباب القرن الماضي تأثر بالمد الشيوعي الذي اكتسح العالم العربي، ويظهر ذلك جلياً من خلال كتاباته في هذه المرحلة التي سجَّل فيها كثيراً من تأملاته ورؤيته وكذا إجاباته عن بعض الأسئلة الفلسفية الكبرى التي شغلت الإنسان منذ الخليقة: من نحن؟ ولماذا جئنا؟ وكيف جئنا؟ وما هي الحكمة؟ وإلى أين السبيل؟

من أهم كتب د.مصطفى محمود في هذه المرحلة: كتاب “الله والإنسان” الذي أثار جدلاً كبيراً انتهى بمصادرة الكتاب وحظر نشره واتّهام مؤلفه بالكفر والإلحاد، أكد في بداية كتابه أنَّ الله أقرب إلى الذين يجتهدون في فهمه من الذين يؤمنون به إيماناً أعمى، وأنَّ كل إنسان في حاجة إلى قراءة الفلسفة والشعر والقصص، وفتح ذهنه على الشرق والغرب ليحصل على التهوية الضرورية، واصفاً من لا يقرأ ويتفتح بـ “العفن”.

دكتور مصطفى محمود

كما ناقش فيه مواضيع أخرى كالشرف عندنا –نحن المجتمعات العربية– مظهراً السكيزوفرينيا التي نعيشها رابطين الشرف بالأعضاء التناسلية، فإذا ارتكب الإنسان كل الدنايا والموبقات الموجودة في قاموس الرذائل من ألفه إلى يائه وظلَّ حَرمُه مصوناً فالإنسان شريف مائة في المائة، كما تساءل عن الفضيلة المجردة والحق المطلق والخير الصّرف باعتبارها لا توجد إلا في عالم أفلاطون، عالم المثاليات.

في نفس الفئة يقع كتاب الأفيون الذي يحكي قصة العم عبد المقصود رجل من الطبقة دون الوسطى، متدين إلى أقصى الحدود، متعلم وموظف بالقطاع العام ومع ذلك فهو جاهل يؤمن بالخرافات والتبرك بالأولياء الصالحين مما يجعله فاشلاً في حياته، خلاصة القصة أن الدين أفيون الشعوب كما قال كارل ماركس.

المرحلة الثانية: الشك والعودة

على إثر زيارة د.مصطفى محمود للاتّحاد السوفياتي تفاجأ من الظلم والقهر الذي يعيشه الناس هناك شاهداً على فشل الماركسية في معقلها. في هذه المرحلة بدأ الدكتور بمراجعة جميع أفكاره وبالتالي تخليه عن الفكر الماركسي نهائياً، بل وأخذ على عاتقه تعريف الشباب بضعف وفشل مذهب الشيوعية -الاشتراكية والتقدمية- العلمانية.

هنا ركَّز مصطفى محمود كتاباته عن سقوط اليسار، سواء سقوطه سياسياً أو من اهتمامات الناس. ويشير في كتاباته إلى أنَّ الحل المرجو هو يقظة الضمير وإقامة الوعي أو الحس وبهذا يحدث التغيير، فقد ثبت عدم جدوى الانقلابات والثورات وإنما الحل أن يتغير الإنسان في ذاته، وأن يميل الكل إلى مفهوم إسلامي يشمل كل جوانب الحياة وليس فقط إلى حكم سياسي إسلامي يقوم على فرد واحد.

دكتور مصطفى محمود

حينها عاد الدكتور إلى الإيمان من رحلة الشك الطويلة وأصبح مؤمناً بالخيرية وبأن الإنسان عابر ولابد أن يترك بصمة. هنا نلتقي الفيلسوف المؤمن الذي اتّحفنا بأطروحات فكرية جديرة بالتأمل، ومزيداً من التساؤلات المسؤولة أهمها: هل الإنسان مسيَّر أم مخيَّر؟ علاقة الروح بالجسد؟ ماهية الإسلام و الدين عموماً؟ ما معنى الموت وما الحياة؟

في نفس الفئة: كتاب سقوط اليسار، حوار مع صديقي الملحد، رأيت الله، عصر القرود، هل هو عصر الجنون، أناشيد الإثم والبراءة، الماركسية والإسلام …

المرحلة الثالثة: الفيلسوف الصوفي

هنا تميز مصطفى محمود بنضج تام متأثراً بشيوخ الصوفية كمحمد محي الدين ابن عربي ومحمد عبد الجبار النفري الذي اعتبره شيخه الأول. كتاب السر الأعظم هو أحد كتب هذه المرحلة، وقد فجر فيه مجموعة من القضايا الصوفية التي تعتبر مدار الخلاف في تاريخ الفكر الإسلامي، حيث تطرق إلى توضيح أنَّ أغلب كلام الصوفية هو نوع من الرموز والإشارات التي تقصر العبارة عن توضيحها، كما يقول النفري: كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة.

ووضح أن ما ترمي إليه فكرة التجلي عند الصوفية هي أن كل مظهر عبارة عن رمز له مستند إلهي، ونفى أن تكون هي وحدة الوجود الهندية الوثنية التي تقول بوحدة الخالق والمخلوق والقاتل هو عين المقتول والرب عين العبد، وقال أن النرفانا أو البارانرفانا كلها تنظيرات خاطئة ولا علاقة لها بالأحوال الصوفية، وهي كلها أفكار بوذية وزرادشتية مجوسية، وبيّن أن كشف الحجاب هو نوع من رؤية أنوار الله وليس هو رؤية الله التي هي مُحال في الدنيا، ووضح أنَّ الصوفية رمزوا لذلك النور باللثام النوراني أو الحجاب النوراني، مؤكداً أن الرؤية تكون للنور لا لله تعالى.

دكتور مصطفى محمود

تعرض مصطفى محمود لأزمات فكرية كثيرة، أولها عندما قُدم للمحاكمة بسبب كتابه “الله والإنسان” وطلب جمال عبد الناصر بنفسه تقديمه للمحاكمة بناء على طلب الأزهر باعتبارها قضية كفر، وبسبب كتاب “الشفاعة” كانت أزمته الثانية لأنه قال إن الشفاعة الحقيقية غير التي يُروج لها علماء الحديث وأن الشفاعة بمفهومها المعروف أشبه بنوع من الواسطة والاتّكالية على شفاعة النبي محمد وعدم العمل والاجتهاد أو أنها تعني تغيير لحكم الله في هؤلاء المذنبين وأن الله الأرحم بعبيده والأعلم بما يستحقونه، وزاده أزمة منعه من كتابة المقالات في الجرائد بقرار جمهوري وذلك لاتهامه بمعاداة السامية حيث أنه كان كاتباً شرساً ضد الكيان الصهيوني في تلك الفترة.

أصيب بمحنة شديدة نتيجة الهجوم الذي تعرض له جعلته يعتزل الكتابة وينقطع عن الناس. وتوفي في 31 أكتوبر 2009، عن عمر يناهز 88 عاماً في صمت تام بعيداً عن أي تغطية إعلامية تليق بمقام الرجل.

نال مصطفى محمود العديد من الجوائز، فحازت روايته “رجل تحت الصفر” على جائزة الدولة لعام 1970، كما صُنّف حسب دراسة أمريكية كأحد أهم عقول القرن العشرين.

في النهاية من مكتبته أنصح بقراءة: الروح والجسد، حوار مع صديقي الملحد، في الحب والحياة، يوميات نص الليل، عصر القرود، أيها السادة اخلعوا الأقنعة.

1

شاركنا رأيك حول "د. مصطفى محمود ورحلة كتاباته المثيرة من الشك لليقين"

  1. Ahmed Saad

    سبحان الله ، لماذا اتهم بالكفر فى هذين الكتابين؟!! ما اغبى هؤلاء الناس فعلا!!

  2. Abo Fouad

    أنا من عشاق هذا العملاق
    ترك بصمة واضحة في مسيرة التمرد على الأفكار التي جمدت المسلمين
    قرأت له جميع كتابه
    وأنا من مؤيديه في كتابه الشفاعة
    رحمه الله

أضف تعليقًا