التلفاز وقدراتنا العقلية.. هل هي علاقة تنمية أم تشويه؟!

1

يوجد في كل منزل، أو في كل غرفة، لا يمكن التفريق بينه وبين أثاث البيت، فهو من الموجودات البديهية لدى الجميع، تسمع صوته من جميع المنازل، لا يعلو صوت على صوته عندما يتعلق الأمر بالسياسة والأخبار الساخنة، في السهرات العائلية، يعد المتحدث الوحيد.

هل تذكر عندما كانت أمك تلح عليك لتغادر مقعدك أمام التلفاز لأنه سيلبد ذهنك؟! يبدو أنها كانت على حق!

التلفاز ومهارات التفكير لدى البالغين.. 

solving_problems-1

دراسات حديثة موسعة تربط بين مشاهدة التلفاز بكثرة في سن الشباب ومهارات التفكير المنخفضة عند بلوغ منتصف العمر.

أجريت الدراسات على 3247 شخص في كل من الولايات الأمريكية (شيكاغو، بيرمنغهام، مينيابوليس، أوكلاند) في الثمانينات، وقد بقي هؤلاء الأشخاص قيد الدراسة للخمسة وعشرين سنة التالية لتقييم مهارات التفكير لديهم كل 2-5 سنوات، وتم هذا مع مراعاة العمر، العرق، مرحلة التعليم، تناول المشروبات الكحولية، وغيرها من العوامل..

في كل زيارة حدد هؤلاء الأشخاص مستوى النشاطات الرياضية التي يقومون بها كل يوم شديدة كانت (السباحة، حمل الأثقال.. إلخ) أم متوسطة (مشي، ممارسة الغولف..)، كما حددوا عدد الساعات التي يقضونها في مشاهدة التلفاز، واعتبر معدل الجلوس الذي يفوق الثلاث ساعات مرتفعاً.

بعد 25 سنة من بداية البحث، خضع المشتركون لثلاث فحوص معرفية مشهورة:

  1. (Digit Symbol Substitution test) يحدد سرعة المعالجة العقلية.
  2. (Stroop Test) الذي يقيس سرعة المعالجة والانتباه.
  3. (Rey Auditory Verbal Learning Test) الذي يقيم قدرة الأشخاص على تذكر المعلومات المنقولة شفهياً.

المشتركون الذين شاهدوا التلفاز أكثر من 3 ساعات يومياً (حوالي 11%) حصلوا على درجات أدنى في اختبارين من الاختبارات الثلاث السابقة، وكان الاستثناء ذاكرة الكلام المنقول شفهياً، لكن فيما يتعلق بالاختبارات الـ(لا شفهية) كان أداء ممارسي الرياضة بشكل منتظم، قليلي مشاهدة التلفاز أفضل بحوالي ضعفين من نظرائهم الذين قضوا أكثر من ثلاث ساعات في المشاهدة يومياً دون جهد جسدي يُذكر.

هناك علاقة واضحة بين التمرين الجسدي والأداء الفكري، فالأفعال الاعتيادية كالجلوس أمام التلفاز تؤثر على الاستقلاب وتقوم برفع منسوب الشحوم والسكريات في الدم مما قد يؤدي إلى ارتفاع الضغط الشرياني، الاكتئاب والعادات الغذائية السيئة ترتبط مع مشاهدة التلفاز بكثرة أيضاً، وهذا بمجمله يؤثر على الدماغ كثيراً.

الطفولة والتلفاز.. 

child-watching-tv

لا يقتصر هذا التأثير السلبي على البالغين وحسب، فالطفولة لم تسلم منه أيضاً، معظم الآباء قلقون بشأن مواقع التواصل الاجتماعي التي تمتص انتباه أطفالهم وتحتل الكثير من وقتهم، لكن ماذا بشأن التلفاز؟!

جرت أبحاث في جامعة أوهايو الأمريكية على مجموعة مكونة من 107 طفل دون السن المدرسي تتراوح أعمارهم بين (3-6 سنوات)، وتم الاستفسار عن وجود تلفاز في غرفتهم أو مجرد بقاء ضجيجه في المنزل بشكل معتاد، حيث تبين أن هذا يسبب ضعفاً في القدرة على تقييم الحالة العاطفية والعقلية للناس لدى الطفل، يشمل ذلك عدم القدرة على الفهم الصحيح لمعتقدات الأشخاص، اهتماماتهم، ورغباتهم، أو ما يمكن أن نسميه مجازاً (قراءة الناس)، والتعامل مع المواقف التي تتطلب التحليل العميق وليس الفهم السطحي.

قد يكون للتلفاز أثر جيد على الطفل إذا ما تمت مراعاة أنواع القنوات التي يشاهدها كمثل (ABC family، PBS) ومناقشة ما تم عرضه مع الآخرين، وهو من الواجبات التي تتحتم على الوالدين اللَّذين يلعبان الدور الأكبر، فقد وضح هذا البحث أن الدور السلبي للتلفاز يأخذ مجراه بشكل أكبر في حال تخلي الوالدين عن مشاركة طفلهم فيما يشاهده ومحاولة تكوين ملكة التفكير لديه.

تأثير التلفاز على المستوى البيولوجي، ومناقشة فلسفية لمفهومه..

brain imaging

إذا تعمقنا في البحث على المستوى البيولوجي للدماغ وجدنا كماً هائلاً من المعلومات التي تخوف من مضار مشاهدة التلفاز وخصوصاً عند الأطفال الذين ما زالوا في مرحلة التطور الفكري، وما زالت بنية دماغهم مرنة لتتقبل الكثير من الحقائق، وتتعدل تبعاً لما تشاهد، فقد أظهر التصوير بالمرنان لأدمغة الأطفال تأثيرات واسعة على مستوى الدارات العصبية لأدمغتهم، والبنى المختلفة كالحصين المسؤول عن تلقي الذاكرة الحديثة، وقشر الدماغ الجبهي الذي يمثل الشخصية والتفكير، فضلاً عن خلل القدرات اللفظية الناتجة عن عدم التواصل البشري الفعلي، مما قد يؤدي أيضاً في مرحلة من المراحل إلى الاكتئاب والتوحد والمهارات الاجتماعية المتدنية، وبالتأكيد الصحة الجسدية المتدهورة لعدم ممارسة النشاط والتمارين الرياضية بشكل كاف.

التلفاز لا يمكن أن يمثل الواقع، كمية المشاعر الدرامية والمبالغات والمغالطات غير المستندة على دلائل منطقية كبيرة فيه، وهذا ما يؤدي إلى إعادة تكوين الأفكار حسب رغبة المنتجين والمخرجين لتحقيق الجذب الأكبر للمشاهدين لمنافع مادية ليست تربوية في أغلب الأحيان.

يصور التلفاز الجريمة في كثير من برامجه، وينقل الكثير من الأخبار التي تضيف عاملاً توترياً لا يمكن أن ينقل للمشاهد أي فائدة.

باختصار أستطيع القول أنه أداة للتحكم في العقول وصناعة تفكير يلائم غايات جهات معينة، لكنه كمثل أي شيء اخترعه الإنسان له منافع لا يمكن إنكارها، والغرض من كلامي هو أن نتجنب الأثر السيء فحسب، فلكل حضارة جانبان واحد مفيد وآخر ضار، وما علينا إلا أن نتوخى الحذر.

المصادر: 1,2,3

1

شاركنا رأيك حول "التلفاز وقدراتنا العقلية.. هل هي علاقة تنمية أم تشويه؟!"

أضف تعليقًا