2

صحيح أن هذا المقال جاء بعد أيام على مرور ذكرى الحب في العالم وهذا مقصود إلى حد ما إلا إني ازعم كما كثيرون من الذين قد يؤيدون رأي في هذا … بأن الحب لا يمكن تحجيمه في إطار زمني محدد بيوم واحد فقط من السنة، لأن الحب قد يكون الحالة الإنسانية الأوفر حظاً كي تعيش فينا على مدار العام لا بل يجب أن تتجاوز ذلك الحد إلى الاستمرارية مدى الحياة، إن نحن أحسنا الحفاظ عليه ومده بشكل دائم بالطاقة المرتكزة على مجموع المشاعر والأحاسيس الإنسانية الجميلة التي يمتلكها البشر، فالحب أشبه ما يكون ببذرة صغيرة تقوم بزرعها ورعايتها ومدها بالضوء والماء لتنمو في تربة صالحة وفرت لها.

بهذا التشبيه يمكن لنا القول بأن الحب ينمو ويحافظ على رونقهِ بالممارسة. نعم بالممارسة فالحب أيضاً يحتاج منا بذل الجهد لنشره في أرجاء أرواحنا قبل عقولنا وقلوبنا، وقد لا نختلف مع وجهات النظر القائلة بأن القلب هو المصدر الأساس لتلك المشاعر الجميلة أو أن الدماغ هو المنشأ الحقيقي لسلوك الحب الذي يعترينا ويدغدغ مشاعرنا أو ربما يكون الاثنين سويًا فمهما تعددت الآراء واختلفت في ذلك فلا بأس … فهل هناك جدل أجمل من الجدال في الحب.

الحب في الماضي ؟

الحب والأحمر 01

من منا لم يسمع أو يقرأ عن قصص الحب العظيمة في التراث الإنساني، متفاعلًا معها بشكل أو بأخر فيبدو لي أن حكايات العشق والغرام تثير فينا شيء من المشاعر الجميلة، وخاصة إن كنا قد فقدنا منها جزءً كبيراً للأسف…؟

فلم نجد أجمل من ما كتب وليم شكسبير في الحب عندما سطر لنا رائعته الأدبية ‘‘روميو وجوليت‘‘ في الفترة الواقعة بين عامي 1593 و 1596. سارداً بأسلوب أدبي حكاية شاب وفتاة من عائلتين متخاصمتين وقعوا في شباك الحب، دون دراية منهما بما ستؤول إليه مصائرهم لتكون قصتهم تلك وبغض النظر عن النهاية المأساوية لحكايتهم إلا أن ‘‘روميو وجوليت‘‘ بقيت حاضرة وبقوة في التراث الأدبي العالمي، ممثلة على شكل أفلام سينمائية وأعمال مسرحية ولوحات فنية. لتبقى ‘‘روميو وجوليت‘‘ ملهمة للكثيرين إلى يومنا هذا.

كما لم يكن تاريخنا العربي فقيراً من حكايات الحب والعشق التي أذكر منها قصة الشاعر العربي الغزلي ‘‘قيس بن الملوح‘‘ الذي هام بعشق ليلى العامرية بعد أن رفض أهلُها  تزويجها إياه ليهيم على وجه يردد الأشعار في حبها، ربما قد يكون ذلك سبباً في أطلاق لقب مجنون ليلى عليه، فقد نستمر في سرد الكثير من الحكايات عن العشق والهيام فالتاريخ مليء بها ولا يمكن أن نحصيها أو نتحدث عنها في مقال واحد.

أحبك يا ليلى محبة عاشق * عليه جميع المصعبات تهون
أحبك حبًا لو تحبين مثله * أصابك من وجد علي جنون
ألا فارحمي صبًا كئيبًا معذبًا * حريق الحشى مضنى الفؤاد حزين
قتيل من الأشواق أما نهاره * فباكِ وأما ليله فأنين
قيس بن الملوح

هل تغير مفهوم الحب اليوم ؟

الحب والأحمر 02

نتساءل اليوم هل تغير مفهوم الحب بتغير الأزمنة، مع تحول مجتمعاتنا إلى مجتمعات استهلاكية تحكمها الماديات والعلاقات القائمة على المصالح الشخصية، بحيث انتقلنا من حالة الحب المجرد من تلك المصالح الإنسانية القائمة في النفس البشرية التي يصعب نكرانها بدون أدنى شك إلى حالة من السيطرة المادية على مختلف سلوكيات حياتنا التي يشكل الحب جزء منها إلا أنه يمكن التخفيف منها فالحب قائم اساسًا بمفهومه الشمولي على نكران الذات والاندماج مع الأخر واحترام وجوده الإنساني، لذلك لابد من التماهي مع حالة الحب بكل تفاصيلها.

فالذين كانوا يطربون عشقًا وهيامًا لسماع بيت شعري من قصيدة غزلية أو أغنية حب تذيب القلوب، فلم تعد أرواحهم تألف تلك الحالة، كما أن من كانت أو كان يسعد بهدية صغيرة تعبر له عن الحب كوردة لم يعد يسعده ذلك… خاصة أننا نعيش زمن التحريم والحرمان في كل شيء ومن كل شيء لأسباب ودوافع مختلفة. فنجد أصوات تعلوا هنا وهناك لتلقي علينا بظلال كلماتها الثقيلة على أرواحنا معلنة لنا نهاية زمن الحب الجميل، في سعيهم الدائم لتسخيف المشاعر الإنسانية.

لست اعتقد بأن الحب يرتبط بمكان أو زمان أو بفئة دون أخرى، ولا يمكن حصره بذكر وأنثى إنما يتعداها إلى مفهوم أشمل وأعم عن الحب بحيث يستطيع الحب أن يأخذ أشكال مختلفة بين الأخ وأخيه… وبين الصديق وصديقه وبين الطفل ووالديه إلى أن يصل للحب بين الفرد وأخاه في الإنسانية، من الطبيعي أن نكون جميعًا مؤيدون لمفهوم الحب مهما اختلفنا في توصيفه أيضًا من الطبيعي أن نتفق على أن نبعد الحب عن اطاره المادي والتجاري الذي سعى البعض لوضعه فيه.

لماذا .. يخلع الحب أحمره ؟

الحب والأحمر 03

قد يستغرب قارئ المقال من العنوان ويسأل ما هو الرابط بين العنوان وموضوع المقال، لذلك سأسعى في كلماتي الأخيرة جاهداً لإيصال المقولة من ذلك بشكل مبسط.

ففي زمن الحروب المستعرة التي نعيشها في الكثير من بلادنا، وأمام المشاهد التي نتعرض لها من وسائل الإعلام التي لا تتدخر جهداً في أبراز وحشية الإنسان من قتل وتخريب لمقومات الحياة والعيش المشترك، وكم الحقد المنشور على الشاشات وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. فمشاهد الدم تغزونا بشكل يومي لتصبغ وجداننا بالكثير من الأسى على مدننا وشوارعنا بعدما كانت تتلون بالأحمر في عيده وتشغل الناس بالحب، تحول اللون الأحمر في ذاكرتنا إلى لون منبوذ لارتباطه بالقتل وإباحة الأرواح هنا وهناك وبشكل عبثي مقيت.

فلقد كان الأحمر رمزاً للعشق تتلون به شوارعنا في يوم /14/شباط من كل عام كتذكير للبشر بأسمى القيم التي يمكن أن تجمع البشر سواء كنا متفقين أو مختلفين على هذا اليوم ومرجعيته، الإ أننا اليوم بأمس الحاجة إليه … لعله يعيد لنا بعض من إنسانيتنا المغربة في شوارع الحقد والدماء، لعل الحب بذاته أصبح يشعر بغربة ويشعر بخجل من لونه معلنًا براءته من الأحمر بسبب ما يحصل في مجتمعاتنا التي ألفت الأحمر، بشكل يدعونا لإعلان وقفة مع الذات … وإعادة التفكير بعمق وحكمة، كي لا يخلع الحب عنه أحمره والعمل على  استرداده من أيدي خاطفيه ووضعه في مساره السليم …. كأيقونة للحب.

جُل ما اتمناه أن أكون قد أوصلت مقولتي بهذا الطرح البسيط … لعله يشكل صرخة في وجه العنف في العالم والعودة إلى المحبة والتآخي.

وأنت صديقي القارئ أود أن أعرف منك في التعليق، ماهو رأيك فلا تبخل علينا بمشاركتك التي نسعد بها.

2

شاركنا رأيك حول "الحب يعلن براءته من اللون الأحمر ..؟؟"