بعيداً عن أبطال الرسوم المتحركة، هؤلاء هم حراس الطبيعة الحقيقيون!

0

الحرية والإخلاص للطبيعة حراس، كانت هذه من بين كلمات أغنية تتر مسلسل الرسوم المتحركة في التسعينات بعنوان « حراس الطبيعة »، الذي طبع في مخيلتي العديد من الذكريات الرائعة و عرفني على الكثير من المبادئ في مجال البيئة و قيمة تواجدها في شكلها الصحي والطبيعي بالنسبة لبقاء الجنس البشري بطريقة سلسة وشيقة تفوق بأشواط ما تعلمته داخل الفصل الدراسي، مع مرور السنوات حالفني الحظ لأشاهد سلسلة برنامج وثائقي فرنسي عن الطبيعة مرة أخرى ولكن بحلة واقعية جدا، كان ذلك الوثائقي هو برنامج Opération Okavango.

ففي خضم كل برامج الإذاعة والتلفزة العربية آنذاك التي كادت أن تكون مع احتراماتي للجيدة منها أشبه بالمُستبلدة لعقول مُستهلكيها، كان لبعض من تلك الوثائقيات المُستوردة بين الحين والآخر وقع غريب بعض الشيء ولكن مُمتع ومُثير على فَكري كمُتتبعة نَهمة لكل ما يُنتجه ذلك الصندوق العجيب المسمى بالتلفاز، وطبعا، لا! لم يكن للإنترنت وجود قوي في عالمي في ذاك الوقت . اكتشفت لاحقاً أن البرنامج كان ناجحاً بكل المقاييس في أماكن أخرى واستقطب ملايين من المشاهدين حول العالم، كان وراء هذا الإنجاز الإعلامي رجل أقل ما يمكنني القول عنه أنه يبلغ ما يعجز اللسان عن التعبير عنه من الصدق والإخلاص لنفسه ولقضية إنسانية بيئية نبيلة كرس حياته وجهده الشخصي لها مؤمناً بقيمة الكائن الإنساني أينما كان وبعظمة الأنظمة الإيكو بيئية التي توفرها الطبيعة الأم لنا بدون تدخل صناعي أو تكنولوجي منذ غابر الأزمان.

مشوار حياة صحفي مُغامر ورحالة باحث في سبيل نجاة الكوكب

استطاع نيكولا هولو ـNicolas Hulot من خلال مساره الثري بالتجارب، الاستكشافات البيئية والإنسانية و معارفه الشخصية الغنية من لفت المزيد من الانتباه للاختلالات الخطيرة التي تهدد نظام التوازن الطبيعي في مناطق عدة على  كوكبنا الأزرق، لم يستيقظ نيكولا فجأة  ليجد نفسه مهتماً بالقضايا البيئية بل مر بالكثير على الصعيد الشخصي والمهني أيضا حتى وجد شغفه الحقيقي ومنح نفسه صوتا قويا للتعبير والإلهام، فقد مر بتجربة وفاة والده بسبب السرطان في سنوات مراهقته الأولى ثم حادثة انتحار أخيه بعدها بأربع سنوات، فقدان قريبين بطريقة مُفجعة  رغم صعوبته لم يقف عائقا في طريق البحث عن ذاته الحقيقية.

من دراسة الطب لبضعة أشهر و امتهان الصحافة المكتوبة  عن أبرز الأحداث الفرنسية والعالمية إلى التقارير المصورة عن الكوارث الطبيعية، وجد هولو  عامله المُلهم في التقاط الصور أثناء رحلة لجنوب افريقيا، فانطلق في دربه الحافل بالمخاطر والمجازفات الشخصية لإنتاج وتنشيط العديد من البرامج التلفزية التثقيفية الناجحة التي نقلت إلى بيوتنا صوراً حقيقية من قلب عوالم غير مُكتشفة، قادته مُغامراته إلى كل مكان، براري و أدغال، أنهار و محيطات، حضارات غابرة و قبائل رُحل وأخرى مُنعزلة تماما عن الحضارة كما نعرفها، جنوب إفريقيا، أستراليا، جبال الهملايا وقمم التبت الشاهقة،  غابات الأمازون و مدن الإنكا المقدسة، لنيكولا هولو غاية واحدة هي تحسيس أكبر عدد  ممكن من سكان هذه المعمورة  والمجتمع العلمي والبيئي بخطورة الحالة الطبيعية للأنظمة الإيكولوجية والعاهات التي سببتها الثورات الصناعية والسلوكيات الإنسانية المتوحشة المُتجاهلة لأهمية البيئة من حولنا.

Opération Okavango 01

المتتبع لوثائقيات نيكولا خاصة السلسلة المتميزة Ushuaïa Nature سوف يرى بعينه ويحس مدى صدقه وتفانيه في التنقيب بلا هوادة عن أنواع الكائنات الحية المختلفة وأجمل المناظر الطبيعية على سطح الأرض، تلك التي لم تطلها اليد المدمرة للإنسان، من طائرات شراعية مختلفة التصاميم و مضلات هوائية عجيبة، استعمل كل وسيلة نقل مُمكنة للوصول إلى أبعد الأماكن وتصوير جمالها. وبملابسه العادية والمتسخة أحياناً وجسمه النحيل، بسلوك مُتواضع تجده يقترب من الأطفال ويُلاعبهم ويتواصل مع الإنسان مهما كانت ثقافته ولغته، محترماً طقوسه و فهمه للحياة.

Opération Okavango 02

أهم الإنجازات في مسيرة نيكولا هولو Nicolas Hulot

  • انخرط هولو في الحياة العملية في مستهل مشواره المهني كمراسل مصور لوكالة SIPA الإخبارية، حيث سيمنحه ذلك فرصة المشاركة في كثير من الرحلات الاستكشافية لجنوب إفريقيا في بداية الثمانينات.
  • عند انتقاله لمجموعة France Inter لاحقا تمكن نيكولا من تنشيط و المساهمة في إنتاج سلسلة وثائقيات غيرت مجرى حياته و أضافت طرق جديدة و مُبتكرة في مجال إعداد التقارير المُصورة، من بينها ” Ushuaïa, le magazine de l’extrême ” و ” Opération Okavango “.
  • مكنه النجاح منقطع النظير لبرامجه من الاندماج أكثر في الأعمال الهادفة لحماية البيئة حيت سوف يُنشأ مؤسسة Ushuaïa سنة 1995 التي ستصبح لاحقا مؤسسة نيكولا هولو للطبيعة والإنسان.
  • في وسط رحلاته ومسؤولياته المتعددة، تمكن أيضا بين سنة 1989 و1991 من تأليف ثلاثة كتب عن مجموع تجاربه وقناعاته كناشط بيئي، وهي مؤلف Chasseurs de Pôles وLes chemins de traverses وÉtats d’âme، وله مؤلفات مهمة أخرى مثل Le Syndrome du Titanic.
  • عُرض منصب وزير البيئة مرتين على نيكولا هولو من طرف جاك شيراك Jacques Chirac و فرانسوا هولاند François Hollande فرفض ولكنه طالب بإدراج الميثاق البيئي في دستور الجمهورية الفرنسية وهو ما تحقق سنة 2005.
  • جعله التزامه بقضيته البيئية الإنسانية يتوجه إلى العراك السياسي لطرح أسئلة استعجالية حول البيئة، وفي سنة 2012 أعلنه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند François Hollande كمبعوث خاص للجمهورية للحفاظ على الكوكب .

زملاء نيكولا هولو في النضال البيئي وحماة طبيعة آخرون

جاك كوستو؛ رجل المهمات المستحيلة Jacques Cousteau

Opération Okavango 03

لا يُمكننا أن ننسى في خضم الحديث عن من كرسوا حياتهم لقضايا بيئية نبيلة دون ذكر العظيم الراحل بقبعته الحمراء جاك كوستو Cousteau Jacques، قائد البحرية الوطنية الفرنسية، مُغامر عبر المُحيطات وصاحب أشهر رحلات الغوص الاستكشافية  في عمق البحار، هذا العاشق لجمال الأزرق العظيم، عرف الكثير عنه مما جعله يتعهد ببذل الجهد لحمايته من أخطار النفايات الإشعاعية، استقبل على متن سفينته كاليبسو Calypso leعلماء من شتى التخصصات كخبراء علوم الآثار والأحياء للقيام ببحوث ودراسات ميدانية معمقة هدفها الأول والأخير الدفاع عن التنوع البيولوجي البحري، لقد ساهمت أعمال كوستو ورحلاته في تقدم العلوم البحرية بخطوات ضخمة، غادرنا  سنة 1997 تاركاً مؤسسته Equipe Cousteau على رأسها ابنه حاملا مشعل المهمات الصعبة لحماية الإنسان والمحيطات لأن “المهمات المستحيلة هي التي تنجح ” كما يقول جاك كوستو.

سيلفيا إيرل Silivia Earl ؛ بطلة مواقع الأمل

Opération Okavango 04

ولأن نسبة المياه على كوكبنا تبلغ ما يقارب السبعون في المئة فسوف تكون حياة البحار والمحيطات في أمس الحاجة لمن يدافع عنها ويهتم بها تماما كما تفعل مناضلة بيئية أخرى مازالت على قيد الحياة ومُصرة على نشر رسالتها حول العالم وهي عالمة البيولوجيا البحرية الأمريكية الدكتورة سيلفيا إيرل Silivia Earl، شاركت في مئات الرحلات الاستكشافية وغاصت لما يفوق السبعة آلاف ساعة تحت الماء، لم تمنعها مسؤولياتها كأم وزوجة و امرأة عالمة، باحثة و مستكشفة في مجال احتكره الذكور من تحقيق النجاحات تلو الأخرى، ترأست العديد من الجمعيات والمنظمات البيئية وحصلت على استحقاقات مُشرفة، وكانت أيضا من بين المهتمين بالأضرار البرية البحرية والجوية التي خلفتها حرب الخليج.

 بدأت مسيرتها بالتخصص في  البحث عن أنواع و طرق تكاثر الطحالب البحرية، ولمن سيستغرب الأمر فإن هذه الكائنات البحرية التي قد تبدو لنا من الوهلة الأولى كأعشاب مائية فقط لا غير، فإنها هي المساهمة الأولى في إنتاج أكثر من نصف نسبة الأكسجين الذي نتنفسه، وللأسف  فالحالة شبه ميتة التي باتت عليها المرجانات البحرية اليوم  بسبب التلوث الإشعاعي تدق نواقيس الخطر بقوة  وتهدد حياة بني الإنسان في الأجيال القادمة، لأن مصيرنا ومصير المحيطات واحد مهما أثار ذلك استغرابنا لذلك تقوم الدكتورة سيلفيا اليوم بقامتها القصيرة و في سن الثمانين بجوب العالم لإلقاء المحاضرات في الجامعات والمحافل البيئية الدولية من أجل تطوير شبكة عالمية للحفاظ على الأنظمة البحرية الحية وتوفير وسائل تكنولوجية للمزيد من الاكتشاف والبحث فيها وتقديم خدمات دعم استقرارها ومرونتها  في الاستجابة للتغيرات المناخية المتسارعة والأكسدة.

Opération Okavango 05

 لُقبت بجنرال الأسماك لأنها تُدافع بضراوة لا مثيل لها عن أنواع كثيرة من الكائنات البحرية التي تعاني من الاصطياد الاستهلاكي الذي يُقلل من أعدادها بشكل مُهول مثل القرش والتونا، فيؤثر ذلك بشكل مباشر على السلسلة الغذائية للأسماك ناهيك عن الدور الكبير الذي تلعبه بعض هذه الكائنات في تصفية مياه المحيطات وتنقيتها كما تفعل الكلى داخل أجسامنا، أعداد خيالية من الأسماك تُقتل يوميا فقط للحصول على كبسولات الأوميجا 3، مع العلم أن الأسماك نفسها لا تصنع هذا المكون بل تحصل عليه من خلال تغذيتها على الطحالب البحرية!!

Opération Okavango 06

آخر ما حققته الدكتورة إيرل هو مبادرة mission-blue الأكثر من رائعة لإيقاظ الوعي الدولي والجماهيري لحماية ما أسمته مواقع الأمل Hope Spots، وهي مناطق مائية حول العالم محمية تماما من الصيد، التجارب النووية أو أي تصرف بشري آخر قادر على تهديد تنوعها البيولوجي، أكبر المناطق الآمنة اليوم موجودة في سواحل استراليا بفضل مجهودات الدكتورة ومؤسستها التي مازالت تطلب الدعم المادي من الدول الغنية و الشركات  الفاحشة الثراء، كما تحظى بتشجيع شخصيات هامة ووجوه معروفة، يعد نجم هوليود اللامع والحائز على الأوسكار مؤخراً ليوناردو دي كابريو من  أكبر داعمي حملات الحفاظ على بيئة المحيطات التي تقوم بها الدكتورة سيلفيا، وقد استغل فرصة حصوله على الجائزة للتذكير بهذه القضية وهو موقف جرئ و مهم جدا.

Opération Okavango 07

هؤلاء ألهموا أنفسهم، تقاطعت أفكارهم وأكملوا أعمال بعضهم، وهؤلاء وغيرهم نصبوا أنفسهم حماة للطبيعة، هذه الكلمة التي نتناولها في أحاديثنا باعتباطية وشيء من الاستخفاف مُتناسين أننا جزء منها، المحيطات، الكائنات الأخرى، الإنسان البسيط أجزاء تشكل الحضارة التي ننتمي إليها، حين نرى ما قدمه أمثال هولو، كوستو وسيلفيا نشعر بصغر حجمنا ونتساءل ما يمكن أن يفعل الشخص العادي منا إزاء هذا ؟!! كلنا بتنا نتشارك هذه المسؤولية حين أصبحنا شعوباً مُستهلكة على نحو سلبي، يكفي فقط أن نتوقف ونبدأ بطرح بعض الأسئلة، أنا أتساءل وكتبت هاته الأسطر، ماذا عنك ؟!

المصادر

1، 2، 3

0

شاركنا رأيك حول "بعيداً عن أبطال الرسوم المتحركة، هؤلاء هم حراس الطبيعة الحقيقيون!"

أضف تعليقًا