حليب أسود.. ووحش اكتئاب ما بعد الولادة المسكوت عنه

كتاب حليب أسود
4

عندما تنجب الأم يصيح العالم بها مهللًا متوقعًا منها أن تقفز فرحًا بطفلها الجديد، أن تأخذ مباشرة بعد الولادة صورة الأم المثالية في خيالنا، خدود متوردة، مع شحوب بسيط، وإنهاك محبب، ثم تبدأ مباشرة في أداء مهام وظيفتها الجديدة كأم بمنتهى الاقتدار، أليست الأمومة غريزة داخل كل أنثى؟

في الحقيقة هذه الصورة خيالية تمامًا، وكل أم تعرف ذلك حتى لو لم ترد الاعتراف بهذا، فالمرأة تخرج من تجربة الحمل والولادة منهكة مستنزفة قلبًا وقالبًا، ومطالب منها وهي في تلك الحالة أن تحمل أكبر مسؤولية من الممكن أن تقع على عاتق إنسان وهي العناية بكائن صغير هش سهل الكسر، وتحويله إلى شخص كامل معافى الجسد والنفس.

وعلى الرغم من أن 80% من السيدات يصبن بما يسمى Baby Blue أي الاكتئاب الطفيف لما بعد الولادة والذي قد يمتد لأسبوعين بحد أقصى، فإن الاعتراف بمرور المرأة بهذا الشعور مشين للغاية خصيصًا في مجتمعاتنا العربية، ونجد الكثير من الاتهامات تقابلها أهمها أنها لا تقدر نعمة الأمومة، وأن الكثيرات يحلمن بمثل هذا الشرف، مع تصدير الصورة الخيالية سابقة الذِكر للأم كاملة القدرات، لنجد في الكثير من الحالات أن الاكتئاب البسيط يتحول إلى وحش اكتئاب ما بعد الولادة.

وقامت إليف شافاق في كتابها “حليب أسود” بكسر كل هذه التابوهات، تكلمت عن المسكوت عنه، عن شكوكها التي سبقت مشروع الحمل، عن الأفكار التي تنازعتها حول قدرتها على الأمومة، والأهم عن اكتئابها فيما بعد الولادة وكيف تعاملت معه، لتقدم في صفحات عديدة دليلاً لكل امرأة تريد أن تصبح أماً أو لا، تعرفها على العالم الذي ستقبل عليه، وتضع أمامها الخيارات كلها، وتترك لها انتقاء الأفضل لها.

شكوك الأنوثة والطموح..

1

على المرأة الطموح الكثير من الأعباء والاختيارات الصعبة، فمن اتجاه تريد أن تثبت نفسها في المجال التي تعمل به، تصل للعظمة، تحقق الإنجازات، ومن جهة أخرى تميل بها غريزتها إلى الأمومة على الرغم من معرفتها أن الحصول على كل شيء مستحيل تمامًا، وستضطر للتضحية بجانب على حساب الآخر.

في بداية الكتاب تعرفنا إليف على السيدات الصغيرات اللواتي يعشن في داخلها – وبداخل كل امرأة – لكل سيدة صغيرة شخصية مستقلة، العملية والطموحة والصوفية والمثقفة الساخرة، لسن هؤلاء كل الشخصيات التي تعيش بداخلها، لكنهن الأقوى في تلك الفترة.

وعند لحظة معينة تشعر الكاتبة أنها أمام الخيار الصعب في حياة كل أنثى، هل تصلح لأن تكون أم؟ أم ترضى بطموحها والعظمة التي تهدف إليها كروائية لا غبار عليها؟ تأخذ القرار برعونة، وتتهرب من الجانب الأنثوي بداخلها، وتغلق عليه الأبواب وترمي المفاتيح، وتظن بذلك أنها ارتاحت من الحيرة وكثرة التفكير.

رحلة مع الجانب الأنثوي لأشهر الكاتبات..

لم ترد إليف أن تجعل من الكتاب محض تجربة شخصية لها، بل أثرته بقصص وحكايات أهم الكاتبات عند خوضهن نفس الصراع الذي تخوضه، استعرضت في كل فصل حياة عدة كاتبات، وإجابتهن عن نفس الأسئلة التي تثيرها.

وكما لو كانت تجري استطلاعًا للرأي، استحضرت أرواح تلك السيدات الموهوبات، سألتهن أسئلة حساسة، عن خيارتهن، لماذا اخترن الأمومة أو رفضوها، تعرفت على التجارب المختلفة لكلا الجانبين، واستنتجت في النهاية أن لكل امرأة أسطورة شخصية، لا يمكن تكرارها، أو التعلم منها، فالخيارات المتاحة على الرغم من محدوديتها فإنها تأخذنا إلى طرق مختلفة، تبعًا لطرق تصرفنا في كل خطوة نخطوها.

الأمومة وفقدان الهوية..

2

مع أول الخطوات في اتجاه الأمومة تبدأ العديد من التغيرات الشخصية والهرمونية تحدث للمرأة، أظهرتها إليف على شكل الحكم المستبد للجانب الأمومي بداخلها، الذي أخذ منذ بداية الحمل في قمع كل جوانب شخصيتها الأخرى، لينفرد بحكم نفسها، وتبدأ في فقدان هويتها بالتدريج، لتتشكل في صورة الأم المرغوبة والخيالية، سواء منها أو من المجتمع الذي يحيطها.

حتى تصل إلى لحظة الصفر أو الولادة، وتبدأ في تحمل أعبائها الجديدة، وتكتشف أنها كما أخرجت من باطنها طفلتها، هرب معها في ذات اللحظة الإلهام، وفقدت قدرتها على نسج الحكايات، لتجابه بموجة عالية من اكتئاب ما بعد الولادة.

تعرفت إليف على اكتئاب ما بعد الولادة عن قرب، حاولت الهرب منه وتجاهل وجوده ثم استسلمت وبعدها بدأت في مرحلة للتصالح معه، رحلة طويلة قد أكون لخصتها في بضعة كلمات، لكن العديد من الأمهات اللواتي تعرضن لهذه المحنة الشاقة يعلمن أن الخروج من اكتئاب ما بعد الولادة بسلام هو من أصعب التجارب التي قد تمر بها امرأة.

أول وأصعب خطوات التعامل مع اكتئاب ما بعد الولادة هو الاعتراف به، وأن ما تشعر به الأم من انعدام الثقة في نفسها وكفاءتها وقدرتها على العناية بطفلها هو وليد اضطراب نفسي وهرمونات صاخبة تفرض عليها مشاعر لا تخصها، وعلى الرغم من صعوبة هذه الخطوة إلا أن بعض الأمهات قد يقمن بها.

ولكن الخطوة التالية قد تكون شبه مستحيلة في مجتمعنا العربي وهي طلب المساعدة، سواء من المقربين أو من المتخصصين من أطباء نفسيين، فأن تعبر المرأة عن متاعبها من الأمومة، عن شعورها بالألم والاكتئاب الدائمين، عن عدم سعادتها بهذه الهبة وصمة عار على جبينها، وعلى الأغلب لن تقابل بالمساعدة التي تكون في أمس الحاجة لها، بل بالاستنكار الذي لن يزيد سوى ألمها.

لذلك أعتبر “حليب أسود” من أهم الكتب التي قرأتها في الفترة الأخيرة، حيث اعترفت خلاله إليف شافاق بالكثير من الأفكار التي تدور في بال العديد من السيدات، ويخفن التعبير عنها، لخصت الكثير من الأسئلة التي تدور في بال كل امرأة وليس كاتبة فقط، وقدمت تجارب عديدة متنوعة لسيدات أخريات، ليصبح الكتاب دليلًا لكل امرأة تشعر بالخوف على هويتها الشخصية، كل امرأة تشعر بما لا تستطيع التعبير عنه، ويقدم رسالة لها بأن تتخلى عن شعورها بالعار، وتتأكد أن ما تمر به مرت به الكثير من السيدات على مر التاريخ، ومنهن كثيرات استطعن تجاوزه والصمود في وجه كل التيارات المعاكسة.

4

شاركنا رأيك حول "حليب أسود.. ووحش اكتئاب ما بعد الولادة المسكوت عنه"