الإرهاب… فوبيا المجتمعات والعدو الأول لتقدم الإنسان (الجزء الأول)

0

لم تستثني العمليات الإرهابية مجتمعات متطورة ولا أخرى في طريقها إلى التطور، وطبعاً بعد الأحداث الأخيرة في بلجيكا وقبلها في فرنسا وغيرها.. تكثر التحليلات السياسية دائماً وتُوّجه أصابع الاتهام يميناً ويساراً، وخلال مُتابعتنا لكل ذلك تزداد حدة الاكتئاب لدينا على ما هي عليه وتتغلل فينا عقدة ذنب لم نرتكبه وإنما التصق بهويتنا.. ونصبح نحن ـ الشعوب المسلمة ـ مرة أخرى في قفص الاتهام والمحاكمة المعنوية أمام دول العالم! بل أكثر من ذلك، فقد تتعزز نفس الميكانيزمات النفسية الاجتماعية بيننا أيضاً.

الإرهاب يزرع الخوف ويغذي العداء

ما لا يدركه منفذو العمليات الإرهابية والمخططون لها باسم الدين، أنهم يُحولون الحياة اليومية لملايين المهاجرين المسلمين إلى جحيم مُطلق، سيضطرون بسببهم  إلى تبرير اعتقاداتهم، أسلوب عيشهم وحتى طريقة ارتدائهم للملابس أحياناً، عدا عن حياة ملايين آخرين من الأبرياء الذين سوف يعيشون في هلع وترويع دائم من الآخر المختلف الذي يسكن بلادهم، إنه الإرهاب، ليس له دين مهما اختبأ وراءه وليس له علاقة بالإنسانية وتقدم الحضارات البشرية، بل هو دليل دامغ على فشلها، إنه صناعة الكراهية بامتياز وهي تستنفذ من طاقاتنا ومصادرنا أضعاف ما يحتاجه الحب، التعاطف والسلام.

0a144964cf9e498bbdbb0f55ed315e2a-0a144964cf9e498bbdbb0f55ed315e2a-0

يسهل الكلام والتنظير في مواضيع كهذه، كل له أبجديته الخاصة، وللأسف حالما تَمضي بضعة أيام تتغير عناوين الأخبار فقط، وها نحن في غيبوبة فكرية جماعية مرة أخرى، لأننا نُتقن فن التملص من المسؤولية جيداً سواء كان ذلك على مستوى الفرد أو الأنظمة الحاكمة.

ألم يحن الوقت لنبحث عن بعض الحقائق ونترك تلك المزيفة التي استهلكت حتى أصبحت مشوهة ورثة؟ ننظر لتنظيم داعش هذا كفيروس خطير وجسم دخيل يدمر إشعاع الحياة الإنسانية أينما كان وإنه كذلك، أو ربما كل شيء مرتبط ببعضه أكثر بكثير مما نعتقد! ربما تنظيم الدولة انعكاس حقيقي لحضارة إنسانية فاشلة بكل المقاييس، وخيار تفجير وقتل يتخذه شاب في مقتبل عمره يعكس كبتاً فكرياً متجذراً وتعطشاً لتحقيق عدالة ما.. جل ما أخشاه فعلاً، أننا كلنا داعش!!!

terror

الأبعاد السيكولوجية للإرهاب

وحتى لا نُكثر اللغو فما أكثره هذه الأيام، الأحرى أن نعطي الفرصة لبعض ممن يكرسون أوقاتاً طويلة من حياتهم للتحليل والبحث في ظاهرة الإنسان والإرهاب من منطلق علمي علنا نستطيع قراءة واقعنا من زاوية أخرى وبرؤية أكثر منطقية، فلا نستهين بالعلم أبداً فربما يحل هذا اللغز ويفكك طلاسمه لنا ولو قليلاً، فقد مللنا من التحليلات السياسية ونمطيتها الساذجة!

2

الإرهاب ليس بظاهرة حديثة العهد، ويتخذ أشكالاً غير العمليات التفجيرية التي نعرفه بها، وكغيره من السلوكيات البشرية المحاربة للطبيعة الإنسانية القائمة أساساً على التعاطف والتراحم، تناوب علماء نفس واجتماع واختصاصيون في الصحة النفسية والعقلية على تقديم مقاربات متنوعة ومختلفة لقراءة معضلة الإرهاب بجميع صوره ومن زوايا متعددة.

يقول أندرو سيلك ـ Andrew Silke دكتور متخصص في علم الجريمة وباحث خبير بظاهرة الإرهاب:

معرفتنا للإرهاب بكل تأكيد هو ناقص، ولكن المجال لا يظهر أي قدرة واضحة لتحسين هذا الوضع. بعد 30 سنة من الدراسة، نحن ببساطة يجب أن نعرف المزيد عن الإرهاب مما نعرفه  حالياً. أن نبقى ضعفاء بهذا المستوى من الجهل في مثل هذا الموضوع الخطير هو سبب للقلق الشديد.

مما يعني أنه رغم المجهودات الجبارة المبذولة في هذا الشأن سواء أكانت شخصية أو مؤسساتية لم تتوصل بعد إلى مُقاربة شمولية، بل وتخللتها أخطاء أيضاً حيث اهتمت الدراسات الأولى بالتحليل النفسي النظري ـ  Psychoanalytic لشخصية الإرهابي، ولأن علم النفس وحده غير قادر على توضيح الرؤية تبقى هذه التحليلات لها مزاياها ومحدوديتها، لذلك كانت هناك على طول الخط مغالطات كبرى في فهم شخصية الإرهابي، دوافعه الحقيقية وتاريخه النفسي والاجتماعي، تتلخص أولى النظريات النفسية التي طبقت لفهم الإرهاب في النقاط التالية:

3

  • رأى فرويد أن العدوان الموجه ضد الآخر سمة إنسانية فطرية، وأن ظهور سلوكيات العنف هو نزوح لقوة الموت داخل الإنسان إلى الخارج، ويتفق معه أخصائي السلوك كونراد لورنز في كون العنف غريزة بشرية حيث زاد على ذلك، أنها حاجة بيولوجية كبحها الإنسان مع تطوره، وقد تبرز بشكل واضح عند وجود مثيرات نفسية فتشحن مع الوقت حتى تجد فرصتها الملائمة للتنفيس.
  • تربط نظرية أخرى بين العدوانية والإحباط كعامل نفسي أساسي لتوليد السلوك العدائي لدى الأفراد.
  • اقترحت نظرية التعلم الاجتماعي أن السلوك العدواني تجاه الآخرين غير نابع فقط من التجربة الشخصية وإنما قد يكون مكتسباً من خلال الملاحظة الطويلة الأمد حيث تُتعلم نوعية نتائجه، كيفية القيام به ولمن يجب أن يوجه، فإذا كانت العدوانية سلوك مكتسب فالإرهاب كذلك.
  • ويأتي دور النظرية المعرفية التي تخبرنا بأن تصرفات الإرهابيين مبنية على تفسيرهم الشخصي لأحداث العالم وتصوراتهم عن البيئة السياسية والاجتماعية من خلال المعتقدات التي تعكس خبراتهم.
  • تقول آراء أخرى أنه لا يجب محاولة فهم وتحليل الإرهاب بدون الأخذ بعين الاعتبار العوامل البيولوجية والفسيولوجية مثل هرمون السيروتونين والدوبامين.

أثبت هذه المقاربات العلمية القديمة فشلها في إعطاء تفسير علمي لظاهرة عالمية خطيرة كالإرهاب، ويتضح ذلك مع كل حدث إرهابي لا تنطبق عليه استنتاجاتها، فلا يمكننا ربط الإرهاب وتبريره بإيديولوجية معينة، سياسية أو دينية… فهناك دائما عوامل مختلفة وفاعلين كثر، وهذا ما أدى إلى تعقيد عملية التحليل الصحيح للمنظومة النفسية للإرهاب.

ما هي آخر التحليلات النفسية الحديثة الأقرب إلى الموضوعية والأكثر شمولية للإرهاب؟ وما هي النتائج المباشرة وطويلة الأمد على نفسية المُعتدى عليهم والذين يعايشون الإرهاب بشكل غير مباشر؟ هذا ما سيجيب عنه الجزء الثاني من المقال والذي يمكنك الاطلاع عليه من هنا…

https://www.arageek.com/2016/06/20/terrorism-first-humanity-enemy-p2.html

المصدر

Psychology of Terrorism

0

شاركنا رأيك حول "الإرهاب… فوبيا المجتمعات والعدو الأول لتقدم الإنسان (الجزء الأول)"