لماذا يؤمن العديد من الناس بالمس الشيطاني والأشباح؟

4

من أشهر الخرافات المنتشرة في عالمنا العربي والعالم بأجمعه هو الأشباح الغاضبة التي تنتقم من ناس أبرياء وحالات المس الشيطاني للإنسان، ففي كل برنامج مشهور ومنتشر في مجتمعنا هناك الكثير من الحلقات التم يتم تسجيلها عن حالات المس الشيطاني مع استضافة بعض الحالات التي من المفترض أنّها تعرضت لمثل هذه التجارب، واستضافة بعض الناس الذين من المفترض أنهم خبراء في استخراج الجن من الإنسان ومعالجة المس الشيطاني، وكل هذه الحلقات تكاد تكون تلقت أكبر نسب مشاهدة مقارنة بالحلقات الأخرى في البرنامج، وهذا خير وسيلة للتعرف على ما يؤمن به أغلبية الناس في المجتمع بأكمله.

وتقريباً في كل بيت هناك من يدّعي أنه تعرض لمثل هذه التجارب بطريقة مباشرة، وبناءً على هذا الإيمان العميق في المس الشيطاني هناك العديد من الدجالين يجدونها صفقة  رابحة وينتهزون الجهل والخرافة لتكوين ثروة هائلة أو كسب احترام اجتماعي كاذب، وينتج أحياناً تعرض بعض الحالات للموت بسبب الضغط الذي يجدون أنفسهم تحته بسبب الإيمان المطلق بهذه الخرافات، وسأحاول تحليل الأمر ببساطة في هذا المقال المتواضع…

ظاهرة ضاربة في عمق التاريخ

demonic possession 00

الأمر لم يبدأ في عصرنا الحديث بالتأكيد، فالإيمان بالأشباح أو الجن أو العفاريت بدأ منذ بداية البشرية مروراً بأكبر الحضارات في التاريخ، ففي الحضارة الفرعونية مثلاً كان هناك إيمان كامل بأن الميت يعيش بطريقة أخرى بعد موته، وانتشرت أيضاً في حضارات بلاد العراق مثل هذه الأفكار، حتى في الحضارة اليونانية ذكر هوميروس في ملحمته المشهورة “الإلياذة والأوديسا” العديد من الأشباح، بل كان هناك أعياد تكرم فيها أرواح الموتى، وكان هناك إيمان بأن روح الميت ممكن أن تعود لتطارد عائلته وهو ما يشبه فكرة الأشباح في العصر الحديث.

وأيضاً في الحضارة الرومانية كان هناك اعتقاد في أن من الممكن استخدام مثل هذه الأرواح الشريرة في الانتقام من العدو، وفي كل مرحلة من مراحل التطور التي يمر بها لإنسان نجد مثل هذه الأفكار تنمو وتنتشر حتى وصلت إلى عصرنا الحديث وأصبح عند البعض مثل هذه الأفكار خرافة وتخلف وجهل وعند البعض الأخر أنها حقيقة مطلقة بل ويتم تقسيم الجن والعفاريت إلى أنواع مختلفة حسب اللون والوظيفة.

الكثير سمع …. القليل  رأى

demonic possession 02

منذ طفولتنا ونحن نسمع مثل هذه القصص التي تتضمن المس الشيطاني وانتقام الجن من الإنسان والبيوت المسكونة بالأشباح وأشياء كثيرة من هذا القبيل، نسمع فقط بلل وحتى الشخص الذي يروي القصة في الغالب يكون سمعها من شخص أخر، والشخص الذي رواها له سمعها من شخص أخر وهكذا، فالقليل بالفعل رأى شيئاً مثل هذا يحدث أمام عينيه، والذي  رأى دائماً تخونه عينيه بسبب الخوف الذي يسيطر عليه.

إلى جانب قلة الدلائل العلمية عن وجود الأشباح أو العفاريت –أو أياً كان الاسم المناسب– هناك أيضاً عدم منطقية القصص في الأصل، فمثلاً تتشبع ثقافتنا الشعبية بالعديد من القصص المتعلقة بالأشباح التي تنتقم ممن قتلها حينما كانت حية مثلنا، ولم نسأل لحظة لماذا تؤيد العديد من جرائم القتل ضد مجهول؟ لماذا لا يتم تحضير روح المقتول ليرشدنا عن قاتله؟ أو عن قصص حب جني لفتاة من البشر مما ينتج عنه الخطف أو القتل أحياناً والعديد من هذه القصص الخرافية، وهذا ينقلنا إلى صفة أخرى تتميز بها هذه الأفكار.

الظاهرة قاتلة أحياناً

demonic possession 03

أكثر دليل على انتشار هذا الفكر حول مستوى العالم بأكمله هو أن هناك نوعية أفلام رعب تتخصص وتتمحور حول هذه الأفكار، فهناك الجن الذي يسكن في جسد أحد الأشخاص ويحول حياته إلى جحيم إلى أن يأتي رجل دين ليخرج هذا الجن من جسد الضحية وينتهي الفيلم نهاية سعيدة في الغالب، ولزيادة التشويق والإثارة يجب كتابة جملة “مقتبس عن قصة حقيقة” في جميع إعلانات الفيلم الرسمية لاجتذاب المشاهد العادي والمشاهد الذي يؤمن بمثل هذه الأفكار ففي النهاية هي صفقة  رابحة لمنتجي أفلام الرعب.

ولكن للأسف الأمر ليس مقتصراً على الأفلام وقصصها بل في الواقع هناك العديد من المرضى بأمراض نفسية وعصبية يتم إرسالهم إلى دجالين ظناً بأنهم تم الاستحواذ على جسدهم من قبل جن أو شبح، ولكن أحياناً ينقلب السحر على الساحر ويتحول الأمر إلى جريمة قتل بسبب الممارسات العنيفة التي يتعرض لها الضحية بسبب تخلف وجهل المجتمع الذي يعيش فيه، وهناك العديد من الحالات المشهورة عالمياً ومحلياً لقت مصرعها بسبب مثل هذه التصرفات، ونذكر منها..

# أناليس ميشيل عام 1952 في ألمانيا لقت مصرعها بعد معاناة طويلة مع عائلتها والقساوسة الذين أجروا عليها عمليات طرد الأرواح الشريرة بعد ظهور أعراض غريبة عليها مثل الارتجاف الشديد وعدم السيطرة على حركة جسدها وسماعها أصوات غريبة ومشاهدتها لأطياف وأشكال مرعبة وخوفها من الرموز الدينية مثل الصليب وصور المسيح، بعد مقتلها تم إلقاء القبض على القساوسة ووالديها، وقد قال الطبيب النفسي الذي أتت به المحكمة أن الفتاة كانت تعاني من حالة اضطراب نفسي شديد، وتم إنتاج فيلم رائع عن هذه القصة باسم The Exorcism of Emily Rose.

# عام 2013 في سريلانكا لقي ماكسي كاسترو حتفه بسبب المرأة التي تدعى واسانثا باندرا، والتي لجأ إليها بسبب شهرتها في الأمور المتعلقة بالسحر الأسود ظنناً منه بأن بيته مسكون بالأشباح، صدق ماكسي على كلامها وضحى أولًا بالحيوانات رغبة في خروج هذه الأشباح من البيت، إلى أن وصل الأمر إلى حفر حفرة له ودفنه فيها مع سيف وإعطاء تعليمات لبعض الناس الذين يراقبون التربة بأنه إذا اخترق السيف الذي معه سقف التربة يبدؤوا في إخراجه منها، وبعد مضي 3 ساعات من دفنه ولم يحدث شيء، بدأ الجميع بإخراج الرجل من التربة فاقداً للوعي وحينما وصل المستشفى كان قد فارق الحياة.

# 2008 سوزان كاي في تكساس لقت مصرعها نتيجة محاولة زوجها لإخراج جن منها بطريقة عنيفة أدت إلى مقتلها وإلقاء القبض عليه والحكم عليه بالسجن مدى الحياة.

# في عام 2003 لقي طفل عمره 8 سنوات مصرعه بسبب إصابته بمرض التوحد الذي جعل أمه تذهب به إلى الكنيسة ظناً منها أنه ممسوس من قبل الشيطان لكي يتم معالجة المس وإخراج الجن منه، بعد ساعتان من إجراء عملية إخراج الجن منه توقف عن التنفس وفارق الحياة.

# عام 2015 في مدينة الإسكندرية لقت امرأة مصرعها بعد اعتداء أحد الشيوخ عليها بالضرب ظناً منه بأنها ممسوسة من قبل الجن.

هناك شبح في الصورة!!

demonic possession 04

ويمتد الخط لاستقامته في عصر السوشيال ميديا وتنتشر المدونات والمواقع الأجنبية والعربية التي تهتم بعرض مقالات وصور وتقارير عن عالم الجن والعفاريت وكل هذه الخرافات ومن أشهر الدلائل التي يستدل بها على  وجود هذا العالم هو صور عديدة تم التقاطها بالصدفة وبها وجوه مرعبة يفسرها البعض بأنها صورة لأشباح أو جن، لا شك أن أغلبية هذه الصورة مفبركة بوضوح وهناك بعض الصور حقيقية بالفعل، ولكن كيف تكون حقيقية؟

هناك ظاهرة مشهورة تسمى “الباريدوليا” والمقصود بها الخداع الذي يحصل للعين لتصور الجمادات على أنها أشكال مميزة لها معنى أو أسماء لأشخاص مثل الصور التالية:

demonic possession 05

فمن الممكن أن تكون الصور الحقيقة التي يتم التقاطها دون تلاعب يوجد بها بعض الخداع الغير مقصود بسبب ظاهرة الباريدوليا.

التفسير العلمي

demonic possession 06

ورجوعاً للسؤال الرئيسي لهذا المقال وهو: “لماذا يؤمن العديد من الناس بالمس الشيطاني والأشباح؟”، فالأسباب الرئيسية بالتأكيد هو غياب الوعي بالمنهج العلمي  وانتشار الخرافة والجهل لأنه دائماً يفسر كل شيء يصعب تفسيره.

السبب الرئيسي في رؤية بعض الناس للعديد من الأشياء المرعبة  وعدم التحكم في حركات جسمهم أو سماعهم لأصوات شيطانية على حسب ادعائهم وتكلمهم بطريقة مخيفة وعصبية هو مرض يسمى “صرع الفص الصدغي”، وهو الخلل الذي يحدث في الجزء المسؤول عن العواطف والسمع والإدراك والذي ينتج عنه بدوره ما يحدث للشخص الذين يظن الجميع أنه ممسوس من الشيطان أو من الجن،  وفي هذا المقطع شرح وافي لهذه المسألة:

وبالطبع الظن بأن هناك جن يؤذي شخص ما، يوصلنا بالطبع إلى بعض الناس التي تتهم بعضها البعض بأنهم سخروا الجن لبعضهم البعض من أجل الإيذاء لتتحول حياتنا اليومية إلى فيلم خيال علمي رديء المستوى لا يضحك حتى الطفل الصغير.


وفي النهاية المقال لا يهدف إلى الإساءة لأي معتقد أو فكرة بعينها، بل إلى اتّباع التفسير والمنهج العلمي في القضايا التي من الصعب تفسيرها بدلاً من اللجوء إلى الجهل والخرافة التي ستقضي على الوعي المجتمعي نهائياً وتغرقنا في الجهل الدائم بينما هناك آخرين في بلاد متقدمة يهتمون بقضايا علمية لا نعرف حتى ولو مقدمة صغيرة عنها.

المصادر: 1، 2، 3، 4

4

شاركنا رأيك حول "لماذا يؤمن العديد من الناس بالمس الشيطاني والأشباح؟"