قصة أول جريمة على الأرض… كيف شكل الافتراس عالمنا؟

1

على سطح المياه تطفو بسلام بعض الطحالب الخضراء تحضر عشاءها من السكريات بهدوء على ضوء أشعة الشمس لكنها للأسف لن تسمتع به.

أحد العوالق البحرية قد جذبته الرائحة، فور أن يأكل فطوره ترمي به أمواج البحر بعيدا ليجد نفسه في فم قريدس صغير، الذي يغطس سريعا إلى الأعماق هروبا من التيارات الحادة على السطح ..

بينما يصل إلى مكان هادئ بين الشعاب المرجانية تنطلق مخالب حادة للسلطعون وتقوم بالتقاطه،يتحرك السلطعون متوجها إلى الشاطئ باحثا عن أنثى للتزاوج لكن فقمة صغيرة ضاعت عن سربها كانت جائعة لغاية، تلتهم السلطعون وتهبط إلى المياه باحثة عن رفاقها.

صرير حاد يدب في الأعماق، إنه المفترس الأضخم مجموعة من حيتان الأوركا القوية، يلتهم أحدهم الفقمة الصغيرة وينطلق، لكنه لا يستطيع الإبحار بعيدا، هناك مفترس أشرس في الجوار!

لقد أصابته رماح أحد الصيادين من فوق المركب. يبذل الصيادون مجهودا كبيرا لرفعه على المركب، يهللون لصيدهم الثمين وينطلقون باتجاه الميناء لكن أحدهم لن يصل، لقد مزق أحد المفترسات الصغيرة رئته من الداخل، لقد كان مصابا ببكتيريا السل!

yoyo

لماذا تبدو الحياة بذاك القدر من الوحشية؟ لماذا يحتل الافتراس هذا المركز القوي في عالم الأحياء؟ لماذا لم تكن الحياة عبارة عن مجموعة من الكائنات المنتجة لغذائها من الطاقة الشمسية أو الكيميائية مثلا؟

قادتني تلك الأسئلة للبحث عن منشأ الافتراس (يشمل التطفل) والنتائج التي ترتبت على بزوغه، و يبدو أن الغموض يغطي تلك البقعة من عالم الأحياء، نحن لا نملك أي دليل قاطع عن زمن منشأ الافتراس، لكني سأحاول الوصول إلى أقرب نقطة لأول حادثة افتراس على كوكبنا، ومن ثم ننتقل لفهم كيف شكل الافتراس عالمنا.

يمكننا اختصار الطريق بإبعاد كل المفترسات الضخمة، لقد نشأ الافتراس على المقياس المجهري في البداية، عثر العلماء قبل 10 عقود على الأقل على أحفورة لأميبا لها درع خارجي (وهو استجابة لوجود المفترسين) وتم تأريخها ل 740 مليون عام أي قبل ظهور أي حيوانات ضخمة، إنها أقدم ما نملك لكنها ليست الأقدم.

يمكننا فقط بدراسة أكثر الكائنات بدائية على كوكبنا (البكتيريا) أن نلحظ السلوك الافتراسي، ونحن نعلم أن بدائيات النواة هي أول الكائنات التي نشأت أي قبل 3.5 بليون عام… لقد نشأ الافتراس في فترة مقاربة.

قد يكون المفترس الأول قديم قدم الحياة على الأرض، لكنه بالتأكيد لم يكن الأول، فأول كائن لن يجد من يفترسه، كان أول كائن على الأغلب منتج يصنع غذائه من الطاقة الكيميائية أو أنه كان غير منتج، لكن وببساطة كان يمتص المركبات العضوية التي خلفتها الأرض الشابة خلال فترة تقلباتها وثورانها، كما أن المفترس الأول على الأغلب قد استغرق بعض الوقت لتطوير سلاحه الذي سيصيب به فريسته، والآن لنبدأ في التحقيق في طبيعة مجتمع ما قبل الجريمة.

ساعات قبل الجريمة

“مجتمع ما قبل الافتراس” سيبدو مختلفا تماما عما نعرفه عن الحياة الآن، مجتمع هادئ من الكائنات البسيطة تجمع بينهم علاقات تنافسية ضعيفة للغاية نظرا لتوافر الغذاء.. لا تحتاج للحركة إلا للوصول لمواقع توافر الضوء أو المواد العضوية، إن وجد هذا المجتمع بالفعل يوما فقد كان جنة يوتوبيا حقيقية من الكائنات المنتجة لغذائها وأخرى مسالمة تستعين بالمواد العضوية غير الحية، لكن كل ذلك كان على وشك أن يتبدل بوصول متهمنا الذي نبحث عنه إلى الساحة.

ساعة الصفر

إنها أحد أعظم اللحظات في تاريخ الحياة، التي قام بها الجد الأول للافتراس بالجريمة الأولى، مطلقا شرارة حرب ستستمر لبلايين السنين، إن الكائنات التي لا تستطيع مقاومة ذلك المجرم سينتهي بها الأمر إلى الانقراض، لقد أطلق ذلك الجد حرب من التسلح بين مختلف الكائنات، سموم الأفاعي ومخالب الصقور، أنياب الضباع الحادة وفكوك الأسماك الضخمة وصولا إلى البنادق والدبابات ما هي إلا تحورات لذلك السلوك الذي قام به ذلك الجد.

editorial use only : US Army M1 Abrams main battle tank, desert colours

كان على المتنافسين من الكائنات الحية أيضا تطوير أسلحة دفاعية ما بين جدران خلايا البكتيريا إلى درع السلحفاة العظمي، الأشواك والإفرازات الكريهة والسامة، ومن محاكاة هيئة المفترسيين إلى كما يفعل الأخطبوط الأندونيسي أو لون المحيط كما تفعل الحرباء، إلى مهارات التخطيط والخداع والكذب لدى البشر.

إن أي تطوير في أسلوب هجومي للمفترس سيدفع الفريسة لتطوير أسلوب دفاعي للنجاة، أو إلى أن يغير المفترس من غذائه ليتأقلم على مجموع أكبر من الفرائس ليتقدم بأفضلية على منافسيه.

إن الافتراس لن يدفع فقط بتطوير الأسلحة والدفاعات، فأي طفرة تزيد من قدرة المفترس كحاسة السمع القوية للبوم الثلجي أو الأرجل الطويلة السريع للنعام سيتم تمريرها بينما يقع أصحاب الصفات الأضعف ضحية الانقراض.

سلاح و أدلة الجريمة

إن سلاح المفترس الأول على الأغلب مازال محفوظا في أسلافه، وهو الضربات الكيميائية والإنزيمات المحللة. هناك وسيلة أخرى لكنها لا توجد في عالم البكتيريا اليوم، إنها البلعمة (تبتلع أحد الخلايا خلية أصغر ثم تقوم بهضمها) لكن ربما قد تطورت وانقرضت، الكثير من حقيقيات النواة يمتلك تلك الخاصية الأميبا والكثير من الأوليات، بل حتى جهازنا المناعي يحتوي خلايا بلعمية تلتهم الأعداء، ورغم اختفاء سلاح البلعمة من بدائيات النواة التي تسكن كوكبنا الآن، إن ذلك السلاح على الأغلب نشأ قبل حقيقيات النواة لأنه هو الذي أدى إلى نشأتها بحسب إحدى النظريات.

الافتراس و نشأة حقيقيات النواة (origin of Eukaryotes)

في عام 1966 كان عالم الميكروبيولوجي ” كوانغ جيون” يقوم بدراسة أحد الأوليات البسيطة وهي الأميبا (Amoeba proteus) عندما قامت بكتيريا اسماها كوانغ (x-bacteria) بمهاجمة الأميبا بوباء ساحق، قضت أغلب الأميبا لتكشف إلينا القلة الناجية سرا جديدا من أسرار الحياة. لقد وجد كوانغ وفريقه أنه حتى الأميبا الناجية وأحفادها تحمل الكثير من البكتيريا داخلها، هي لم تستطع القضاء عليها لكن شيئا ما حدث جعل تلك البكتيريا غير مضرة للأميبا، بل عندما قام كوانغ بمعالجتها بمضادات حيوية لقتل البكتيريا داخل الأميبا فإن الأميبا أيضا ماتت!

اكتشف كوانغ فيما بعد أن الأميبا أصبحت تعتمد على أحد المنتجات البروتينية من البكتيريا، لقد عقدت الأميبا، صفقة لتتحول العلاقة من هجوم-دفاع إلى تعاون.

يعتقد العلماء أن اتفاقية مشابهة بين نوعين من بدائيات النواة كانت السبب لنشأة الخلايا حقيقة النواة، كانت تجربة كوانغ أحد الأدلة القوية على النظرية التي طورتها، عالمة البيولوجي الأمريكية وزوجة كارل ساجان الأولى، لين مارغوليس و هي نظرية النشوء التعايشي “endosymbiotic theory”.

D0MX4G Interior view of a cell showing a mitochondrion.
يعتقد أن الميتوكوندريا عضي إنتاج الطاقة الرئيسية في خلايانا، كانت بكتيريا حرة يوما ما تعرضت لافتراس من خلية أخرى

تحمل خلايانا و خلايا النباتات و الفطريات و كذلك الأوليات عضي صغير يسمى ” ميتوكوندريا” هذا العضي هو المسؤول عن إنتاج الطاقة لأجسامنا، بحسب النظرية فهذا العضي قد نشأ عن عملية افتراس تحولت إلى تعاون تشبه تجربة أميبا كوانغ، تتمتع النظرية الآن بقبول واسع بين علماء البيولوجي بعد تراكم الكثير من الأدلة، تحمل الميتوكوندريا دنا دائري يشبه دنا البكتيريا ، تنقسم بالانشطار الثنائي كالبكتيريا، مثال آخر هو العضي المسؤول عن البناء الضوئي في النباتات ( chloroplast) و هو يحمل أيضا دناه الخاص و الذي يشبه إلى حد كبير دنا البكتيريا الخضراء المزرقة (cyanobacterium).

لا نعرف بالضبط متى نشات حقيقيات النواة لكننا نعرف أنه كان حدثا غير شكل الحياة على الأرض صنع ملايين من الأنواع معقدة التركيب و الشكل ، و أفسح الطريق لنشأة أجيال جديدة من المفترسات الأضخم و الأكثر تعقيدا .

الافتراس و زيادة الحجم

يشكل زيادة الحجم لمفترس كالأميبا ميزة فعالة، حيث أنها ستتفوق على منافسيها لتمتع بقدرة أكبر على ابتلاع فرائسها، الأمر ينطبق أيضا على الفريسة كلما ازداد حجمها فإن ابتلاعها وهضمها يصبح أكثر صعوبة. قد يشكل إذا زيادة الحجم سباق يدفع وحيدات الخلايا لتزيد أحجامها إلى المالانهاية، لكن ذلك غير صحيح فهي مقيدة بنسبة تحدد قدرتها على امتصاص المواد ويحدد كمية فقدان الطاقة وهي نسبة “مساحة السطح : الحجم”، زيادة الحجم المطردة تخل بتلك النسبة لذا كان على تلك الأحياء الصغيرة إيجاد حل أفضل وهو الانتقال لعديدات الخلايا.

article-0-009EB4151000044C-180_634x414
يشكل زيادة الحجم ميزة للفريسة والمفترس، ويعتقد بعض العلماء أن تلك الميزة ربما كانت سبب وراء ضخامة الديناصورات

وإلى عديدات الخلايا

رغم أن الضغوط التي دفعت إلى ظهور عديدات الخلايا قد تكون معقدة إلا أنه يمكن النظر إليها كظاهرة عامة على أنها نتاج لسباق زيادة الحجم الذي خلقه الافتراس.

على صعيد آخر قد يدفع الافتراس إلى تراكب الحياة في شكل عديدات الخلايا بطريقة مختلفة للغاية وغير مباشرة، فقد كشف فريق بحثي في دراسة مذهلة عام 2007، امتلاك إحدى الكائنات أحادية الخلايا المفترسة التي تعرف بـ M. brevicollis لبروتينات مميزة على سطحها تقوم عادة بربط الخلايا ببعضها في عديدات الخلايا وتعرف بـ  “cadherins”.

لماذا قد يمتلك ذلك الكائن المعزول وحيد الخلية تلك البروتينات؟ وأي فائدة قد يجنيها ليبذر طاقته الثمينة في بنائها؟ الإجابة هي الافتراس، حيث توصل الباحثون أن تلك الملاقط البروتينية قد تقوم بوظيفة مختلفة، فهي تلتقط البكتيريا السابحة عن قرب كصنارة صيد صغيرة، ثم تتغذى عليها، البروتينات التي تربط خلاياك سويا الآن، ربما تكون بقايا قصة قديمة من الافتراس المتوحش.

يمكننا فهم طبيعة عديدات الخلايا باعتبارها مستعمرة من أحاديات الخلايا تتوزع بها الوظائف وتتميز من خلية لأخرى، إن أجسادنا (ونحن بالطبع من عديدات الخلايا) هي مستعمرة، لكنها مستعمرة ضخمة للغاية تتكون من تريليونات الخلايا تجمع بينها صلات ووظائف معقدة.

vol

بالنظر لمستعمرات أكثر بساطة كمستعمرة طحالب الفولفكس الخضراء (volvox sp) تزيد الصورة وضوحا، تتكون المستعمرة من ما يقارب 50 ألف خلية فقط بعضها يعمل كمواتير يحرك أسواطه الصغيرة بالاتجاه الذي تمليه عليه الخلايا الحساسة للضوء حيث يستمد طاقته، إن توزيع المهام بين أفراد المستعمرة (أو التميز) كان تقدما مذهلا للحياة.. وهناك خلايا أخرى في المستعمرة تقوم بوظيفة مختلفة، لكنها الأروع، إنها خلايا الفولفكس الجنسية.

الافتراس ونشأة الجنس

يمكننا ملاحظة كيف مهد الافتراس بطريقة غير مباشرة لنشأة الخلايا الجنسية في حقيقيات النواة، إلا أن بعض علماء التطور يظنون أنه كان نتيجة مباشرة للافتراس كنشأة حقيقيات النواة .لقد وفر الجنس منذ ظهوره وسيلة رائعة لتبادل الأسلحة الفتاكة بين المفترسات وكذلك الوسائل الدفاعية.

e_coli-144D77093484E43CD32

حتى على أصغر المقاييس تقوم البكتيريا مثلا بتبادل شرائط دائرية من المادة الوراثية قد تحتوي على جينات مقاومة للمضادات الحيوية في عملية تعرف بالاقتران (conjugation) خالقة بعملية نقل المعلومات تلك (وهو ما لا يمكن وصفه إلا بأحد أشكال الجنس) سلالات أكثر تمردا على علاجتنا.

الافتراس دافع للتعاون (التكافل)

قد يبدو ذلك غير منطقيا للوهلة الأولى، إلا أنه لا يحتاج الكثير لإثباته، خلال نشوب حرب مفاجئة تنزع الدول المتحاربة وخاصة الأضعف لتشكيل تحالفات، تلك التحالفات ترفع احتمالية انتصارها وتقلل من خسائرها. تنتشر تلك العلاقات التعاونية في الكثير من أشكال الحياة، بعضها بسيط كمستعمرات البكتيريا من مثل (Myxobacteria) التي تصنع تكتلات تمنحها أفضلية حيث تزيد من كمية الأنزيمات الهاضمة والمضادات الحيوية التي تهاجم بها فرائسها، وبعضها معقد كالنداءات الكيميائية التي يطلقها نبات الذرة عندما يتعرض للهجوم من اليرقات، تنجذب بعض الدبابير لتلك النداءات وتقوم بالقضاء على اليرقات ليربح الطرفان.

Hyposoter sp., a parasitoid of cabbage butterflies in action

إن التعاون هو آلية جيدة لصد المفترسين، وكذلك كتكنيك دفاعي (كقطعان الحمار الوحشي، التي تتحرك سويا لتشتييت المفترس) و كذلك كآلية هجوم (كجماعات الأسود التي تلاحق ذلك القطيع). إن أي تغيير يحسن من طبيعة السلوك التعاوني لجماعة من مفترسيين سيمنحهم أفضلية عن باقي المفترسيين، كما أنه سينتقي مجموعة الفرائس الأكثر تعاونا لتستمر.

فالجماعات المفككة سيسهل على المفترسيين البارعيين اصطيادها، لتستمر الدائرة تنتقي الاستراتيجيات الهجومية لأمهر المفترسيين، وكذلك الدفاعية لأكثر الفرائس خداعا.

لابد إن الافتراس له دور مؤثر في نشوء المجتمعات الحيوانية المعقدة، كالمجتمعات البشرية التي تتمتع بمهارات تعاون وتواصل عليا بين الأفراد منحتها التفوق على عداها من المنافسيين.

African-hunters

الآن يمكننا استنتاج الدور المؤثر الذي قام به الافتراس في تشكيل عالمنا.. دفع عجلة التطور وإعادة تشكيل العلاقات بين الأحياء.. زاد من حدة التنافس وأكد على ضرورة التكافل.. أدى إلى نشاة حقيقيات النواة ودفع إلى ظهور كائنات أكثر تعقيدا.. إضافة إلى دوره الخفي في نشأة الجنس.

قد يكون من المحزن أن تعلم أن عالمنا كما نعرفه لم يكن لولا الافتراس، لكن علينا أن نعلم أننا لم تتح لنا الفرصة لنسود و نتحرر ونبني مجتمعاتنا لولا أننا كنا أمهر المفترسين، وأن في خلايانا تذكرة دائمة أننا نتاج عملية افتراس – تعايش.

مصادر

 BBC EARTH | BBC EARTH2 | BERKLEY | MICROSCOPY | PREDATION

1

شاركنا رأيك حول "قصة أول جريمة على الأرض… كيف شكل الافتراس عالمنا؟"

  1. Emad Fayed

    في الفترة اللي احنا فيها ديه، قليل لما تلاقى حد عندة قدرات أدبية ممتازة زي ديه و حب و شغف علمي زيك يا معتصم، عاش بجد ✌️

  2. محمد أبو محمد

    هذا غير صحيح وأنت قاعد تؤصل لعملية التطور التي نقضها كثير من علماء الأحياء والطب

  3. Sebti Ahmed

    مقال في قمة الروعة .. يستحق بالفعل جائزة المقال العلمي الأفضل لهذه السنة .. تحياتي لكم

أضف تعليقًا