التسويق الإلكتروني وتحسين نتائج البحث والمنفلوطي!

2

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

مقال مقدم من/ محمد صابر فراج – مصر

سألت مديري ذات مرة “لما عليّ أن أطبق قواعد تحسين وضع صفحات الموقع في نتائج محركات البحث (SEO) ما دمت أكتب محتوى جيد ومفيد ومهم للفئة المستهدفة؟ وهذا ما يقوله عملاق البحث الأوحد (جوجل) “اكتب محتوى جيد ولا تشغل بالك بموقعك بين نتائج البحث!!”

وجاءت إجابته بهذا المعنى: كتابة محتوى جيد لا تعني بالضرورة وجوده بين النتائج الأولى، وعدم وجوده بين النتائج الأولى يعني نقص عدد الزوار على الموقع، ونقص عدد الزوار على الموقع يعني أننا لا نؤدي عملنا على أكمل وجه، ولكن تطبيق استراتيجيات (SEO) يضم وجودنا بين الأوائل ويضمن وجود زائرين للموقع.

إذن أنا أطبق استراتيجيات وآليات الـ (SEO) وأتعلمها حتى لا أخسر وظيفتي وأضمن بقائي في الشركة!!

أحاول بشتى جهدي معرفة كل ما يحمله الـ (SEO) من معلومات وآليات وأحاول أن أقوم بكل ما يمليه من أوامر وما يصدره من تعليمات.. ولكن هل هذا صحيح؟

seo-idea-lightbulbs-ss-1920

الـ (SEO) هو وسيلة من وسائل التسويق الإلكترونية المجانية طويلة الأجل التي تستمر لوقت طويل إذا ما تم تطبيقها بشكل صحيح طبقًا لعوامل التصنيف (Ranking Factors) والتي يقول المتخصصون أنها 200 عنصر، بينما تقول جوجل أن لديها الآلاف من عناصر التصنيف. وهذه العناصر هي التي تتحكم في وضع موقعك بين النتائج في صفحة البحث ووجودك في الصفحة الأولى للنتائج يضمن بنسبة 93% أن المستخدم سيختار موقعك وذلك لضيق وقته وعدم اهتمامه بعرض بقية صفحات النتائج الأخرى حتى لو كانت تعرض محتوى وتقدم فائدة أكبر من التي تقدمها أنت في موقعك!

ولكي تفهم طريقة عمل جوجل في عرض النتائج ببساطة، تخيل أن لديك كتاب يحوي آلاف الصفحات، كيف ستتمكن من العثور على معلومة أو قراءة فصل بعينه من فصوله؟

ستنظر إلى الفهرس بالطبع.. وهذا ما تقوم به جوجل تأخذ الصفحات الموجودة على الإنترنت وتضعها في فهرس خاص بها وحينما تكتب أنت في مربع البحث كلمة “تحسين نتائج محركات البحث” مثلاً تظهر لك النتائج من الصفحات الموجودة في الفهرس فقط، هذا يعني أنه إذا لم تقم جوجل بوضعك في فهرسها، فلن يعثر عليك أحد!!

أي ديكتاتورية تلك؟ التي تحكم علينا وتقييد حريتنا حتى فيما نكتب؟ أنا أطبق آليات الـ (SEO) على صفحات موقع الشركة فقط ولكن لا يمكن أن أطبقها على ما أكتبه من مقالات أو أفكار.. لأنني حر فيما أختر من كلمات ولا أريد من (Google Keyword Planner) أي مساعدة.

Screen-Shot-2015-08-03-at-10.07.33-PM

يجعلني هذا أفكر في فكرة تبدو غريبة بعض الشيء!! ماذا يمكن أن يحدث لو كان الأدباء الكبار أمثال العقاد أو المنفلوطي أو الرافعي بيننا اليوم وكان لكل كاتب منهم موقعه الخاص على الإنترنت الذي يعرض عليه نتاجه الفكري أو كانوا من أصحاب مدونات، مدونة العقاد الثقافية ومدونة المنفلوطي للشعر والأدب ومدونة الرافعي، وطالبوا مساعدة من خبراء التسويق الإلكتروني للحصول على عدد زيارات أكثر على موقعهم أو مدونتهم، فنصحوهم بتغيير بعض الكلمات حتى تتناسب مع محركات البحث!! فهل كانوا سيوافقون؟

اعتقد لو أنهم وافقوا على تعديل أعمالهم لجعلها تتناسب مع كلمات البحث الأكثر استخدامًا لحققوا معدلات ظهور أعلى وأرقام زيارات أكثر ولكن لن تبقى لأعمالهم أثارًا في الذاكرة فستصبح كالأغنية التي تُحدث ضجة كبيرة لدى نزولها، ثم سرعان ما يملها الناس فيتركونها دون رجعة.

وهذا هو الصراع الدائم بين خبراء التسويق وبين الكتّاب، وأقصد بالكتّاب هنا الذي يكتبون لأنفسهم أو لإفادة القراء وليس كتّاب المحتوى الذي يبحثون عن “الترافيك”، فإذا بحثت على الفيس بوك عن أكثر الصفحات انتشارًا فستجدها تكتب بالعامية وحتى المدونات الخاصة بالشركات الكبرى فمعظمها يكتب باللغة العامية وهذا بسبب ضغط أخصائي التسويق على صانعي المحتوى ورغبتهم الدائمة في تقديم شيء يناسب المستخدم (حتى لو كان المستخدم تافهًا وذوقه فاسد!).

المنفلوطي العبرات

تخيل معي تحسين هذا الجزء من كتاب “العبرات” للمنفلوطي حتى يتناسب مع القراء الجدد أو الفئة المستهدفة الحالية:

[النص الأصلي]

ولقد عقد الود بين قلبي وقلبها عقدًا لا يحله إلا ريب المنون ، فكنت لا أرى لذة العيش إلا بجوارها ، ولا أرى نور السعادة إلا في فجر ابتساماتها ، ولا أؤثر على ساعة أقضيها بجانبها جميع لذات العيش ومسرات الحياة ، وما كنت أشاء أن أرى خصلة من خصال الخير في فتاة من أدب أو ذكاء أو حلم أو رحمة أو عفة أو شرف أو وفاء إلا وجدتها فيها .

[لغة عربية خفيفة معاصرة]

كنت أحب فتاة وجمع الحب بين قلوبنا وأصبح لا يفرقنا إلا الموت، وكنت لا أستطيع العيش بدونها، ولا أشعر بالسعادة إلا عندما أرى ابتسامتها، وكان قضاء ساعة بجانبها أحب إليّ من جميع لذات الحياة الأخرى، وكانت تتجمع بها كل صفات الخير والأدب والذكاء والرحمة والعفة والشرف والوفاء.

[عامية]

عرفت بنت وحبتها أوي وكان حبنا أقوى من أي حاجة ومكنتش أقدر أعيش من غيرها
ومكنتش بحس بسعادة غير وأنا جنبها وشايف ضحكتها، وكانت الساعة معها أحلى من أي حاجة تاني في الدنيا
كانت فيها كل الصفات الحلوة من أدب وذكاء وشرف وعفة ووفاء.

أرى أنك تشعر الآن بمدى فساد الذوق الذي وصلنا له، هل يمكنك تصور عدد الأشخاص الذين سيتذوقون النص الأصلي وسيعرفون معانيه ويدركونها؟ هل يمكنك أن تخبرني بكم القراء الذين يعرفون معنى كلمة “ريب المنون”؟

كيف تحولنا من قراءة هذه النصوص الرائعة إلى قراءة هذه المسوخ المنطوقة التي لا تعبر عن لغتنا الحقيقة وكيف أصبحنا نعامل لغتنا بكثير من التجاهل والاستحقار الذي لا يستحقه سوى جاهلها.

2