لماذا نقع في الحب من وجهة نظر الفلاسفة؟

8

لماذا نختار أن نعرض أنفسنا لذلك الإخفاق العاطفي للحب؟

هل يمنح الحب حياتنا معني؟

أم أنه هروبا من وحدتنا ومعاناتنا؟

هل الحب قناع يخفي رغباتنا الجنسية؟

هل الحب مجرد هرمونات وإشارات عصبية؟

أم إنه حيلة تطورية تحفّزنا للبقاء على هذا الكوكب؟

هل هو كل ما نحتاج إليه؟ هل نحتاجه على الإطلاق؟

على مجرى التاريخ طرح بعض أكثر الفلاسفة ذكاءً بعض النظريات المثيرة للاهتمام كمحاولات لفهم ماهية و لماذا نقع في الحب ، فلنستعرض أهمهم…

يجعلنا الحب مكتملين مرة أخرى – أفلاطون (347 – 429 ق.م)

Head_Platon_Glyptothek_Munich_548

فيلسوف اليونان القديمة أفلاطون بحث فكرة أننا نحب من أجل أن نصبح مكتملين. في كتابه “المحاورات” يحكي عن حفلة عشاء يقوم فيها “أرسطوفانيس” – وهو كاتب مسرحي ساخر – بتسلية ضيوفه من خلال القصة التالية:

كان البشر فيما مضي مخلوقات ذات أربعة أذرع وأربعة أرجل ووجهين، وذات يوم أغضبوا الآلهة فشطر زيوس كل واحد منهم إلى اثنين. ومنذ ذلك الوقت، فَقَدَ كل شخص نصفه أو نصفها الآخر.

الحب هو التوق لإيجاد النصف الآخر الذي سيجعلنا نشعر بالاكتمال مرة أخرى، أو على الأقل في اعتقاد أفلاطون أن هذا ما قد يقوله كوميدي ثَمِل في حفلة.

يخدعنا الحب حتى ننجب – شوبنهاور

Porträt des Philosphen Arthur Schopenhauer, 1852

يأتي شوبهاور بنظرته التشاؤمية للحياة، بالطبع فالحب في نظره مجرد غطاء جميل لرغباتنا الجنسية… كل من قرأ عن شوبنهاور يعرف فلسفته العدمية للحياة، بل من الممكن أن تتوقّع بسهولة وجهة نظره في أي موضوع كان، فقط فكّر في أكثر الأمور غرابة واكتئاباً وستجدها في فلسفته 🙂

في وقت لاحق من أفلاطون بكثير، الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور أكّد أن الحب يرتكز على الرغبة الجنسية وأنه صورة خادعة للمتعة الحسيّة وارتأى إلى أننا نحب فقط لأن رغباتنا تقودنا إلى الاعتقاد بأن هناك شخصاً آخر سيجعلنا سعداء، ولكننا مخطئون بشدة… تخدعنا الطبيعة كي نتكاثر، ويكتمل الاندماج الغرامي الذي نسعي إليه بولادة أطفالنا.

عندما نشبع رغباتنا الجنسية فإننا نعود إلى وجودنا المُعذب وننجح فقط في الحفاظ على الجنس البشري وإدامة دورة الكدح الإنساني.

يعد الحب هروبا من وحدتنا – راسل

br4

هنا يأتي راسل بذكائه اللامع وشخصيته الحادة وفلسفته الفريدة من نوعها…

وفقاً للفيلسوف الإنجليزي الحائز على جائزة نوبلبرتراند راسل – فإننا نحب من أجل إرواء رغباتنا الجسدية والنفسية. اتخذ راسل منحني أقل حدّة من شوبنهاور.

لقد هٌيئَ البشر للتكاثر، ولكن بدون نشوة الحب العاطفي فإن الجنس يصبح غير مُرضِي… يدفعنا خوفنا من العالم البارد والقاسي – في نظر راسل – لبناء قشرة صلبة لحماية وعزل أنفسنا، تساعدنا بهجة وحميمية ودفء الحب على التغلب على خوفنا من العالم ونهرب من عزلتنا ونٌقبل على الحياة.

يُثري الحب كياننا مما يجعله أفضل ما في الوجود.

الحب هو فتنة مضللة – بوذا

قطعة فنية تصور بوذا - متحف فيكتوريا وألبرت في لندن
قطعة فنية تصور بوذا – متحف فيكتوريا وألبرت في لندن

“سيدهارتا غوتاما” الذي أصبح معروفا بـ “بوذا” أو “المستنير” ربما كان سيخوض نقاشات حادة ومثيرة للاهتمام مع راسل… اقترح بوذا إننا نحب لأننا نحاول أن نشبع رغباتنا الأساسية ومع ذلك فإن رغباتنا العاطفية الملحة تعد من نقائصنا، وأهوائنا حتى الحب الرومانسي يعد مصدراً كبيراً للمعاناة.

لحسن الحظ، اكتشف بوذا الطريق الثُماني وهو نوعًا من التعاليم التي تهدف إلى إخماد جذوة الشهوات حتى نصل إلى النيرفانا/ السعادة القصوى، وهي حالة مستنيرة من السلام والصفاء والحكمة والرحمة.

يتيح الحب لنا الوصول إلى أبعد من أنفسنا – بوفوار

Simone_de_Beauvoir

هي من الفلاسفة النساء القليلين – أو النادرين على الأرجح – الفرنسية سيمون دي بوفوار والتي كانت في علاقة حب متبادلة مع الفيلسوف الوجودي بول سارتر.

أدّخرتُ رأيها للنهاية لأختم بنظرة أكثر إيجابية قليلاً للحب… اقترحت بوفوار أن الحب هو الرغبة في الاندماج مع شخص آخر وأن ذلك ما يملأ حياتنا بالمعنى… مع ذلك لم تكن معنية كثيراً بلماذا نحن نحب بقدر ما كانت مهتمة بالكيفية التي تمكِّنُنا من أن نحب بشكل أفضل، وارتأت أن المشكلة مع الحب الرومانسي التقليدي هو أنه يمكن أن يكون جذّاباً لدرجة أننا نميل لجعله السبب الوحيد في وجودنا إلا أن الإكثار على الآخَر لتبرير وجودنا يؤدي بسهولة إلى الملل والتنافس في التأثير والقوة، ولتجنب هذا الفخ تنصح بوفوار بأن يكون الحب واقعيّ والذي هو أشبه بـ”الصداقة القوية”، وأن يدعم المتحابَيْن كل منهما الآخر في اكتشاف نفسَيْهما وأن يتخطَوا حدود ذاتَيْهما ويحسّنان معاً حياتهما والعالم.

فبرغم من أننا ربما لن نعرف أبداً السبب المؤكد وراء وقوعنا في الحب إلا أنه يمكننا التأكد من أنه سيكون درباً من التقلبات العاطفية كركوب الأفعوانية، إنه مخيف ومبهج… يجعلنا نعاني ويجعلنا نحلق عالياً… ربما نفقد أنفسنا وربنا نجد أنفسنا… قد يكون محزناً أو قد يكون أفضل شيء في الحياة.

يقول شكسبير عن الحب:

“الحب جحيم يطاق والحياة بدون حب نعيم لا يطاق… الحب أعمى”.

هل تجرؤ على خوض التجربة؟

المراجع

1، 2، 3، 4، 5، 6، 7

  • مذاهب فكرية معاصرة – عرض ونقد – للدكتور محمود مزروعة، 189-207
  • الموسوعة العربية – أريستوفان
8