نساء ادعين إنهن رجال لتحقيق نجاحهن!

نساء ادعين انهن رجال
4

أن تسعى لتحقيق حلمك يعني أن تضحّي بكلّ شيءٍ في سبيله، كلّ وقتك وراحتك ومالك وأحياناً المخاطرة بسمعتك ومكانتك، بالنّسبة للرّجال هذه ليست بالمشكلة الجّلل لكن أن تكوني امرأة، يعني أنّ وقتك ليس ملكاً لك وسمعتك هي كلّ ما تملكين وأحلامك مقرّرةُ من قبل أن تولدي وبمستوى الطّموح المراد لك أن تصلي إليه. فدورك معدُ لك جاهزاً وإيّاك ونسيان أن تحرصي على راحة الرّجل وسعادته والوقوف بجانبه بكل مصاعبه حتى يحقق ذاته، ليربّت على كتفك بالنّهاية ويجلس منتظراً العشاء مردّداً وراء كلّ رجلٍ عظيمٍ امرأة، معتبراً هذه العبارة مديحاً عليك الامتنان لسماعه وطبعاً حذاري والتّفكير بالسّعي وراء طموحك المهني فالعالم خطيرُ جداً في الخارج ولا داع لإرهاق نفسك بأمور أكبر منك فإنجازاتك تكون في الحفاظ على منزلك وعائلتك متماسكين.

هكذا ألزم الرّجال النّساء بالبقاء في المنزل منذ الأزل متحجّجين بحمايتهم ورعايتهم مستعملين كلّ وسائل الابتزاز العاطفيّ ولكن لا يخفى على أحد أنّ الرّجال هم من بحاجة لرعاية، فهم هكذا يقومون بحماية النّظام الذي طالما خدمهم ووفّر لهم جميع المزايا الممكنة، فكما قالت الدّكتورة نوال السّعداوي: “إن أشدّ ما يذعر له المجتمع الذّكوري أن تثبت المرأة تفوّقها في التّعليم والعمل في المجالات العلميّة والفكريّة وسبب الذّعر هو خوفهم من أن تتذوّق النّساء سعادة العمل الفكريّ ولذّته (اللذة المحرمة) فينجرفن في ذلك الطّريق ولا يجد الرّجال من يخدمهم في البيت ويطبخ لهم ويغسل سراويل الأطفال”.

وكثيراً ما دسّ السّم في العسل لإقناع الإناث بالاكتفاء بدور الخادمة الجّميلة ذات اللّسان المعسول سواء بالأغاني الشّعبية أو الأدوار السّينمائيّة المعطاة لهن أو بالأمثلة التي يُطلب من الصّغيرات الاقتداء بهن أو بيئة التّربية غير الحافزة ولا المثيرة، وكلّ هذا يؤدّي إلى نشوء نساء غير كفؤات غير طموحات يعتقدن أنّ الرّجال هم محور هذا الكون وأنّ الفشل الأعظم هو عدم اصطياد أحدهم.

ولكن رغم كلّ هذه الفوضى المحبطة يحدث كثيراً أن تلقى إحدى النّساء مئزرها أرضاً وتنطلق مردّدة أنا ذاهبة وسأترك كلّ شيءٍ ورائي وسأضحّي بأيّ كان في سبيل مرادي؛ هؤلاء هنّ من ينطبق عليهن المثل المكسيكي: “حاولوا دفننا، لكنهم لم يعلموا أننّا بذور”.

هؤلاء هنّ من لم يعتبرن هدفهنّ الأسمى إرضاء المحيطين بهم فاتّبعن أشدّ الطّرق غرابةً لإثبات جدارتهن حين لم يمتلكن الفرصة ولم يجدن من يستمع لهن فتنكّرن كرجال وتفوقوا عليهم بمجالاتهم ومن أبرز هؤلاء الشخصيّات التاريخيّة:

الأختان برونتي – The Brontë sisters

الأختان برونتي

من قلب مستنقعات الجّهل والبؤس التّي كانت تغرق بريطانيا والأوبئة التي كانت تفتك بأرواح ساكنيها، تفتّحت زهرتا لوتس شابّتان لم يزل رحيقهما ينتشر حتّى يومنا هذا، بسبب حياتهما القصيرة لم تتركا لنا الكثير لكنّهما تركتا لنا ما يكفي لنستدلّ على موهبتهما الفطريّة فمن منّا لم يقرأ الكلاسيكيّتين الشّهيرتين: (مرتفعات ويزرنج) لإيميلي برونتي و(جين اير) لأختها شارلوت؛ كلاهما روايتان عميقتان عن النّفس الإنسانيّة وصراع الحبّ والكبرياء وتقلّبات القدر المفاجئة، مكتوبتان بلغةٍ نقيّةٍ ومؤثّرة، لاقتا إعجاب أجيالٍ متلاحقةٍ من القرّاء وتمت معالجتهما سينمائياً مرّاتٍ عديدة. لكنّ المكتبات في تلك الحقبة كانت مزدحمةً برواياتٍ مبتذلة ٍممتلئةٍ بحديثٍ فارغٍ عن الغيرة والشّهوة والنّميمة بشكل يشبه إلى حدّ كبير مسلسلات تلفزيون الواقع في يومنا هذا.

ما جعل كثيراً من القرّاء الحقيقييّن ممّن يبحثون عن متعةٍ خالصةٍ وقصّةٍ مكتوبةٍ بإتقان وحوار يحترم عقولهم. يدبرون عن كلّ ما كتب بيد أنثى، وهذا ما دفع ايميلي إلى نشر أعمالها باسمٍ ذكوريّ مسيحيّ مستعار (إيلي بيل) ليلقى تقبّل القرّاء وكذلك فعلت أختها شارلوت حيث اتّخذت لنفسها اسم (كيور بيل).

تصرّفُ كان لابدّ منه في مجتمعٍ يحكم على الكتاب من غلافه ويعمّم تصرّف أحد النّساء على جنسها عامّة، قد تعتقد أنّ الأمر أفضل حالاً الآن ولكنّ الحقيقة إنّ كثيراً من الكاتبات لا يزلن يقمن بهذا فمؤلّفة سلسلة (هاري بوتر) الشّهيرة أقرّت انّها استعملت الحروف الأولى من اسمها لئلا يظهر أنّها أنثى فينفر من كتبها.

مارجريت آن باكلي – Margaret Ann Buckley

مارجريت آن باكلي

كانت مارجريت من الطّلاّب المتفوّقين في مدرستها وامتلكت قوّة بصيرة وذكاءً لا يشكّ بهما، علّتها الوحيدة هي زمانها! حيث كانت المدرسة نهاية المشوار العلمي بالنّسبة للإناث آنذاك…

إلاّ أنّ طموحها كان أكبر من ذلك، لقد أرادت ان تصبح جرّاحة، أن تتجوّل في أروقة المشافي وتنقذ الأرواح، والأهم بالنّسبة لها إنقاذ والديها من ضائقتهم الماليّة. لم تجد مارجريت بداً من إخفاء حقيقتها والادّعاء بأنّها رجل يدعى (جايمس بري) والالتحاق كطالب في كليّة الطّب في بريطانيا، وبالفعل أثبتت مارجريت جدارتها حيث اجتازت بنجاح اختبار الجرّاحين عام 1813، وحققّت حلمها، ولكن أن تصبح رجلاً لا يأت من دون مسؤولياته؛ فقد اضطرّت أن تخدم لدى الطّاقم الطّبي للجّيش البريطاني أثناء الحرب حيث أجرت إحدى أكثر العمليّات الجّراحية استثنائيّةً منقذًة امرأةً حامل ورضيعها معاً ونالت الكثير من التّقدير والامتنان ولم يتم كشف هويّتها إلا بعد مماتها عام 1865.

دوروثي لورنس – Dorothy Lawrence

دوروثي لورنس

الكثير منا يعرف أميرة ديزني (مولان) التّي ادّعت أنّها مقاتل لتشارك في الدّفاع عن وطنها ضدّ المعتدين، لكن قليلين هم من يعرفون (دوروثي) فتاةُ شابّةُ مليئة ُبالعنفوان والشّجاعة، امتلكتها رغبةُ جامحة في الانضمام للقوّات الحربيّة رغبة ُمحرّمةُ على الإناث وقتها لكنّ ذلك لم يقف عائقاً في طريقها فتخلّت عن شعرها الطّويل وحياتها الهادئة وقامت بسرقة بذلة أحد أصدقائها والتّطوع للخدمة.

ولكن للأسف دوروثي لم تكافئ على وطنيّتها الشّديدة فقد كشف أمرها وألقيت وراء القضبان متّهمةً بكونها إحدى الجواسيس الألمان، وبعد تبرئتها لم يتم إطلاق سراحها إلاّ بعد إجبارها على توقيع عريضةٍ تنم على التّكتم الكامل وذلك لعدم تشجيع غيرها من النّساء على تكرار فعلتها.

رينا كانوكجي – Rena Kanokogi

رينا كانوكجي

أمضت رينا سنوات مراهقتها الأولى وحتّى نضجها برفقة الشبّان وقد كان كثيرُ من أصدقائها المقرّبين من هواة الجّودو ما جعلها تقع في غرام هذا الفنّ القتاليّ من صغرها، وظهرت موهبتها مبكرةً وأمضت ساعاتٍ طوال من كلّ يوم وهي تتدرّب وتتقن حركاته، كلّها عوامل تدفع بأيّ رياضيٍّ إلى القمّة، لكنّ المجتمع آنذاك كان لا يزال يعتبر الرّياضة وخاصّةً القتاليّة منها حكراً على الرّجال وعلى النّساء فقط الجّلوس على المدرّجات والهتاف لتشجيع الرّجال العظماء والمذهلين والإغماء من الإعجاب.

لكن (رينا) لم ترد الجّلوس على مقعدٍ ما بل أرادت أن تقف في الحلبة فاشتركت ببطولة نيويورك للجّودو عام 1959 على أنّها شاب صغير يدعى (راستي).

وبالفعل كانت ثقة رينا بقدراتها في محلّها فقد فازت بالبطولة بالمرتبة الأولى.

لكن ّتنكّرها كشف بعدها، لو أنّ هذه نهاية فيلمٍ عائليّ لأدركت اللّجنة خطأها وكرّمت رينا واعترفوا بقدرات النّساء ووقفوا لهم إجلالاً وتبعها موقفٌ كوميديٌّ ثمّ عبارة THE END.

ولكن هذه للأسف الحياة الحقيقيّة فقد جرّدت رينا من ميداليّتها ونبذت من الموقع وحرمت من المشاركة مستقبلاً بأيّ دورة.

إلا أنّ صاحب العزيمة لا يكسره شيء، هذه العزيمة استجمعتها رينا وسافرت إلى اليابان وتدرّبت لدى أبرز معلّمي الجّودو وأتقنت هذا الفنّ بمهارة.

ثم عادت خاليةً من المرارة، رائدةً فريدةً من نوعها لتجعل المستحيل ممكناً حيث افتتحت أولى مركز لتدريب الجودو للنّساء وأقامت أولى دورة بطولة خاصّة بهم في ساحة ماديسون سكوير غاردن ما كان له التّأثير الكبير على ضم النّساء إلى الأولمبيّات في جميع الفئات.

دوروثي تيبتون – Dorothy Lucille Tipton

دوروثي تيبتون

كانت دوروثي صاحبة حسٍّ مرهفٍ في الموسيقى وتعلّمت من صغرها العزف بأسلوبٍ متفرّدٍ على البيانو والساكسفون وعبّرت عن الجّاز بأسلوبها الخاص، لكنّها كانت بحاجةٍ لفرصةٍ لإظهار مواهبها ولو بإحدى عروض الهواة التي تقام في حانات اوكلاهوما ما كان لسوء حظّها محظوراّ على النّساء. ولكي تنال تذكرتها الذّهبية لحياةٍ أفضل اتّخذت اسم والدها (بيلي) وعلّمت نفسها كيف تتصرّف وتتكلّم كالرّجال حتى أنّ طريقة إمساكها للآلات الموسيقيّة تغيّرت لدرجة أنّ أحداً لم يشكّ للحظةٍ بأنّها فتاة.

ولم تضيع دوروثي فرصتها فقد أذهلت الجّمهور ودخلت عالم الفن بقوّة ٍولاقت نجاحاً باهراً وأصدرت عدّة ألبومات لكن للشّهرة ثمنها فقد انتقلت من كونها رجلاً في العروض الموسيقيّة إلى رجل بدوامٍ كامل ما عدا الأوقات القليلة التي كانت تخرج فيها على حقيقتها لتلتقي بالشّاب الذي تهواه وقد تمكّنت من إخفاء حقيقتها بامتياز ولم تكتشف إلا بعد مماتها.

بمقدورنا تعلّم الكثير من هؤلاء النسوة العظيمات اللّواتي سبقن زمانهنّ ومهّدن الطريق أمام الأجيال اللّاحقة.

4