السيدات والأعباء المنزلية في رمضان… متى ينتهي هذا التكلف؟!

المرأة في رمضان
1

ماذا يسعني أن أقول غير أن مُعظم السيدات يَتجنّدن لشهر رمضان بكل ما لهذه الكلمة من معنى ومدلول بهدف خدمة أفراد أسرهن وأحبابهن من الصائمين، قُدرات هائلة ومواهب مُبدعة في الاستعداد الكامل الشامل للتفنن في ألذ الأطباق وإبهار الحاضرين والغائبين بصورة المرأة المتعددة المواهب، ورغم أن كل هذا يكون مغموراً بالحب والعاطفة النبيلة لإسعاد الزوج، أهل الزوج، الأبناء، الأقرباء،الجيران والأصدقاء القريبين والبعيدين… رمضان يتركهن بلا شك في حاجة لعطلة طويلة الأمد، وهو ما لا يحدث عند الكثيرات ممن يشكل رمضان لهن شهراً آخر من شهور السنة التي يمنحن فيها من الوقت والجهد النفسي والجسدي ما يُميزهن في المجتمع الذي يعشن وسطه كنساء، سيدات وربات بيوت، الفرق فقط أن تلك المجهودات تتضاعف في هذا الوقت كل عام.

الاستعدادات قبيل الشهر الكريم وتزايد الأعباء المنزلية خلاله

السفرة الرمضانية تعدها المرأة

أجواء رمضان تسبقه بأيام قبل حلوله كما هو مُتعارف عليه، ولذا تستعد له أيضا أغلب السيدات فتبذل كل واحدة الجهد المضاعف حتى توفر لأسرتها تمضية هذا الشهر في جو مُميز ومُريح، وهذا أمر مُرتبط أيضا بالإرث الثقافي والوعي الجمعي المشترك بين البلاد الإسلامية والعربية، ولن ننكر أبدًا ما يحمله رمضان لنا من سرور وبهجة، مصدرها ما تقوم به الأمهات وربات البيوت عموماً، فلولاهن لما كانت لهذا الوقت من السنة ميزة خاصة، ولكن الأجدى أن نُنصفهن ولو بالحديث فقط.

تشعر المرأة أنها ملزمة ومن واجبها الطبيعي تأمين الأحسن لزوجها وأطفالها، ومع تنازل العد العكسي لرمضان، تعمل على قدم وساق لتجهز بيتها وخاصة مطبخها، حيث ترتكز هاته الأعمال عادة حول…

  1. القيام بأعمال الغسل والتنظيف.
  2. الهرع إلى اقتناء المنتوجات الغذائية وبعض الاحتياجات الأخرى من الأواني والأطقم والأفرشة الجديدة…
  3. التحضير المُسبق لبعض الأكلات القابلة للحفظ والتخزين احتساباً لضيق الوقت في شهر الصيام.
  4. إعادة ترتيب أركان المنزل وإضافة لمسات جديدة على الأثاث والديكورات استعداداً لاستقبال الضيوف.

امرأة ضائعة بين واجبات المنزل

وحين يحل الشهر الكريم، تجد مهامها تتضاعف، حيث تعاني المرأة في رمضان من ضيق الوقت وتراكم الواجبات، مسؤوليات منقسمة بين تحضير الوجبات والحرص على التنوع والتجديد في الوصفات، إعداد المائدة وتزيينها بأحلى الأطباق، العناية بالأطفال ومراقبة سيرورة دراستهم، والاهتمام اليومي بنظافة البيت ونظامه، ووسط زخم الالتزامات، دعوة الأهل والأصدقاء والترحيب بهم مهمة أخرى توليها السيدات أهمية كبرى في شهر رمضان.

وسائل الإعلام تزيد الطين بلة

إعلان رمضاني

الحديث طويل عن الصورة النمطية للمرأة التي لم يستطع الإعلام العربي الخروج منها منذ سنوات! ولمن سيدقق في الأمر ويحلل الوضعية بعين ثاقبة وفكر منطقي مُنفتح، سوف يرى كيف أن وسائل الإعلام من قنوات تلفزيه، مجلات ورقية ومواقع إلكترونية بإشهاراتها وحملاتها الإعلانية ومسلسلات رمضان وبرامج الطبخ المتناثرة في كل منصة إعلامية، تزيد من العبء النفسي لدى المرأة تجاه نوعية مسؤولياتها في رمضان وتحصر كينونتها بأكملها في أدوار الطبخ والنفخ والزواج والأولاد وبكلام آخر؛ الاعتناء وخدمة الآخر.

إنها سنة الحياة طبعاً كما يقال، حاجة بيولوجية سيكولوجية ومسار طبيعي وشرف لكل أنثى أن تتقمص هذه الأدوار وتبرع فيها، ولكني أرى الحال يؤول إلى طريق واحدة لا سواها؛ الانكماش التدريجي للصورة الذاتية عند سيدات وطني العربي، لا أريد الوقوع في فخ التعميم ولكن الحقائق تُثبت وجودها بالقوة.

كإطلالة أولية على أغلب عناوين المقالات، المنشورات والفيديوهات على صفحات الإنترنت قبيل رمضان، سوف نجد بصورة مُكثفة الآتي:

  • كيف تعدين منزلك لاستقبال رمضان
  • ديكورات المنزل استعداداً لرمضان
  • تنظيف وتنظيم المنزل استعدادا لشهر رمضان المبارك
  • استعداد وهمه لتستقبلي شهر الرحمة
  • استعدادات ربة المنزل لرمضان
  • استعدادات ربات البيوت لاستقبال الشهر الفضيل

لماذا لم أجد عنوانا مثل: «كيف تستعد لمساعدة زوجتك في رمضان»؟!!!! وأنا متأكدة أن عنوانًا كهذا حتى إن وُجد لن يقترب منه أحد لقراءة مُحتواه.

و لن ننس كيف أن برامج الطبخ والوصفات مازال أغلبها يستعمل صيغة المخاطبة المؤنثة، وكأن المرأة والمرأة فقط مجبولة على الطبخ طيلة حياتها. أما إذا انتقلنا مُباشرة إلى الحرب الطاحنة الشعواء بين شركات الدعاية في رمضان، فحديثنا لن يطول فقط، بل «سيتمدد بالحرارة ويتبربر بالبرورة!!»

عدا عن إعلانات التسول في قناع التبرع والجنون التنافسي لشركات الاتصالات، تتمحور الوقفات الإشهارية الطويلة إجمالاً حول المنتوجات الغذائية، موائد الإفطار، تجهيز الطعام والاستعدادات… بينما يلعب هذا النوع من الدعاية على عواطف المشاهدين ويستغل تجمع أفراد الأسرة حول التلفاز لأطول فترة زمنية ممكنة، فإنه يصور دائمًا المرأة تنظف أرضية الحمام، تطبخ، تجهز مائدة الطعام، تقدم الأكل لعائلتها، تتجول في مراكز التسوق، تثرثر في الهاتف لساعات مع جارتها… ولا أدري إن كان ذلك جميلاً أم غبياً لأنها في كل هذه الصور تكون سعيدة، نشيطة ومُنطلقة على نحو ساذج ولا يمت لواقعها بصلة، إنها فقط صناعة الوهم وبيعه بأغلى الأثمنة.

ورغم أني لا أؤمن بما تقدمه الحملات الإشهارية لأنها تلجأ لشتى الوسائل لتسويق المنتجات، لكن دعاية واحدة أثارت اهتمامي هذه السنة، لكونها لمست موضوعا بالغ الأهمية بالنسبة لكل فتاة وسيدة في العالم العربي؛ إنها الحملة الإعلانية الملهمة للفوطة الصحية أولويز تحت اسم: #بنت_وأقدر، التي تشجع النساء العربيات على الجرأة على الحلم أبعد من الحياة المنزلية العادية والتفكير بخيارات أخرى أيضًا إلى جانب الأدوار النمطية المُتوقعة دائماً منها من طرف المجتمع.

أين الرجل من كل هذا؟!!

دور الرجل في رمضان

الرجال أيضا يستعدون لرمضان ولكن بشكل مختلف تماماً، لا شيء مميز قبيل ذلك عادة باستثناء ربما التفكير في كيفية قضاء الوقت دون الشعور بالملل!! وعندما يحل الشهر الفضيل، فمنهم من يُمرّن عضلاته بصالات الجيم، آخرون يرتادون المقاهي بعد وجبة الإفطار يوميًا حيث يلتقون بالأصدقاء وزملاء العمل لتجاذب أطراف الحديث عن الرياضة والأخبار السياسية…، فئة أخرى تفضل الالتزام بالعبادات والتزود بالطاقة الروحية لرمضان، وبين هؤلاء وأولئك، تبقى نسبة ضعيفة من الرجال ممن يقدمون يد العون لزوجاتهم، أخواتهم أو أمهاتهم، ونحترمهم كثيراً على ذلك.

و أمام هذا نجد بأن المرأة في رمضان تفضل البقاء في المنزل (نسبة كبيرة منهن)، والاكتفاء بمتابعة المسلسلات والبرامج والحرص على توفير القدر الممكن من السعادة، الراحة والرفاهية لكل فرد في العائلة ، مهمة صعبة وشاقة ومكلفة تقمن بها كل سنة ليس لأنهن الأفضل كما تخبرهن الحملات الإشهارية، لأنهن لا يعرفن غير ذلك!

لم تتعود المرأة أن تربط ذاتها بغير هذه الصورة، بل تجد نفسها شبه ناقصة إن لم تلعب هذه الأدوار؛ الاهتمام، العناية بالأطفال، المنزل والزوج… أدوار تكون في بعض الأحيان قاسية ومُجحفة خاصة حين يتعلق الأمر بالسيدات العاملات.

فانوس رمضان

هذا المقال ليس هجوما على الرجل، إنما هو دعوة إلى إعادة تقييم المعاني الحقيقية لشهر الصيام، أحيانا تحمل بساطة العيش لنا من الغبطة ما لا تقدر أن تمنحنا إياه المغالاة والتكلف، وإذا كان ما اعتدته أمهاتنا وجداتنا قد يضيف إلى باقي تعقيدات الحياة، فلا بأس بتجاوزه ولو قليلاً.

لرمضان روحانية مميزة لا تتطلب أطباق الطعام والموائد المليئة بما لذ وطاب، ولا الدعوات المكلفة، يكفي المرأة في رمضان تشجيعها على الإبداع والحلم خارج شرنقة المطبخ، الغسل والكي…، وإن لم تستطع أن تمشي أبعد من ذلك، يجب احترام مجهوداتها وتقدير تعبها.
1