هل تقدم “نظرية التطور” الحل الأمثل لأزمة البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية؟

1

لم يكن لدى تشارلز داروين أي فكرة عن أن الجراثيم ستقدم أقوى الأدلة لدعم نظريته عن التطور بالانتقاء الطبيعي، فما كان معلوما عن عالم الجراثيم في عصره كان ضئيلا للغاية، إلا أن نظريته الآن تقبع في قلب فهمنا لحياة تلك الكائنات الصغيرة، وقد تساعد المبادئ الأساسية للنظرية في حل أحد أكبر أزمات عصرنا، أزمة البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.

دقت الشهر الماضي مراكز الصحة الأمريكية نواقيس الخطر، حيث تم العثور في إحدى المستشفيات الأمريكية عن بكتيريا مقاومة للمضاد الحيوي كوليستين colistin ، أحد المضادات الحيوية الذي يستخدم كخط دفاع نهائي ضد الجراثيم التي قاومت المضادات الأخرى، وهو ما أثار موجة ذعر تصدرت الصفحات الأولى لمختلف المجلات والصحف العلمية، على كل حال لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يعثر فيها العلماء على جراثيم ممرضة شرسة تستطيع مقاومة أشد المضادات الحيوية فتكا، فقد توالت التقارير العام الماضي من شتى أنحاء العالم عن بكتيريا من سلالات مختلفة لا تستجيب للعلاجات الحالية، وتشير تقديرات مراكز مكافحة الأمراض واتقائها “CDC”، أن 23 ألف شخص في الولايات المتحدة يموتون سنويا بسبب عدوى بالجراثيم المقاومة للمضادات الحيوية.

مقدمة قصيرة جدا جدا

المضادات الحيوية هي مركبات كيميائية تفرز من قبل كائن مجهري كالبكتيريا لتقتل أو تثبط نمو نوع آخر من الكائنات المجهرية المنافسة، لذا فإن المضادات الحيوية وجدت على الأرض قبل وصول البشر بملايين السنين.

أليكساندر فليمينج مكتشف البنسلين
أليكساندر فليمينج مكتشف البنسلين

على كل حال فإن اللقاء المنتظر بين البشر والمضادات الحيوية أتى بالصدفة، فكما تروي القصة الشهيرة، عاد عالم الأحياء الدقيقة “أليكسندر فليمينج” إلى معمله بعد إجازة قصيرة، ليجد اكتشافا مذهلا ينتظره بأحد أطباق بتري خاصته، حيث لاحظ فليمينج أن نمو البكتيريا تراجع في أحد الأطباق بسبب نمو عفن فطري، ليستنتج أن إفرازات ذلك الفطر كانت السبب في تراجع البكتيريا، ويعزل مستخلص الفطر السحري وأشباهه، ومن ثم يتم يستخدم في علاج مختلف الأمراض المعدية من التهابات الحلق إلى عدوى الجهاز التنفسي إلى أمراض الباطنة والجهاز التناسلي.

إلا أن ذلك العلاج السحري لم يكن ذو فعالية فائقة طيلة الوقت، فمنذ السنوات الأولى لاستعمال المضادات الحيوية كعلاج، اكتشف العلماء بعض الجراثيم التي تستطيع مقاومتها والتغلب عليها، لم يملك العلماء حينها أي تفسير مناسب، ولم يكن الأمر خطيرا يستدعي الاهتمام الشديد في ذاك الوقت، حيث أن وتيرة إنتاج مضادات أخرى كانت سريعة للغاية، ليحل علاج أكثر فعالية على سابقيه فورا، وتتراجع الامراض المعدية كما لم يحدث من قبل عبر التاريخ البشري بأكمله.

أطباء أفارقة يناقشون أزمة البكتيريا

أما اليوم، بعد ما بدأت خطوط الإنتاج بالنضوب، وتراجعت العديد من شركات الأدوية عن إنتاج المضادات الحيوية بسبب نفقاتها المرتفعة وأرباحها غير المجزية، و مع ظهور عدد لا بأس به من السلالات البكتيرية المقاومة، تزاحم أزمة مقاومة المضادات الحيوية اليوم الأزمات العالمية الكبرى كالتلوث والاحتباس الحراري، وتعمل آلاف المعامل البحثية حول العالم لإيجاد حل مناسب، ينقذ البشرية من كارثة محتملة.

يمكننا تلخيص سبب مقاومة البكتيريا بكلمة واحدة وهي بالتأكيد “التطور”، لنأخد مثالا توضيحيا “البكتيريا X” الممرضة التي تمت معالجتها بالبنسلين، يقوم البنسلين بوظيفته عن طريق تعطيل أحد البروتينات الهامة لبناء الجدار الخلوي للبكتيريا، وبدون جدار خلوي ستموت “البكتيريا X” نتيجة تسرب السوائل أو انفجار الخلايا، وربما تستمر فعالية البنسلين عدة أجيال، حتى حدوث طفرة عشوائية في المادة الوراثية للبكتيريا تتسبب في تغيير شكل البروتين الذي يرتبط به المضاد الحيوي، أو إلى زيادة عدد مضخات الخلية X التي تستطيع طرد البنسلين سريعا خارج الخلية،أو إلى اكتساب أحد الانزيمات البكتيرية القدرة على هضم المضاد الحيوي قبل إحداث تأثيره المميت.

إن تلك الطفرة قد تكون بلا فائدة في بيئة مختلفة، إلا أنها في بيئة مشبعة البنسلين ستعمل على انتقاء الخلايا التي تمتلكها، فتنجو وتزداد لتخلف غيرها مما يفتقد إلى تلك الخاصية المذهلة.

التطور إذا هو العدو الحقيقي في تلك الأزمة، ولسوء حظنا فإن البكتيريا كائنات بارعة وسريعة التطور، يعود ذلك إلى انقسامها السريع الذي يزيد من احتمالية حدوث الطفرات، كذلك إلى قدرتها على امتصاص قطع من الدنا DNA العاري من محيطها في عملية تعرف بالتحول Transformation، أو بانتقال جزء صغير من المادة الوراثية بين خليتين في عملية تعرف بالاقتران conjugation.

انقسام البكتيريا

دواء يصمد أمام التطور

تمثلت الاستجابة المعيارية لأزمة البكتيريا المقاومة في السنوات الماضية، بسباق تسلح يخوضه الباحثون بتطوير مضادات حيوية جديدة ضد دفاعات البكتيريا المقاومة، إلا ذلك الحل لا يعدو أن يكون إلا مجرد دوران في المكان، فالبكتيريا لن تتوقف عن تطوير دفاعاتها، ما لم نكتشف طريقة مختلفة لمهاجمتها.

نحن في أشد الحاجة إلى استثمار معرفتنا بمبادئ نظرية التطور لصناعة دواء يصمد أمام تطور البكتيريا، أو على الأقل أن يقلل من سرعة تطوريها للمقاومة، وهذا هو ما يعد به فرع علمي جديد من علوم البيولوجي يعرف بـ “الميكروبيولوجيا الاجتماعية”.

لن يخطر على بالك فور سماع كلمة “بكتيريا”، أن تتخيل مجتمع مترابط يتواصل أفراده مع بعضهم البعض بشكل مستمر، يتحدثون بلغتهم المميزة لتنظيم حياتهم ومصيرهم المستقبلي، ذاك أن العلماء اعتادوا دراسة البكتيريا على أنها كائنات غير اجتماعية، إلا ان تلك الصورة تغيرت جذريا بنهاية القرن الماضي مع التقدم بشكل أساسي في فهم ما يعرف “باستشعار النصاب” quroum sensing”.

استشعار النصاب هو نظام تستخدمه البكتيريا لتقدير عدد أقاربها في بيئة محددة، حيث تفرز البكتيريا جزيئات استشعارية كرسائل تنادي “هل من أحد هنا؟”، وفور ازدياد تركيز تلك الرسائل التي تعني زيادة في كثافة المستعمرة البكتيرية، تبدأ المستعمرة بتنظيم استجابة موحدة لهدف مشترك، على سبيل المثال تنتظر العديد من أنواع البكتيريا الممرضة حتى الوصول إلى كثافة محددة، لتبدأ في إفراز سمومها ومهاجمة عائلها، وفي حين تستطيع “أدوية ضد التعاون” إيقاف ذاك النشاط، فإن نظرية التطور تتنبأ أيضا أن تلك الأدوية قد تصمد أمام تطور البكتيريا بشكل مذهل.

نشاط البكتيريا الجمعي

الجاليوم

يعد عنصر الجاليوم أحد أنجح الأمثلة على الأدوية المضادة للتعاون، حيث يوضح الكاتب العلمي “كارل زيمر” في مقالته العلمية بمجلة “ساينتفيك أمريكان” المعنون بـ “نقطة ضعف في حصن الجراثيم“، ما حققه هذا العنصر كعلاج بديل للمضادات الحيوية حتى الآن.

حيث استخدم فريق من الباحثين مؤخرا هذا العنصر مضادا لسلوك تعاوني مميز في بكتيريا ممرضة تعرف بالزوائف pseudomonas، لا تستطيع البكتيريا النمو دون الحديد، ولأن الجسم البشري بيئة فقيرة بالحديد، تنتج خلايا البكتيريا جزيئات تعرف بحاملات الحديد تقوم بانتزاع أو سرقة الحديد من جزيئات الهيموجلوبين في الجسم، ويعتبر هذا السلوك تعاونيا إلى حد بعيد، حيث أن كل جزيء من جزيئات حاملات التي يلتقطها أحد الميكروبات يغلب أن يكون صنعها ميكروب آخر من بين ملايين الميكروبات في المستعمرة.

لوحظ أن حاملات الحديد التي يطلقها هذا النوع من البكتيريا تلتقط معدن الجاليوم بسهولة التقاطها للحديد، ولذى عمد الباحثون على تجربته على حشرات اليسروع المصابة مسبقا بالجراثيم الزوائف، وقد تماثلت للشفاء جميع الحشرات المصابة التي أعطيت الجاليوم.

وبعد اجتياز الجاليوم أولى الاختبارات ونجاحه كدواء مضادة للجراثيم الممرضة، كان عليه اجتياز التجربة الأكثر صعوبة كدواء يستطيع الصمود أمام التطور، فوفقا لتنبؤات النظرية سيصعب على البكتيريا تطوير مقاومة لذلك العنصر، لغياب أساس يقوم عليه انتقاء البكتيريا الطافرة.

بكتيريا الزوائف المسببة للأمراض تحتاج إلى عنصر الحديد
بكتيريا الزوائف المسببة للأمراض تحتاج إلى عنصر الحديد

على سبيل المثال إذا اكتسبت أحدى خلايا البكتيريا القدرة على تصنيع حاملات حديد ترتبط بالحديد فقط ولا تلتقط الجاليوم، فلن تنال الجرثومة الطافرة أي ميزة تجعلها تتفوق على شقيقاتها، ذلك أن جزيء حامل الحديد المميز سينتهي به الحال على الأغلب إلى جرثومة أخرى في المستعمرة الكثيفة.

وقد أكدت التجارب تلك التوقعات حتى الآن، حيث عمد الباحثون على تنمية الجراثيم الزوائف في المعمل في بيئة تفتقر إلى الحديد، حيث كان على البكتيريا إفراز حاملات الحديد لالتقاطه، وعولجت في البداية بمضادات حيوية تقليدية والتي أدت إلى إبطاء نموها في البداية إلا إنها سرعان ما طورت مقاومة لتلك المضادات بعد 12 يوما، وعند إجراء نفس التجربة مع استبدال المضادات الحيوية بالجاليوم، توقف نمو الجراثيم بشكل بالغ وظلت استجابة الجراثيم للجاليوم ثابتة حتى بعد مرور 12 يوما.

طابور خامس

تقوم فكرة علاج آخر مضاد للتعاون على حقن المصابين ببكتيريا دخيلة من نفس النوع الذي سبب الإصابة بالأساس، بشرط أن يكون ذلك الدخيل “غير متعاون”، ففور اندماج ذلك الدخيل المتطفل بالمجتمع البكتيري، سيتمكن من الاستفادة بنواتج التعاون دون أن يقدم أي مساهمة ودون أن يستفذ طاقته كباقي المتعاونين، ليزيد بذلك من كثافته رويدا رويدا حتى ينهار مجتمع البكتيريا من الداخل بسبب انهيار التعاون بين أفراده.

قدم تلك الفكرة شديدة الغرابة عالم البيولوجيا التطورية من جامعة إدنبره “ستيوارت ويست” قبل عدة أعوام، لكنه لايزال يرى أن استخدام تلك التقنية كأسلوب علاج لن يتم تطبيقه عما قريب، رغم إظهار التجارب أولية العديد من النتائج المبشرة.

ويهدف باحثون آخرون لتطوير أدوية مضادة للتعاون تقوم بالأساس تقوم على تدمير نظام الاتصالات بين البكتيريا كالرسائل الكيميائية التابعة لنظام استشعار النصاب، فكما تقول”بوني باسلر” الخبيرة بالميكروبولوجيا الاجتماعية: ” يمكننا بتلك الأدوية أن نجعل البكتيريا صماء أو خرساء!”، وهو ما يجعلها عاجزة وغير فعالة، كما أنها علاجات نوعية تستهدف النوع الضار فقط، دون أن تؤذي البكتيريا النافعة للجسم، كما تفعل المضادات الحيوية التقليدية.

على كل حال نستطيع جميعا المشاركة في حل أزمة مقاومة البكتيريا، من خلال تعاوننا على حظر الاستخدام المفرط للمضادات الحيوية، بإكمال جرعات المضاد الحيوي التي يحددها الطبيب، وبنشر التوعية لخطورة أزمة البكتيريا المقاومة في مجتمعاتنا، لنتمكن سويا مستقبلا من دحر مجتمعات البكتيريا المقاومة المسببة للمرض.

المصادر

1

شاركنا رأيك حول "هل تقدم “نظرية التطور” الحل الأمثل لأزمة البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية؟"

  1. Khalil Saleem

    المقال جميل ومتعوب عليه، إلا أنه يبقى وجهة نظر في عالم التطور، ولا يوجد أدلة علمية كافية.
    البكتيريا المضادة للمضادات الحيوية موجودة قبل انتاج المضادات الحيوية، والمقاومة الناشئة لا تنشأ كما تقول بالتطور،
    هنالك في بقعة 10 مليون خلية بكتيرية، حينما تزودها بمضاد حيوي، تكون لنفترض 99% منها غير مقاومة وتموت ، ويبقى 1% مقاوم للمضاد الحيوي، خلقها الله مقاومة وجاهزة، أنت تشعر حينما أنك بخير وشفيت، وعلى مدار الأعوام، هذا ال1% ينتشر ويصبح هو السلالة المنتشرة لأنها بقيت، لاحقا قد يحدث انتقال بالبلاسميديوم كما ذكرت عبر الترانسدكشن ، أو الكوندكشن، لخلايا أخرى، المقصد أن المقاومة موجودة مسبقا وليست ناشئة، والدليل وجدوا جثث ضحايا سفينة اسبانية قد غرقت في القرن التاسع عشر ( اي قبل اكتشاف المضادات الحيوية ) عليها بكتيريا مقاومة للكثير من المضادات الحيوية الحالية، وقد علق الكثير من العلماء على هذا الاكتشاف .. إلخ
    ايضا اخبرني كيف للبكتيريا ان تطور نفسها بمضاد حيوي ؟
    تخيل الانسان العاقل عبر عشرات السنين والاف العلماء والمراكز لا تستطيع تطوير مضاد حيوي جديد، فما بالك ببكتريا غير عاقلة ولا توجد لديها مختبرات، كذلك لا يوجد لديها مستقبلات أو حساسات Receptors موجودة مسبقا لمعرفة أي مضاد حيوي سيأتيها لتطور جيناتها بنفسها، وتطوير الجينات أمر لا يمكن وصفه بالسهولة، ناهيك عن أن التطوير سيكون على الخلية نفسها وليس في DNA الوراثة، الا اذا انتقل عبر Plasmidiom وسيكون ايضا شيء نادر … إلخ والأدلة تطول

أضف تعليقًا